أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

القلب المشروح: نعمة انشراح الصدر وكِبَر الاختبارات

خاطرة العشاء [ مقاصد الشريعة ] — نعمة انشراح الصدر، ولماذا يلقى القلب الأكبر اختبارات أكبر

د. أحمد أبو سيف•٧ سبتمبر ٢٠٢٦•8 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ٧ سبتمبر ٢٠٢٦ المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

من أعظم النعم التي أعطاها الله للنبي محمد ﷺ نعمةٌ مذكورة في السورة التي قرأناها في الركعة الثانية. هل تذكرونها؟ ماذا تعني كلمة «شرح» في العربية؟ التوسعة. والتوسعة تحمل معنيين: الفتح، والتكبير.[1]

وهنا يسأل الله النبي ﷺ: «ألم نفعل هذا؟» إنه يذكّره بالنعم التي أعطاه إياها. فإذا قرأنا من البداية قال الله: «ألم يجدك يتيمًا؟» وكان قد أعطاه نعمة، ثم اثنتين، ثم ثلاثًا، ثم يسأل مرة أخرى. وهذه النعمة الرابعة.[2]

تأمّل ذلك. حين أريد أن أذكّر أحدًا بما أحسنت به إليه، فبأي شيء أبدأ؟ بالأكبر أم بالأصغر؟ إنني أذكّره بعدة أمور، فأبدأ بالأيسر وأرتقي، وفي النهاية أذكر له أفضل ما فعلت له، لأن آخر الكلام هو الذي يبقى في الذهن ويثبت. وهكذا الله، بعد سؤاله للنبي ﷺ، يذكّره بهذا الترتيب. النعمة الأولى كانت روحية، والثانية عقلية، والثالثة مالية. أما الرابعة فشيء مختلف تمامًا.

الصدر الذي جُعل أوسع

ماذا يعني الصدر هنا؟ توسيع الصدر. أهو خارج الجسد أم داخله؟ إنه في الداخل؛ أعني القلب. الله يخبر النبي ﷺ أنه جعل قلبه أكبر من قلوب سائر الناس.

وما الفائدة؟ حين نقول إن الله أعطاه هذه النعمة فمعناه أنه أعطاه القدرة على استيعاب معظم الأمور واحتوائها. دعوني أضرب مثالًا متواضعًا. لنفترض أن عندي قارورة صغيرة وكمية هائلة من الماء، وأحاول أن أصبّ كل ذلك الماء في القارورة. ماذا يحدث؟ يفيض. القارورة لا تحمل هذا القدر. فبغير وعاء كبير لا أستطيع حمل الأمور الكبيرة.

وحين ننظر إلى حياة النبي ﷺ نستطيع القول بيقين إنه كان يواجه كل يوم نوعًا من المشكلات. أليس كذلك؟ كل يوم نوع مختلف من المشكلات، ومن الكفاح، ومن التحديات في الحياة. ولولا ذلك القلب الكبير لما استطاع الثبات أمام هذا كله، واحدًا بعد آخر، بعد آخر، بعد آخر.

ثلاثة أنواع من التحدي

سبق أن ضربت لكم مثالًا. حين أنظر في القرآن أجد الله يخاطب النبي ﷺ مباشرة في ثلاثة تحديات مختلفة كان يواجهها. الأول جهل الناس، وعقلية الكفر من بداية الحياة إلى زمن الإسلام. هذا هو التحدي الأول، وكان في مكة. والثاني جاء مع المنافقين الذين ظهروا في المدينة.

والثالث؟ أمر الله النبي ﷺ أن يخاطب زوجاته مباشرة. تخيّل التحدي القادم من داخل البيت. كنّ بشرًا. ينظرن إلى جاراتهن ومن حولهن: أحتاج إلى بيت أكبر، لماذا نحن هكذا، أحتاج أن أغيّر ثيابي، أحتاج إلى مال أكثر. والخيار الذي عُرض عليهن: إن أصررتن على ذلك فتعالَيْنَ أُعطِكنّ ما تحتجن إليه، لكن لا يمكنكنّ أن تبقَيْنَ معي. كان يحتاج إلى من يعينه على التحدي الذي يواجهونه معًا.

فكان النبي ﷺ يواجه كل هذه التحديات، وسأله الله هذا السؤال. وأستطيع أن أفهم أنني إن شرح الله صدري فسأكون مطمئنًا في ذلك الوقت، نعم، بلا شك. لكن المشكلات لن تتوقف أبدًا. صدر أكبر، قلب أكبر، يعني صعوبات أكثر وأكثر وأكثر.

حين لا يصعب شيء، أعد النظر

وإذا لم تأتني الصعوبات البتة، فليست هذه علامة طيبة. وإذا جاء كل شيء إليّ منسجمًا ليّنًا سلسًا، فليست هذه في الحقيقة علامة طيبة. عليّ أن أعيد النظر في موقعي من الله. علّم النبي ﷺ أن المرء يُبتلى على قدر إيمانه.[3] فما الهدف؟ أن يُرى هل إيمانه قوي بما يكفي. وقد نظن: إذا تبيّن أن إيمانه قوي بما يكفي فسيتوقف الابتلاء. هذا هو تفكيرنا المعتاد. لكن ماذا قال النبي ﷺ؟ إذا كان إيمانه قويًّا زِيد له في الابتلاء.

أول طلب لموسى

والآن انظر إلى موسى عليه السلام. حين اصطفاه الله نبيًّا ورسولًا، فما أول ما قال؟[4] الترجمة المتواضعة لذلك كله: يا رب، اشرح لي صدري. وهو بعينه ما أعطاه الله لنبينا ﷺ منذ البداية. ثم: يسّر لي أمري، وأعطني القدرة على الكلام مع الناس.

تحدث عن نفسه أولًا. اجعلني قادرًا. ثم دعا دعاءً آخر لمن يتلقون الرسالة: أعطهم القدرة على فهم ما أقوله لهم. ثم: اجعل لي معينًا قويًّا من أهلي، وقوِّني به، شريكًا لي. لماذا؟ لأننا نحتاج أن نبلغ هدفنا. وما الهدف؟ في نهاية المطاف لم يكن هدف موسى إلا تسبيح الله.[5] فأجابه الله: قد أعطيناك ذلك، فلا تقلق بشأنه.

والذي أفهمه من هذا أن كل من يسأل الله القدرة على تبليغ رسالته، مع صدر منشرح، سيسمع منه الكلام نفسه: لقد أعطيناك ذلك بالفعل. وأي واحد منا يسأل الله الطلب نفسه الذي سأله موسى سيلقى الجواب نفسه، أنه قد أُعطي ذلك بالفعل. فلا تقلق. نحن لا نسأل الله أن يزيد أموالنا أو يرفع مكانتنا. نسأله القدرة على تبليغ الرسالة، كما فعل موسى.

الدرس

أفضل هبة تتلقاها من الله هي قلبك. لكن كيف نبلغ تلك المنزلة؟ شرح الله ذلك في السورة.[6] حاول بقدر استطاعتك أن تخلع ذنوبك. ضعها عنك. حاول أن تفعل شيئًا يرفع مكانتك، ويزيد نقاطك. فكّر في سجلك الائتماني في هذا البلد: إذا ارتفع بما يكفي صرتَ مؤهلًا، مستوفيًا الشروط لتفعل ما تشاء؛ وما دون ذلك تحتاج إلى من يساعدك، كأن يكون محاسبًا، أو من يشتري لك نقاطًا أكثر إن أردت بيتًا. هذه هي النقطة، وهذا هو الحد.

ويقول الله إن أي صعوبات تواجهها فسييسّرها لك. فلا تقلق من شيء. وكلمتي الأخيرة هي هذه: بقدر قربك من الله ييسّر الله لك كل شيء في حياتك؛ وبقدر بعدك عن الله يعسّر عليك كل شيء في حياتك. موجزة، عذبة، متواضعة. قف عند هذا وابدأ التفكير في كيفية فعله.

لكل منا شخصية مختلفة وقدرة مختلفة، وسيمنح ذلك كلًّا منا القوة ليفعل شيئًا مختلفًا. أنا أستطيع أن أصلي أكثر، وأنت تستطيع أن تنفق أكثر، وتستطيع أن تصوم أكثر، كلٌّ بما يناسب قدرته. لكن مرارًا وتكرارًا وتكرارًا: حاولوا، أرجوكم حاولوا، أن تشعروا بمسؤوليتكم عن دينكم، وأن تفعلوا شيئًا. في نهاية المطاف ستقفون بين يدي الله وتتلقون السؤال: ماذا فعلتَ؟ وستكون قائمتك جاهزة في جيبك، فتخرجها وتقول: هذا ما فعلت: واحد، اثنان، ثلاثة. وربما لا تكون في يدك ورقة، لكن ستكون لك ذاكرة جيدة، وحتى حينئذ سيسأل الله يديك: «هل تخبراننا ماذا فعل؟» فتبدأ يداك تتكلمان نيابة عنك. وتقول رجلاك إلى أين ذهب. ويخبر بطنك الله أي طعام وأي مال كسبتَ. وكل عضو في الجسد يخبر الله بالواقع والحقيقة والصدق.

والسلام عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: لم تُسمَّ السورة في التفريغ، والتلاوة غير مثبتة فيه. والوصف يوافق سورة الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. [2]: توثيق المحرر: التذكير بقوله «ألم يجدك يتيمًا» يوافق سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضحى: ٦]. ولا يعدد التفريغ النعم الثلاث السابقة واحدةً واحدة؛ وتصنيف المتحدث (روحية، عقلية، مالية) ثابت كما قاله. [3]: توثيق المحرر: يروي المتحدث معنى حديث دون أن يعزوه؛ فلا يُنسب هنا مصدر. [4]: توثيق المحرر: ترجمة المتحدث توافق دعاء موسى في سورة طه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي ۝ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٥–٢٩]. ولم يُتلَ الأصل العربي في التفريغ، وهو مذكور للإحالة فقط. [5]: توثيق المحرر: التفريغ غير واضح في هذا الموضع (نحو الدقيقة ١١:٠٠)؛ وعبارة «تسبيح الله» أقرب قراءة للكلمات المسموعة، وأما الجواب «قد أعطيناك ذلك» فمنقول كما قاله المتحدث. [6]: توثيق المحرر: الأصل العربي الذي تلاه المتحدث هنا غير مثبت في التفريغ. وللإحالة: تتابع السورة بوضع الوزر والوعد باليسر مع العسر: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] و﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]. ولا يمكن التثبت من التفريغ أيّ آية قصدها المتحدث.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ