الشرك في القرآن
أن تجعل لله شريكًا فيما هو له وحده
نزلت آيةٌ على أصحاب رسول الله ﷺ فاضطربت لها صدورهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٦:٨٢). فقالوا، وقد شقّ ذلك عليهم: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فلم يزد النبي ﷺ على أن ردّهم إلى كلمةٍ قيلت قبلهم بزمان: «إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾»[1]. هؤلاء رجالٌ يرتجفون خوفًا من أن يكون في إيمانهم خللٌ لا يرونه، فجاءهم الجواب من مشهد أبٍ يعظ ابنه. وهو مشهد وصيةٍ لا خطبة: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣١:١٣). وقد لاحظ ابن كثير أن لقمان أوصى ابنه أولًا بعبادة الله وحده ثم جاء بالتحذير، فكان التحذير تعليلًا لما قبله وليس ابتداءً[2].
وللكلمة في القرآن شأنٌ أوسع من أن يختصرها «تعدّد الآلهة» كما تتبادر إلى الذهن. فلنسأل: ماذا يصنع القرآن بهذه المادة نفسها؟
مئةٌ وثمانٍ وستون مرة في ثماني صيغ
يرد جذر «ش ر ك» في القرآن ثمانيًا وستين ومئة مرة، موزعةً على ثماني صيغ[3]: الفعل «أشرك» بتصريفاته إحدى وسبعين مرة، والاسم «شريك» ومعه «شركاء» أربعين مرة، واسم الفاعل «مشرك» بمشتقاته أربعًا وأربعين مرة، والاسم «شِرْك» خمس مرات، ثم «مُشرِكات» ثلاث مرات، و«مُشرِكة» مرتين، و«مشتركون» مرتين، والفعل «شارِكْ» مرةً واحدة في خطاب إبليس: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (١٧:٦٤). وقد أخذتُ هذا الحصر من صفحة القاموس القرآني في مدوّنة corpus.quran.com، وما أوردته عنها هو ما أثبتته الصفحة نفسها.
والذي يلفت في هذه القائمة أن الأرقام نفسها تحمل خبرًا: فالفعل «أشرك» وحده يزيد على ثلث الاستعمال، أي أن القرآن يتحدث عن الشرك فعلًا يقع ويتجدد أكثر مما يتحدث عنه وصفًا ثابتًا. وسنرى أن هذا الفعل يتنوّع متعلّقه تنوعًا يكشف المعنى.
شيءٌ بين اثنين لا ينفرد به أحدهما
يقول الراغب الأصفهاني في أصل الباب: «الشِّرْكَةُ والْمُشَارَكَةُ: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا، عينا كان ذلك الشيء، أو معنى»[4]. وأقرب منه ما يضبطه ابن فارس حين يجعل للمادة أصلين، أحدهما «مقارنَة وخِلَافِ انفراد»، فيقول: «فالأول الشِّرْكة، وهو أن يكون الشئُ بين اثنين لا ينفردُ به أحدهما»، ويستشهد بقوله تعالى في موسى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٢٠:٣٢). ثم يذكر الأصل الثاني: «الشرَك: لَقَم الطريق»، ومنه «شَرَكُ الصائدِ، سمِّى بذلك لامتداده»[5].
وهذا كله لغةٌ بريئة لا يحمل الذمّ في ذاته؛ فالشراكة قد تكون بين الإخوة في الميراث: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٤:١٢)، وقد تكون عونًا يطلبه نبيٌّ لأخيه. وليس ما يذمّه القرآن الشراكة نفسها، بل نقلها إلى موضعٍ لا تصحّ فيه. ومما يلوح لي أن «الأصل الثاني» عند ابن فارس، أعني الشَّرَك الذي ينصبه الصائد، يلتقي بما نقله الراغب عن بعضهم في معنى «شرك الدنيا»: «أي: حبالتها»[4]، فالمادة تجمع الاشتراك والحبالة، وكأن من أشرك وقع في الاثنين معًا: في شراكةٍ لا تصحّ، وفي حبالةٍ لا تُفكّ. وأقول هذا قراءةً لي لا قولًا منقولًا.
ما يصنعه القرآن بالمادة: جعلُ الشريك في ما هو لله
حين ننظر في متعلّقات الفعل والاسم في المواضع، نجد أن القرآن لا يقصر الشرك على أصنام تُنحت. فهو شركٌ في العبادة: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١٨:١١٠)، وشركٌ في الحُكم: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (١٨:٢٦)، وشركٌ في التشريع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٤٢:٢١)، وشركٌ في الخلق والملك: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٣٥:٤٠).
وفي التعدية دقيقة: فالغالب «أشرك بـ» الله، أما «أشرك في» فيأتي حيث يكون المتعلَّق سلطانًا أو صلاحية، كالحكم في ١٨:٢٦ والأمر في ٢٠:٣٢. ثم إن المفعول المنفيّ يأتي نكرةً في سياق النفي، «شيئًا» أو «أحدًا»، كما في ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢٤:٥٥)، وكما في ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (١٨:٣٨)؛ والنكرة في النفي تعمّ كل ما سوى الله. ويقترن الشرك في مواضع عدة بنفي البرهان: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٠:٣٥)، فهو في القرآن دعوى بلا سلطان ولا علم.
وفي القرآن مقابلةٌ تكشف المنهج: فهو يستعمل المادة نفسها للشراكة بين البشر، ثم يجعلها حجةً عليهم في شأن الله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣٠:٢٨). أي: إن كنتم لا ترضون أن يشارككم مماليككم في رزقكم، فكيف تجعلون لله من عبيده شركاء في ملكه؟ وهي حجةٌ بالقياس على الحياة اليومية، تأخذ الإنسان من تجربته إلى ما غاب عنه.
«إن الشرك لظلم عظيم»: وصية لقمان
نعود إلى لقمان. اختلف أهل التأويل في قوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: هل هو من كلام لقمان أم خبرٌ من الله منقطعٌ عن كلامه متصلٌ به في تأكيد المعنى؟ ذكر القرطبي الخلاف في ذلك[6]. أما الطبري فشرح الظلم بأنه «لخطأ من القول عظيم»، وقال ابن كثير: «أي: هو أعظم الظلم»[7]. والتفسيران لا يتنافيان: فمن جعل الله شريكًا فقد أخطأ في القول والفعل معًا، وأخطأ في الموضع الذي لا خطأ بعده.
وفي حديث الصحابة ما يردّ إلى هذا المعنى: فقد فهموا الظلم أول الأمر كل معصية تلبس الإيمان، فبيّن لهم النبي ﷺ أن الظلم المقصود في الآية هو الشرك. وهذا التنبيه تربوي بقدر ما هو تفسيري: فهو يطمئن قلبًا خائفًا، دون أن يخفّف من خطورة ما يُحذَّر منه.
«إلا وهم مشركون»: إيمانٌ بالخالق وعبادةٌ لغيره
وأشدّ ما في الباب إيقاظًا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١٢:١٠٦). كيف يجتمع الإيمان بالله والشرك؟ يجيب الطبري بأنهم يقرّون بأن الله خالقهم ورازقهم وخالق كل شيء، ثم هم مشركون به في عبادة الأوثان والأصنام؛ ويروي عن ابن عباس: «من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون». ويذكر ابن كثير أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»[8]. فهم لم ينكروا الله، بل جعلوه رأس مجلسٍ فيه غيره.
وللمفسرين هنا اختلاف حقيقي في تعيين من نزلت فيهم الآية، فجمع القرطبي أقوالًا: أنها في قوم أقرّوا بالله خالقهم وعبدوا الأوثان، أو في أهل الكتاب الذين معهم شركٌ وإيمان كما عن الحسن، أو في المنافقين. ونقل عن عطاء قولًا لافتًا في معناها: «هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء»[9]. وللراغب في الآية نفسها لفتة أخرى سنعود إليها. وهذه الأقوال تدلّ على أن الآية لا تُحبس في فئةٍ واحدة، وأن الشرك الذي يجتمع مع إقرارٍ بالخالق أوسع من صورةٍ تاريخيةٍ واحدة. وقد سأل ابن مسعود النبي ﷺ: أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»[10]. فالجملة الأخيرة «وهو خلقك» هي بعينها مفارقة الآية: ندٌّ لمن خلقك أنت.
شركاء في النعمة وشركاء في التشريع
ومن أدقّ الاختلافات في الباب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٧:١٩٠). ذكر الطبري أن أهل التأويل اختلفوا في الشركاء التي جعلاها فيما أوتيا من المولود، فقال بعضهم: شركاء في الاسم، وروى حديث سمرة في حواء وتسمية ولدها «عبد الحارث». غير أن ابن كثير روى الحديث ثم أعلّه، ونقل عن الحسن أن الآية كانت في بعض أهل الملل ولم تكن بآدم، وأنهم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهوّدوا ونصّروا، ثم قال: «وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية»[11]. وأوردها الراغب شاهدًا على ما سمّاه الشرك الصغير[4]. وقد تكون ثمرة هذا الخلاف أن ننتبه إلى أن النعمة هي موضع الامتحان: فالولد عطيةٌ تُشكر لا تُعبَد، وحين تُنسَب العطيّة إلى غير معطيها يبدأ الانزلاق.
أما قوله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٤٢:٢١) فقد فسّر ابن كثير الشركاء بما شرعه لهم «شياطينهم من الجن والإنس»، من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتحليل الميتة والدم، وأورد في الصحيح قوله ﷺ: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجرّ قصبه في النار» لأنه أول من سيّب السوائب[12]. وذهب الزمخشري إلى أن شركاءهم شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك، ثم قال: «وقيل شركاؤهم: أوثانهم. وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله»[13]. فالخلاف بين الشياطين والأوثان قائم، وفي الحالين يظهر شركٌ لا يحتاج إلى سجود: حين يُعطى مخلوقٌ حقَّ أن يُحلّ ويحرّم فيما هو لله. ويؤيد هذا ما جاء في سياق الشياطين: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٦:١٢١).
مثلُ رجلٍ فيه شركاء متشاكسون
ويصوّر القرآن أثر الشرك في القلب بمثلٍ يكاد يُرى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ (٣٩:٢٩). قال الطبري: هو بين جماعة مالكين «مختلفين متنازعين، سيئة أخلاقهم». وزاد الزمخشري المقابلة النفسية، إذ صوّر مملوكًا اشترك فيه شركاء، كل واحد يدّعي أنه عبده، فهو «متحير في أمره»، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى فيبقى «متحيرًا ضائعًا لا يدري أيهم يعبد؟ وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟»[14]. وهنا يتبيّن أن الشرك ليس خطأً في العقيدة فحسب، بل تمزّقٌ في القلب. من عبد ربًّا واحدًا اجتمع قلبه، ومن عبد أربابًا تناهبته الأهواء.
حين ينكشف الشرك
وللقرآن في الشرك نمطٌ يتكرر: ينكشف عند الشدّة وينتكس عند النجاة. ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١٦:٥٤)، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٢٩:٦٥). وهو ينسجم مع ما نقله القرطبي عن عطاء في آية يوسف. ثم يأتي مشهد الحشر: يتبرأ الشركاء ممن عبدوهم ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ (١٠:٢٨)، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٣٥:١٤). ويلجأ المشركون إلى إنكار ما كانوا عليه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٦:٢٣). والقرآن سمّى ذلك «فتنتهم»: فما كانوا يتعلقون به هو الذي افتُتنوا به، وهو الذي ينقلب في النهاية إنكارًا وتبرؤًا. وقد سجّل القرآن حجتهم في الدنيا أيضًا: التعلّل بالقدر ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٦:١٤٨)، والتعلّل بالتقليد ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧:١٧٣).
الذين تبرؤوا: إبراهيم ويوسف وصاحب الجنة
وفي مقابل ذلك رجالٌ جعلهم القرآن قدوة. ففي مشهد إبراهيم مع قومه، يقول وقد رأى ما يعبدون: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (٦:٧٨)، ثم يعلنها: ﴿حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦:٧٩)، ثم يقلب الحجة على قومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ (٦:٨١). وقد عرّف القرآن مِلّته بالنفي: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢:١٣٥)، و﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦:١٢٠). فالحنيفية في القرآن تُعرَّف بالتقابل مع الشرك.
ويوسف عليه السلام، وقد غُيّب عن أهله، يقول: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١٢:٣٨). وكأن أشدّ ما يحرص عليه الصالح في غربته أن يحفظ قلبه لا بدنه.
أما صاحب الجنتين فمثالٌ يحمل الدرسين معًا. فصاحبه المؤمن يقول: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (١٨:٣٨)، وبعد أن يذهب كل ما كان يتباهى به، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (١٨:٤٢). وهي ندامة بصيغة الماضي المنفيّ، فيها حسرة من يعرف الآن ما كان يجهله.
وفي التاريخ مثالٌ يضاده، هو عمرو بن لحي الذي ذكره ابن كثير في الحديث المتقدم، رآه النبي ﷺ يجرّ قصبه في النار، وقد عُذّب، كما في الحديث، لأنه أول من سيّب السوائب. ومما يلوح لي أن في ذلك تنبيهًا إلى أن تشريعًا يسنّه فردٌ قد يجرّ وراءه أمةً كاملة.
الشرك الخفي: ما يدخل على المصلين
ويقسم الراغب الشرك قسمين: «الشِّرْكُ العظيم، وهو: إثبات شريك لله تعالى»، و«الشِّرْكُ الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق»[4]. وقد أشار إلى أن لفظ الشرك من الألفاظ المشتركة، وأن آية الكهف ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ «محمولة على الشِّركين». ومن هنا يُفهم أن بابًا من الشرك قد يدخل على من يصلي ويصوم.
ومن السنة ما يوافق هذا المعنى، فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشِركه»[15]. فالله لا يقبل شراكة في عملٍ، لأنه أغنى الشركاء، أي لا يحتاج إلى معونة أحد. وينقل الراغب عن النبي ﷺ: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا»، وأحال محقق الطبعة في تخريجه إلى أحمد والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري، ونقل قول المنذري: «وباقي رواته ثقات»[16]. ولم أقف على تحقيق آخر لحكمه، فأكتفي بنسبته كما نقله المحقق. ونقول مع ذلك ما ورد في الدعاء المصاحب له في التخريج: «اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم».
حين تجتمع الخيوط
إذا جمعنا ما تقدّم ظهر لنا أن القرآن لا يستعمل «الشرك» اسمًا لعقيدةٍ مجرّدة، بل لعلاقة: أن يكون لله ما لا يقبل القسمة، فيقاسمه فيه غيره. يقاسمه في العبادة، وفي الحكم، وفي التشريع، وفي الملك. وأن هذه المقاسمة لا تُقيم برهانًا، وأنها تنكشف عند الشدة، وتنتهي إلى تبرؤ الشركاء من شركائهم. ثم إن الله، مع شدة هذا الباب، فتح باب الرجاء فيما دونه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٤:٤٨)، وبيّن الطبري أنه لا يغفر الشرك ويغفر ما دونه لمن يشاء. وقال القرطبي: «وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة»، ثم رجّح أن لا نسخ في الباب[17]. ثم إن القرآن جعل التمكين لمن سلم قلبه منه ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢٤:٥٥)، وجعل ذلك من صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ (٢٣:٥٩).
أثر ذلك في حياتنا: للفرد وللمربّي
أما الفرد فأول ما يُطلب منه أن يسأل نفسه عن «شركائه» الذين لا يسمّيهم: من الذي يُرضيه في عمله؟ ومن الذي يطيعه في ما يحلّ ويحرم؟ وهل يذكر الله وحده حين ينجو، كما ذكره حين ضاق؟ فنمط ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ليس تاريخًا مضى، بل هو احتمالٌ في كل نجاة. وأقول مما يلوح لي إن الصلة بين الشرك والاتجاه، أعني إلى من يتوجه القلب والسعي، أوضح في القرآن من صلته بالإنكار العقدي المجرد، فمن شغله رضا الناس عن رضا ربه فقد اقترب من الباب الذي سماه الراغب الشرك الصغير. وحديث «أغنى الشركاء» يعلّمنا ألا نكتفي بصحة العمل ظاهرًا، بل ننظر من شاركنا فيه.
وأما المربّي فله في لقمان معلّمٌ: بدأ بـ«يا بني»، وبنى وصيته على التعليل ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وكان عند ابن كثير ممن آتاه الله الحكمة[2]. فلا ينبغي أن نعلّم التوحيد ولا نعلّم معه ما يسدّ أبواب الشرك الخفي. وفي موقف الصحابة درسٌ آخر: من خاف على إيمانه فهو في خير، لكن علينا أن نفرّق له بين الخوف المحمود الذي يدفع إلى المراجعة، والوسوسة التي تشلّ. ثم إننا نعلّم أبناءنا أن الحنيفية ليست انعزالًا، بل هي ثباتٌ لا يتحول عن وجهته: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٢٢:٣١).
اللهم وحّد قلوبنا
رجلٌ فيه شركاء متشاكسون، ورجلٌ سلِم لرجلٍ واحد: هذان مثلان ضربهما القرآن لقلبين، وإلى أحدهما نصير. اللهم اجمع قلوبنا عليك، ولا تجعل لأحدٍ فيها نصيبًا من حبّك وخشيتك ورجائك. اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم. وألحقنا بإبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كنا من المشركين.
الهوامش
- رواه البخاري (٤٧٧٦) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كتاب التفسير. [2]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير لقمان ١٣. [3]: بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، قاموس القرآن، مادة «شرك»: الفعل «أشرك» (٧١)، «شريك/شركاء» (٤٠)، «مُشرِك» (٤٤)، «شِرْك» (٥)، «مُشرِكات» (٣)، «مُشرِكة» (٢)، «مُشتَرِكون» (٢: ٣٧:٣٣، ٤٣:٣٩)، «شارِكْ» (١: ١٧:٦٤)؛ المجموع ١٦٨. والأعداد الفرعية كما ثبتت في رأس الصفحة. [4]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «شرك». [5]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «شرك». [6]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير لقمان ١٣. [7]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير لقمان ١٣. [8]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير يوسف ١٠٦. وقد عزا ابن كثير حديث التلبية إلى الصحيحين. [9]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير يوسف ١٠٦. [10]: رواه البخاري (٤٤٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كتاب التفسير. [11]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الأعراف ١٩٠. ونقل ابن كثير تحسين الترمذي للحديث بقوله «حسن غريب» ثم أعلّه. [12]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الشورى ٢١. [13]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الشورى ٢١. [14]: الطبري، «جامع البيان»، والزمخشري، «الكشاف»، تفسير الزمر ٢٩. [15]: رواه مسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب الزهد والرقائق. [16]: الراغب، «المفردات»، مادة «شرك»، وحاشية المحقق: أخرجه أحمد (المسند ٤/٤٠٣) والطبراني، وقول المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/٣٩). [17]: الطبري، «جامع البيان»، والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير النساء ٤٨.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.