أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

المال بين عطاء اللَّه الوفير وتكديسنا: في أيدينا أم في قلوبنا؟

بين ما يعطيه اللَّه عطاءً وفيرًا وما نجتهد في تكديسه: أالمال في أيدينا أم في قلوبنا؟

د. أحمد أبو سيف•١١ مايو ٢٠٢٦•4 دقائق قراءة
المناسبة: خاطرة أُلقيت في بيت الكريم بتاريخ 11 مايو 2026م.المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

لنا اليوم، إن شاء اللَّه، حديث قصير فيما درسناه قبل أيام: ما الفرق بين لفظين يتشابهان في الصورة، وبينهما مع ذلك بَوْنٌ شاسع؟[1]

اللفظ الأول يصف شيئًا يأتي من عند اللَّه سبحانه، من جهته. والثاني جهدنا نحن: نحاول أن نزيد مقدار ما بين أيدينا، وأن نجعله أكبر وأكثر. وما يأتي من عند اللَّه وافرٌ أصلًا، حتى حين يظهر في شيء واحد. فحين أرفع يدي الآن فهذا فعل واحد، ولكن تأمَّلوا كم من العضلات وكم من الحركات تجري في رفع هذه اليد. وهذه الوفرة ليست مني؛ فالقدرة من اللَّه تعالى.

لعبة الأرقام

يتحدث اللَّه عمّا يأتي من عنده، ثم نحاول نحن، بقدر ما نستطيع، أن نضاعف ما نستعمله في ليلنا ونهارنا. لكن الغاية الرئيسة عند أكثر الناس تصير الأرقام. ويصف اللَّه سبحانه في القرآن حالة نفسية: ألفاظ قليلة تُظهر شخصًا يستعرض نفسه أمام الآخرين، قائلًا: «مَن أنتم؟ نحن هنا، ولنا كذا وكذا.» وكل فريق يقف في مقابل الآخر؛ إنها منافسة بين معسكرين.[2]

واللَّه سبحانه يقول لهم: ماذا تفعلون؟ عمّ تبحثون؟ وعلى ماذا تعتمدون؟ على وجودكم، أم على نعمكم، أم على ما في أيديكم؟ لقد ألهاكم تكديس المال في أيديكم عن الطريق الواحد الذي يجب أن نسلكه، والهدف الواحد الذي يجب أن نبلغه، والصراط الواحد المستقيم. وإلا انشغلنا بألف شيء من حولنا.

المال سفينة

حين يعطي اللَّه الناس المال فإنه يعطيه وسيلةً من وسائل عبور هذه الدنيا والوصول إلى الضفة الأخرى. هو كقارب أو سفينة تحملنا فوق المحيط، فإذا بلغنا الشاطئ تركناها خلفنا. لا نستطيع أن نأخذ السفينة معنا فنضعها في غرفة الجلوس، أو نُبقيها بجانب السرير؛ هذا لا معنى له. تبقى السفينة في الماء هناك. والمال في هذه الدنيا هو تلك السفينة: استعملها حتى تعبر إلى الضفة الأخرى. تلك هي فلسفة المال في حياتنا.

ولهذا يقول اللَّه إن التكديس، وعدَّ الأرقام، قد ألهاكم عن الموقف الآمن، حتى تزوروا المقابر. وفي ذلك قولان. أحدهما أن المراد أنكم تزورون المقابر فعلًا وترون حال أهلها. فتقولون: «يا للهول، ماذا سنفعل حين نكون مكانهم؟» وبعضهم يشعر بالندم في تلك اللحظة، فيذكر اللَّه ويعزم على أن يُحسن؛ ثم ينشغل من جديد، ويقفز عائدًا إلى الدنيا، وينسى كل شيء، ويرجع إلى المقبرة ليدفن شخصًا آخر. والقول الثاني أن المراد حتى تُدفنوا أنتم أنفسكم. وعندئذ لا سلطان لكم على هذه الدنيا، ولا سبيل إلى تغيير القرار في حياتكم؛ فقد فات الأوان على أي شيء آخر.

سوف تعلمون

ثم يقول اللَّه إنكم ستعلمون الحقيقة حتمًا، مرة واحدة. فمتى يكون ذلك؟ اللَّه وحده يعلم. لكن هل لنا فرصة أن نعلم الحقيقة من الآن؟ نعم، لنا ذلك. كيف؟ بقراءة قصص الأمم السابقة في القرآن، وقد مضوا جميعًا، وبالنظر إلى الصالحين الذين أفنوا أعمارهم في سبيل اللَّه. انظروا إلى الأمثلة: نوح عليه السلام قضى تسعمائة وخمسين سنة خالصةً لوجه اللَّه، في الدعوة. وهناك إبراهيم وموسى وعيسى، وسائر أولئك الأنبياء عليهم السلام. سأختصر القصة، لكن تأمَّلوا كم جاهد كلٌّ منهم قومه زمنًا طويلًا. ومع ذلك يقول لي اللَّه في النهاية: ستعلمون الحقيقة مرة واحدة.

ثم يؤكد اللَّه أنكم لو علمتموها علم اليقين لرأيتم العذاب أمام أعينكم. وستُسألون ذات يوم عن كل ما كان بين أيديكم. وقد سأل أحد الصحابة النبي ﷺ: يا رسول اللَّه، عمَّ سنُسأل؟ نحن لا نملك شيئًا. وكانت فترة شاقة في حياة النبي؛ كان الجميع في فقر. فجاؤوه وقالوا: عمَّ نُسأل؟ فأخبرهم أن ذلك واقع لا محالة. تأمَّلوا كيف أراد النبي ﷺ أن يفهموا حالهم الحقيقية.

ما قيمة أن أستطيع الكلام معكم؟ وما قيمة أن أفتح عينيّ فأُبصر الناس أمامي؟ وما قيمة كل ما نملك؟ هذه النعم تأتينا بلا حدّ من اللَّه سبحانه، ولا يستطيع أحد إنكارها. وعلينا أن نتذكر الذي أعطانا إياها.

في اليد أم في القلب؟

السؤال الرئيس، وبعده أختم: هل يمكن أن يكون لنا مال، أم أننا سنترك كل شيء خلفنا؟ المقصود الحقيقي هو كيف نتحكم في المال الذي في أيدينا. هل المال في أيدينا حقًّا أم هو في قلوبنا؟ هل نحب المال أكثر من اللَّه، أم نحب اللَّه أكثر من المال؟ وحين يطلب اللَّه منا أن نعطي المال لأحد، فهل سنعطيه، أم سنقول: «هو مالي، ولا أستطيع أن أعطيه لأحد»؟

لقد أتاح لنا اللَّه أن نملك هذه الدنيا في أيدينا، بل أن نكون من أغنى الناس. لا تقلقوا من ذلك. المهم هل نصير عبيدًا وخدمًا للمال، أم نظلّ نجعل المال خادمًا لنا.

--- [1]: توثيق المحرر: سقط من التفريغ اللفظان العربيان والآيات. ويدلّ السياق (التكديس، وزيارة المقابر، و«سوف تعلمون»، و«لترون الجحيم»، والسؤال عن النعيم) على أن المراد سورة الكوثر وسورة التكاثر. ولم تُورد الآيات في المتن لأن التفريغ لم يحفظها. [2]: توثيق المحرر: المقطع المقصود غير واضح في التفريغ، فاقتُصر على معناه دون نص الآية.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ