بيت العنكبوت: كل تعلّق بغير الله خيطٌ واهٍ
بيت العنكبوت: كل تعلّق بغير الله خيطٌ واهٍ
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 24 سبتمبر 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمةٍ منك ورضوان ولطفٍ وكرم يا رب العالمين. توبَّ علينا واهدنا، وأسبِل علينا سترك، واحفظ علينا عافيتك، وأمِّنّا في أنفسنا وأهلينا. اللهم لا تبتلنا بمزيد من السيئات، واغفر لنا ما أنت به أعلم يا أرحم الراحمين، وثبّتنا على الهدى، واجبر خواطرنا بمزيد من القرب منك.
كنتُ استفتحتُ القراءة بقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[1].
تفاهة الدنيا في ميزان الخالق
انظر لأول وهلةٍ إلى هذا النص المبارك، يُشعرك كم هي تافهةٌ الدنيا بكل ما فيها. فالذين اتخذوا أولياء من دون الله ليسوا إلا جزءًا من هذا الكون، من هذه الحياة، من هذا النظام الذي خلقه ربُّ العالمين سبحانه. فتصوّر شخصًا يعمل في منظومة، فيتعلق بالعاملين معه ويتودّد إليهم دون المالك للشركة، أو دون صاحب القرار. سبحان الخلّاق العظيم!
وما أقصده أن تجد إنسانًا يكاد يموت من أجل أن يحقق منصب وزير، على سبيل المثال، ويتودّد لهذا وذاك، ثم ينسى الخالق سبحانه وتعالى. أو شخصًا يظن أن تكثير الأموال حصنٌ منيع له، وأنه كلما عظُم الرقم الذي بين يديه صار في أمانٍ أكثر. وهذا شعورٌ شائع بين الناس: أن الأرقام هي وسيلة الحماية الأولى في حياته، يستطيع أن يشتري وأن يؤمِّن وأن يحصل. فإذا سألته قال لك الجواب الشائع على ألسنة الناس: «بس عايز أأمّن مستقبل الأولاد». وهذا تصوّرٌ موجود عند كثير من الخلق.
الأخذ بالأسباب والاعتقاد
واتّباع الأسباب مسألة، والاعتقاد مسألة أخرى. فالنبي ﷺ يحدّث أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين بقوله: «لأن تَدَعَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ من أن تدَعهم عالةً يتكففون الناس»[2]. لكن هذا في إطار اتّباع الأسباب. نحن نتحدث عمّن علّقوا قلوبهم بهذه الأموال، وعمّن علّقوا قلوبهم بالمناصب، وعمّن علّقوا قلوبهم بالأشخاص، بالبشر. ربنا سبحانه وتعالى يحدثنا أن أي تعلّق بسواه إنما هو تشبيهٌ بسيط جدًّا بعنكبوت نسج خيوطه وبيته في زاوية من الزوايا ويظن أن ذلك متين، فإذا بأقل ريح، بأقل نسمة هواء تمرّ، تأخذ ذلك كله، أو على الأقل تكسره كسرًا يجعله يتكبّد خسائر زمنية طويلة حتى يعيد هذا النسج مرة أخرى.
كل نفس ذائقة الموت
وربنا سبحانه وتعالى يحدثنا بعد عدد من الآيات بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[3]. وكأنه سبحانه يقول لك: إذا لم يكن لك في هذه الحياة كلها من عبرة إلا أنك تترك ما تعلّقتَ به وما نسجتَ حوله خيوطك، تتركه وتنصرف عنه بأمر الله الذي هو مالك وملِك هذا الكون كله.
لا أطيل عليكم، وأعلم أن الوقت قد ضاق قبل العمل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمكِّن هذا الإيمان في قلوبنا، وأن يوقظ حسَّ المراقبة له في عقولنا ونفوسنا، وأن يبارك لنا فيما بين أيدينا من صالح العمل، وألّا يخزينا بعصيانٍ بعد طاعة، ولا بشكٍّ بعد يقين. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة العنكبوت، الآية 41. [2]: توثيق المحرر: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في قصة وصيته، متفق عليه، ولفظه: «إنك أن تَذَرَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس». وقد أورده المتحدث بالمعنى كما في المتن. [3]: توثيق المحرر: سورة العنكبوت، الآية 57.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.