أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

وقفات مع سورة الأعلى

من عظمة الكون إلى مهمة المؤمن: التسبيح والتذكير وتزكية النفس

د. أحمد أبو سيف•٢٧ نوفمبر ٢٠١٨•11 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ 27 نوفمبر 2018م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا يا رب العالمين.

من الطارق إلى الأعلى

كنا في آخر لقاء لنا في التفسير قد تكلمنا عن سورة الطارق، وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى أقسم بعالمٍ غاب عن البشرية زمانًا طويلًا. وقد حدّثني ابني اليوم أنهم قالوا لهم في المدرسة إنهم وصلوا أخيرًا إلى كوكب المريخ، وإن الإعداد للصعود إليه استغرق سنواتٍ من التجهيز والتركيب، وإن الرحلة نفسها تمتد أشهرًا بسرعةٍ تقارب سرعة الصوت. فتخيّل هذا الإعداد الهائل للانتقال من كوكبٍ إلى كوكب آخر، وكلاهما في مجموعةٍ واحدة! فكيف بحجم هذا الكون الذي نحيا فيه دون أن ندري حقيقته؟

والله سبحانه وتعالى حين حدّثنا بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، حدّثنا عن حركةٍ بسيطة من الحركات التي تجري داخل كونٍ عظيم خلقه خالقٌ عظيم، ورتّب أحواله وأركانه ترتيبًا لا يقدر على تحريكه إلا هو وحده، ولا يدري الناس كيف تجري أسرار هذا الكون الهائل المملوء بالعجائب. ثم طلب من الإنسان أن ينظر مما خلق.

فلينظر الإنسان مما خُلق

سبحان الله القدير! هل أراد الله سبحانه أن نعقد مقارنةً بين ما خُلقنا منه وبين هذا الكون العظيم؟ هل عملية تكوين الإنسان معقّدة إلى درجة أنها تشبه في ذاتها تركيب هذا الكون الهائل؟ قد يقولون: وما المانع؟ ألم يُسأل النبي ﷺ عن الروح فقيل له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؟ وإلى اليوم يعجز الناس عن تكوين خَلْقةٍ بشرية مهما تنوّعت الوسائل التي بين أيديهم؛ فقضايا التلقيح الصناعي والأرحام المستأجرة والنطفة في أماكن مختلفة، وقضايا الاستنساخ وما حولها، كل هذه التراكيب والحِيَل مجرد محاولات. لكن رجلًا يكون مع أهل بيته، مع زوجته، مع حلاله، في ليلةٍ، في دقائق معدودة، ينتج عنها إنسان! فمن الذي ركّب هذه العملية؟ ومن الذي هدى الأسباب لتكوين هذا الجنين؟ ومن الذي سخّر الأسباب ليكون هذا المخلوق؟ ثم تأتي بعد ذلك قضايا النمو داخل هذا البدن: إلى أي مستوًى يخرج، وكيف يكون؟ طويلًا أو قصيرًا، سمينًا أو نحيفًا، ذكيًّا أو غبيًّا، قادرًا على الكلام أو منطويًا على نفسه. التكوين الإنساني في ذاته: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾، مسألةٌ ليست بأسهل ولا أعقد إلا بما يعلمه الله سبحانه من تكوين الكون في حد ذاته.

ما مهمتي في الكون؟

ولذلك يأتي الأمر المباشر من رب العالمين. إذا كان هؤلاء الناس يكيدون كيدًا، ورب العزة سبحانه يكيد كيدًا، والله سبحانه يقول في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، فقد يقول المؤمن: طيّب، فما مهمتي أنا في الكون؟ إذا كنت سأترك أعداء هذا الدين لك يا رب، تدبّر شؤونهم بما ترضى وبما تشاء، وتعاقبهم وقتما شئت، فما هي مهمتي؟ فيأتيه الجواب بعدها مباشرة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.

ونحاول أن ننظر في الربط بين الصورتين. في الأولى يشرح ربُّ العزة سبحانه للنبي ﷺ؛ فالكلام الذي كان في سورة البروج قبل سورة الطارق كلامٌ مؤلم جدًّا إذا استوعبته النفس المؤمنة: المؤمنون يُعذَّبون كل هذا العذاب ويُضطهدون كل هذا الاضطهاد! ولو كان الأمر عند أصحاب الأخدود وحدهم لهان، لكنه سبحانه يقول في ختام السورة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالموضوع متكرر، وهذا الاضطهاد لهذه الفئة المؤمنة لن ينتهي عبر الزمن. طيب، فماذا نفعل؟ يقول لك: نحن نقدّم الدليل المنطقي لهؤلاء الناس على أن الله تعالى يستحق العبودية، وأنه سبحانه قادرٌ على خلق الإنسان، وقادرٌ على جمع الناس إلى يوم القيامة، وكفيلٌ بأن يعاقب هؤلاء المعاندين بما شاء وقتما شاء. صلّوا على النبي.

فما مهمتنا يا مؤمنون؟ يقول لك: مهمتك ألّا تخرج عن مهمة النبي محمد ﷺ. اللهم صلِّ عليه. وما مهمة النبي محمد ﷺ؟ قال له: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ أعلى من مكر هؤلاء الناس وأعلى من كيدهم. ومن يقول بهذا التأويل فهو إنسان يفكّر بنيّةٍ طيبة جدًّا؛ فأيّ مكرٍ وأيّ كيد؟ إنهم ناسٌ ضعاف! فانظر الآن إلى ما هو أعلى من النجم الثاقب. هل وصلوا إلى النجم الثاقب؟ ألا ترى الدنيا كلها ترتجف حين يعلمون أن شيئًا نازلًا من السماء سيرتطم بالأرض؟ تقوم الدنيا ولا تقعد، أجهزة وإنذارات، لمجرد قطعةٍ صغيرة من الكون ستتحرك بأمر رب العزة سبحانه.

أعلى من الكون كله

فأعلى من ماذا إذن؟ يقول لك: ليس فقط أعلى من النجم الثاقب، بل أعلى من هذا الكون كله، لأن الكون بعضُ خلق الله سبحانه. الكون بكل ما فيه من أقمار وكواكب وشموس ونجوم جزءٌ من خلق الله. ولذلك كما أشرنا سلفًا، وكما يتحدث أهل العلم، إن الله تعالى يحدّثنا أحيانًا عن الملك وأحيانًا عن الملكوت. قلنا: الملك هو ما يمكن إدراكه. فإذا كان هذا الذي يمكن إدراكه تُقاس فيه المسافات بين الكواكب بأشهر من السير بسرعة الصوت، فأيّ علمٍ هذا؟ وما هذه السرعة وما هذه المسافات؟ وأيّ جهازٍ ينطلق، والجاذبية الأرضية والخروج عن إطارها، وقوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء؟ كل هذه الدنيا وهذه القطعة من الكون جزءٌ بسيط مما خلق الله سبحانه في الكون. فإذا كان هذا هو الملك، فعن أي شيء سنتحدث إذا تحدثنا عن الملكوت؟ وكيف نتصوّر ذلك؟

فلما يقول لك: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، أفتتخيّل بعد ذلك أن عندك خصومةً مع فلان وقد غلبتك؟ ربُّك الأعلى! أم أنك فقدت عملك في المكان الفلاني ولم يبقَ معك إلا القليل وأنت متحيّر لا تدري ماذا تفعل؟ يا رجل، إنك تخاطب ربَّك الأعلى! أم أن عندك إشكالًا في الانتقال من مكانٍ إلى مكان، أو أن تعيش هنا أو هناك، أو في بيتك، أو في أولادك الذين ستتركهم؟ بماذا تفكّر؟ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾.

الذي خلق فسوّى

قبل أن يخلق الله عز وجل هذا الإنسان، ما الذي أعدّه له؟ يأتيه الملك فيقول: اسمك سيكون كذا، وستعيش سعيدًا أو شقيًّا، وسيكون لك من الرزق قدر كذا، ومن العمر قدر كذا. الأمر انتهى من قديم! فعن أي شيء نتكلم إذن؟ أنت تتكلم في تحصيل حاصل، وأنت تتبع الأسباب، لكن المطلوب منك دورٌ تؤدّيه في هذا الكون. فإذا تمثّلتَ أنك عبدٌ لرب العزة سبحانه، فإن الله عز وجل ييسّر لك كل عسير دون ذلك، وتصير الأمور أهون مما تتخيّلها وتتصوّرها. ولذلك فرقٌ كبير جدًّا بين من يعيش في وسط الطين ومن يعيش في روحانيات معيّة الله سبحانه وتعالى.

والنبي ﷺ كان شديد التعلّق بصلاته وسجوده، فإذا سُئل عن إطالته قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»[1] إنه صلى الله عليه وسلم يحسّ أثر النعمة التي هو فيها: نعمة العبودية في حد ذاتها، نعمة السجود لله سبحانه، نعمة استشعار آثار القرآن في هذه النفس البشرية. ورب العزة سبحانه يعلّم النبي ﷺ كيف يعبّر عن ذلك.

والله عز وجل يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾؛ فليس في الكون شيءٌ مخلوق خطأً. فإذا رأيتَ إنسانًا نفسيّته معقّدة فلا تقل: هذا رُكّب خطأً، لأن ربنا خلقه هكذا. وإذا رأيتَ من في أخلاقه أو صفاته اعوجاج، فقد خلق فسوّى، خلقه على قدر المهمة التي يريد له أن يكون فيها. والله سبحانه ﴿لَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولا يظلم مثقال ذرة، لا من حيث النوع ولا من حيث الكم.

ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. قدّر لأحمد أن يكون شيخًا، فسبّب له الأسباب حتى جلس على هذا الكرسي. وقدّر لحضرتك أن تكون مهندسًا، فساق إليك القلم والمسطرة حتى تتعلّم الهندسة. وقدّر لك أن تكون طبيبًا، فعلّمك كيف تمسك المشرط. وقدّر لهذا الإنسان أن يكون تاجرًا، فوضع فيه هذه المهارات حتى يستطيع أن يكسب المال. ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾. فمن مَلَك من كتاب الله شيئًا فقد أراد الله تعالى به ذلك وهداه إليه، وفي التفريط في هذه النعمة ردٌّ لنعمة الله عليه، وذلك منتهى الجحود، ونعوذ بالله تعالى من ذلك.

الحبّة والنبتة

وبعض الناس قد يكون عقله أضعف من أن يستوعب هذا الكلام الكبير، فيُقال له: أعطيك مثالًا بمنتهى البساطة. مَن منا بقدرته البشرية يستطيع أن يُخرج نبتةً من حبّة؟ ضع حبّةً تحت الأرض، وأخرج لي بشطارتك النبتة! كنا قديمًا إذا مشينا نبذر القمح في الأرض أخذنا الكَبشة ورششناها، فيقول لك أحدهم: هذا كثير. فتقول له: لا، لأن بعضها سيفسد تحت الأرض، فهل تتحكم أنت في ما سيفسد وما سيفلح، وأيّ حبّة ستنشط وتخرج منها النبتة؟ وحين تخرج لن تجد حجرةً تحبسها فتموت تحت. فمن الذي يشق هذه الصخرة فيُخرج من وسطها هذه الحبّة حتى تظهر وترى الشمس، ويلفّها الهواء وتتنفس وتنمو، فتكون ساقًا ثم ثمرة وهكذا؟ ﴿الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾.

أنا محتاج أن أتصوّر أن خلق الإنسان من أصله ونموّه وترعرعه ليس أكثر ولا أشق ولا أصعب من وجود نبتةٍ تطلع في الأرض. الذي أخرج المرعى هو الذي يُخرج هذا الإنسان من هذه النطفة، فيكون كذا وكذا، وينطلق في هذا الرحم فيتكوّن كذا وكذا، حتى يخرج إلى الدنيا إنسانًا ما شاء الله مكتملًا؛ حتى هذه الشعرة المنبتة، يولد بها المولود! وهكذا، سبحان القدير. يقول رب العزة سبحانه: ﴿الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، شيءٌ يملأ العين والبصر.

سنقرئك فلا تنسى

الأمر الأول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. والثاني: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. هذا ليس أمرًا، بل خطابٌ للنبي عليه الصلاة والسلام وبشارةٌ له ﷺ بأن الله تبارك وتعالى سيودع القرآن في قلبه فلن ينساه. وتذكرون في سورة القيامة أن رب العالمين سبحانه يقول له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي سنضع القرآن ونثبّته في قلبك وعقلك، فلن ينخرم منه حرف، ولن يخرج من قلبك منه شيء بإذن رب العزة سبحانه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. القرآن موجود في قلب النبي ﷺ.

فمهمتنا منحصرة في مسألتين. الأولى تعظيم رب العزة سبحانه وتعالى. فإذا تحقق هذا التعظيم في نفس المؤمن، كما ذكرنا، أشفق على من حوله فأراد أن ينقل إليهم هذه الرسالة، فبلّغ دين الله الذي هو في مادته وأصله ودستوره القرآن. فأنت تُشفق على الناس فتبلّغ الدعوة، والدعوة التي ستبلّغها هي رسالة القرآن. وما من شيء أحسن من ذلك؛ فليس هناك أتمُّ منهجًا من كتاب الله تعالى، ولا أحسن وعظًا من كتاب الله، ولا أبلغ بيانًا من كتاب الله تبارك وتعالى.

أين المشكلة إذن؟

فأين المشكلة؟ لماذا لا يؤمن الناس؟ يقول لك: لأننا نحن العاجزون، نحن الذين لا نقدر على تبليغ الرسالة، ولا نقدر على الكلام بمنهج القرآن الكريم في خطابنا مع غيرنا. ولماذا نحن منحرفون، وواحدٌ منا يفعل معصيةً هنا، وآخر يتاجر في حرام، وثالث لا ندري ماذا يفعل؟ يقول لك: لأنك أنت العاجز عن استيعاب المادة القرآنية. إذا كان القرآن يهدي الله به الناس كلهم، ومنهجه عظيم، فلماذا أنا مضطرب وحالي سيئة؟ يقول لي: لأنك أنت الذي لا تستطيع أن تستوعب المنهج؛ الوعاء الذي عندك أقلُّ من أن يستوعب هذه المادة العظيمة. هل رأيتَ يومًا من جاء بكوبٍ يسع نصف جالون وصبَّ فيه أربعة جالونات؟ سيأخذ الكوب نصيبه من النصف، والباقي سيقع على الأرض ويضيع. قلوبنا صغيرة لأننا ضيّقناها بكثيرٍ من المعاصي. وعلى قدر ما تُجلّى القلوب تتسع لمزيدٍ من رحمات رب العالمين سبحانه وتعالى، فيكون وعاءً عظيمًا. فأين تعمل قضية تزكية النفوس؟ إنها تعمل في هذه القلوب التي يريد أصحابها أن تنمو وتتهيّأ حتى تكون شيئًا مميّزًا.

ونيسّرك لليسرى

يقول رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾؛ لا تقلق، الأسباب التي بين يديك ستكون ميسّرة. بشرط ماذا؟ الشرط أن تُحسن بلاغ القرآن، ولن تُحسن بلاغ القرآن إلا بشرط: أن تسبّح ربك الأعلى، أن تستشعر عظمة الله، وأن يكون الإيمان بالله سبحانه وتعالى حاضرًا في قلبك وعقلك، فلا يكون معه شيءٌ في الكون صعبًا، لأن الذي ييسّر إنما هو رب العزة سبحانه: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾.

فذكّر

﴿فَذَكِّرْ﴾، فقط، ليس أكثر من هذا. حين تقعد تقول الكلمتين، فمن فيهم نائم، ومن يريد أن يذهب، ومن مستعجل، ومن متعب من عمل النهار؟ ليست هذه مشكلتي؛ مشكلتي أن أُبلّغ. ومن استجاب؟ ليس هذا موضوعي أيضًا. مهمتي أن أبلّغ. فإذا كان معك زميلٌ في العمل ليس مسلمًا، فقلتَ له: والله الحقيقة هي كذا وكذا، فاستجاب أو لم يستجب، فهو حرّ، وهذا موضوعه؛ ليس علينا هداية الناس، وإنما علينا البلاغ. هكذا يعلّم الله تبارك وتعالى رسوله ﷺ: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.

ولا تضع الكلام في غير موضعه؛ فرب العزة سبحانه وتعالى يقول إن الناس نوعان: ناسٌ قلوبها قابلة للأخذ والعطاء، قابلة للوعظ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. والله سبحانه لم يتكلم هنا عن ثواب الأتقى الذي يخشى، وإنما تكلم عن عقاب الأشقى، فقال عز وجل: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. أتعرف لماذا قيل هذا هنا؟ حتى لا تظن أن فلانًا الكافر نحتاج أن ننتقم منه؛ فهذا ليس موضوعك، هذا موضوع ربنا. وقد لا يكون الآن، وقد يكون يوم القيامة وفي الآخرة، والأمر فيه إلى الله. لكن لا تشغل نفسك بعقاب الناس، اشغل نفسك بهدايتهم. فإذا استطعتَ أن تبلغ إلى قلوبهم بالهداية فقد أدّيت دورك، وإذا لم تستطع وبقي الناس على كفرهم فشأنهم مع الله.

ثلاثة أصابع نحوك

يا إخواني، مشكلتنا أننا نفكّر في غيرنا قبل أن نفكّر في أنفسنا، ننظر في عيوب الناس قبل أن ننظر في عيوبنا. فأنا أنشغل بأن فلانًا لم يسمع كلامي، ولا أنشغل بأنني لم أكن مخلصًا بالقدر الذي يوصل كلامي إلى القلب. فلم أتهم نفسي بفقدان الإخلاص، ولا بعدم بلاغ الحجة، ولا بعدم الوضوح؛ بل اتهمتُه هو بأنه فاسق وفاجر وكافر ولن يدخل الجنة، كل أصابع الاتهام موجّهة إليه. وما حاولتُ مرةً أن أنظر فأجد ثلاثة أصابع آتية نحوي أنا! فلا تشر بإصبعك إلى أحد، لأن ثلاثةً متجهة إليك، فتبصر عيوبك قبل أن ترمي الناس بشيء.

يقول رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. إذا كنتَ فعلًا تريد أن تفلح، فلا تظن أن فلاحك بحكمك على الآخرين، وإنما فلاحك بإنقاذ نفسك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.

ما الذي أخّرنا؟

فما الذي أخّرنا يا شباب؟ ما الذي أرجعنا إلى الوراء هكذا؟ يقول لك: مشكلة الدنيا التي لا تستطيعون إخراجها من قلوبكم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. لو فهمنا وأدركنا واستوعبنا بعقولنا هذه، وبقلوبنا التي تحتاج أن تستيقظ، لأدركنا الخير ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

وإياك أن تتخيّل أن الذي نقوله اليوم جديد؛ فهذا الكلام قديم جدًّا: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. هي الرسالة نفسها تتكرر للناس. ليس مطلوبًا من الخلق إلا أن يؤمنوا بالله الأعلى، وأن يستصغروا كل شيء دون الله عز وجل، وأن يعلموا أن قضاء الحوائج وتدبير الأمور وأسباب الأسباب التي في الدنيا كل ذلك بأمر رب العزة سبحانه.

لماذا صحف إبراهيم وموسى؟

وما الحكمة في ذكر صحف إبراهيم وموسى؟ لماذا إبراهيم وموسى تحديدًا؟ فأين يحيى وزكريا وإسماعيل؟ أين الأنبياء؟ أين نوح؟ يقول لك: انظر إلى أداء هؤلاء الناس لرسالة الله تعالى وبلاغهم إياها للخلق، واعتبر بما كان منهم ومعهم؛ فإنهم من أكثر من بلّغ دين الله، ومن أكثر من لقي في ذلك من خصومهم، ومع ذلك فمن منهم تراجع إلى الوراء؟ من منهم قال: لا، خلاص، لا شأن لي بهذا؟ وحده يونس عليه السلام فعلها، ولم يكن ينبغي له أن يخرج من دعوة ربه، فردّه رب العالمين إلى قومه وهداهم الله تبارك وتعالى به. هذه وظيفتك الأساسية إن كنت تريد أن تسبّح ربنا حقًّا.

الخلاصة

فإذا أردتَ أن تتمثّل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فاعلم أن مهمتك: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. وإذا كنت تستصعب المحاولة والتجربة، فاستمسك معي: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾. وإذا أردتَ أن تبحث عن عيبٍ حقيقي في الناس، فابحث في نفسك أولًا، واعلم أن المرض الكبير الذي ينتشر في الخلق جميعًا هو: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. وإذا أردتَ أن تُقنع الخلق، فعلّمهم ما أعدّ الله لهم في الجنة: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

أسأل الله تعالى لي ولكم السلامة والعافية والأمن والطمأنينة، رضي الله عنكم وأرضاكم، وبلّغكم مواطن رحماته، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: ساق المتحدث العبارة دون عزوٍ؛ و«أفلا أكون عبدًا شكورًا» جاءت في الصحيحين في سياق قيام النبي ﷺ حتى تتفطّر قدماه. وقد ذكر المتحدث أيضًا أنه ﷺ لولا الأسباب لبقي ليله ساجدًا، وهذا المعنى لا يُعرف في حديث بلفظه فحُذف من المتن.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ