أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

سورة البروج وبناء العقلية التي تستوعب الأزمات المتجددة

سورة البروج وبناء العقلية التي تستوعب الأزمات المتجددة

د. أحمد أبو سيف•١٠ مايو ٢٠٢٦•4 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٠ مايو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

نعوذ بك ربنا من شرّ هذا اليوم وشرّ ما فيه وشرّ ما بعده. اللهم أصلحنا وأصلح قلوبنا ونفوسنا، واهدنا إلى ما تحب وترضى، ويسّر لنا أسباب النجاة في الدنيا والآخرة، ومكّن لنا أسباب الطاعة ما حيينا. لا تُخزنا في ديننا، ولا تفتنّا في دنيانا، واحفظ علينا ما أودعتنا من النعم، وابسط لنا من الرزق ما نستعين به على طاعتك، ولا تجعلنا ممن طغَوا وبدّلوا وأفسدوا، واجعلنا ممن نجَوا في دينهم ودنياهم. اللهم اجعل عيالنا وأولادنا حجةً لنا بين يديك؛ اللهم إنا أتينا بهم إلى هذه البلاد فلا تبتلِنا فيهم ولا بهم، واجبر خواطرنا فيهم يوم لقائك، واجعلهم شهودًا لنا عند المقام بين يديك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك أن تُسبل علينا من ستر الإيمان وعافية التقوى، وألبسنا لباس المتقين.

وبعد، حيّاكم الله ورضي عنكم وتقبّل منكم، وجعل خُطاكم إلى بيته في موازين حسناتكم، لا أخزاكم الله في دين ولا في دنيا.

ملحمة أهل الفطرة

استمعنا إلى سورة البروج في صلاة الفجر، وهذه السورة تحديدًا تمثّل تراثًا يؤرّخ لملحمة كبيرة جدًّا بين أهل الإيمان، الذين هم على الفطرة البسيطة، لم يتلقّوا كثيرًا من التعاليم ولم يتفقّهوا في كثير من النصوص، وإنما هم قوم بسطاء آمنوا بكلمة واحدة وجملة لا ثاني لها: لا إله إلا الله. آمنوا بأن لهذا الكون إلهًا. غير أن الشيطان لا يسمح لأتباعه أن يتركوا أمثال هؤلاء يسعَون على الأرض أو يحيَون فيها؛ لا يسمح لهم بالبقاء ولا أن يتخذوا في الدنيا قرارًا، فهو يريدهم دائمًا في الأسفل.

بل إن الله تبارك وتعالى يحكي لنا هذا المشهد الذي لا يتصوره أحد: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.[1] ومفاد هذا الكلام أن هؤلاء الظلمة جاؤوا بهؤلاء الموحّدين، وحفروا لهم خندقًا، وأوقدوا فيه نارًا وأشعلوها، ثم قذفوا بهم في جوف النار.

ومن الروايات أن امرأة قالت: كيف أكون هناك وطفلي على كتفي؟ فأنطق الله لها طفلها: ألستِ على الحق؟ لا تترددي. ثم قُذف بها في النار.[4] وسواء صحّت الرواية أم كان فيها شيء، فإن الله تبارك وتعالى يُرينا من هذا التراث ومن هذا التاريخ ما لا يخوّفنا، وإنما يُرينا ما يثبّت قلوب المؤمنين عند الشدائد والأزمات. ربنا سبحانه وتعالى لا يصنع لنا تاريخًا يُرعب القلوب أو يُقلق النفوس، وإنما يعيد صناعة العقلية المستوعِبة للأزمات المتجددة على مرّ الزمن. فليست الدنيا بهذه البساطة التي تحلم بها العقول اللينة الوديعة الصغيرة، وإنما هي عقول أهل الحكمة والخبرة والنضج.

الأطفال والمال

انظر إلى الأطفال وهم يتعاملون مع المال، على سبيل المثال: ينظرون إليه على أنه مجرد ورقات أتت إلى أيديهم، ينفقونها حيث شاؤوا، ويستمتعون باللحظة. أولادك يأخذون المال وينفقونه في أي مكان، «عادي يا بابا». لكنهم لا يتصورون اللحظة التي كُدَّ فيها ذلك الجبين وسال العرق، ولا اللحظة التي تلقّيتَ فيها كلمة قاسية من رئيسك في العمل فخجلتَ أمام نفسك، ولا اللحظة التي كنتَ فيها تتلهف على زيادة في الراتب حتى تحقق لهم شيئًا يغنمونه بعد حين. لا يتصورون أنك تعمل في ميدان قد لا تحبه ولا ترتاح إليه، لكنك مضطر لأن من ورائك عيالًا. لا يتصورون هذا، فهم بعقولهم يتعاملون مع المال معاملة اللعبة. أما الكبار الذين حصّلوه بعد كدّ وتعب وجهد ومثابرة فيعلمون قيمة الدرهم، وقيمة القرش، وقيمة الدولار، أيًّا كان؛ يعلمون قيمة ما أتى إلى أيديهم فيمسكون عليه.

والنتيجة أن هؤلاء الأولاد يتهمونك بعد حين بالبخل والشحّ عليهم، وأنك لا تريد لهم كذا، وتمنعهم من السعادة. وأنت تعذرهم لأنهم أطفال لم يبلغوا بعد حدّ التقدير المقبول لهذا المتاع الدنيوي.

إعادة بناء الوعي

والشاهد أن ربنا سبحانه وتعالى عندما يودِع لنا مثل سورة البروج، أو يقول لنا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾،[2] فإنه في هذا العتاب الصارم القوي يوقفنا أمام حقيقة الدنيا ومن فيها: ممن لا يبغون لنا وجودًا، وممن لا يحسنون أن يتقبلوا الرأي الآخر، ولم يتعوّدوا أن ينصتوا إلى كلمة حق تخرج معاتِبةً إياهم أو معلّقةً على تصرف لهم؛ هم لا يقبلون هذا. ربنا يعيد لنا بناء الوعي.

ولذلك ترى أن سورة البروج جاءت بعد سورة الانشقاق، والانشقاق حاصل بعد وجود التطفيف، أليس كذلك؟ فهناك تطفيف يحصل من عقول تلعب بالحياة، فينشقّ خط المجتمع وينقسم إلى رأسماليين كبار جدًّا، أصحاب الثراء العالي في الدنيا، يمثلون ٥٪ أو ٣٪، وبقية الناس لا يرضَون لهم أصلًا أن يكونوا من أصحاب الطبقة المتوسطة: انزل تحت، «خليك تحت» في الأسفل. فإذا هم هناك، وإذا بقيت الخليقة تحت، ترى أنه بعد هذا الانشقاق يبلغ الأمر إلى حدّ البروج، وأصحاب البروج أصحاب الأخدود، أصحاب الطغيان، أصحاب الأوامر لإيقاد هذه النار، لا يدركون أن ثمة طارقًا يأتي بين الحين والآخر.

وبناءً عليه تكون مهمة أهل التوحيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾،[3] تزول بها الغاشية، ويتجدد بها فجر جديد تُعمَّر به البلاد، وتبقى الشمس موقِدةً لنور يتسلل في غياهب الليل، ويبقى ضحاها تنشرح به صدور الناس. بمثل هذا نستطيع أن نتفهّم كيف يصنع القرآن الكريم عقلية جديدة تتعامل مع الأحداث المتجددة، تستوعبها، وتصبر على لأوائها، ويتجدد الإيمان فيها، فإذا هي قادرة على التحدي.

الدعاء

أسأل الله العليّ القدير أن يفهّمنا مراده من كتابه، وأن يعيننا على العمل بما أنزل إلينا، وأن يثبّتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا اجعلنا وأهلينا وأولادنا في الجنة. اللهم إنا نعوذ بك من الفراق في الدنيا أو في الجنة يا رب العالمين. وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لكم في يومكم، وأن يرزقنا وإياكم في هذا اليوم الكريم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، برحمة منه ورضوان، وصلى الله وسلم على نبينا.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة البروج، الآيات ٥–٧. [2]: توثيق المحرر: سورة العنكبوت، الآية ٢. [3]: توثيق المحرر: سورة الأعلى، الآية ١. وفي الكلام إشارة إلى أسماء سور الغاشية والفجر والشمس والضحى والشرح بحسب ترتيب المصحف، ولم يتلُ المتحدث آياتها. [4]: توثيق المحرر: ساق المتحدث الرواية بلا عزو وتحفّظ في صحتها؛ وأصل قصة أصحاب الأخدود في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه، وفيها أن صبيًّا تكلّم لأمه فقال: «يا أمَّه اصبري فإنك على الحق»، ولم يُجزم هنا بأن لفظ المتحدث وارد في الحديث.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ