أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

ابتغاءَ وجه ربه الأعلى: إلى أين يمضي كل هذا السعي؟

خاطرة الفجر | 17 يوليو 2025

د. أحمد أبو سيف•١٧ يوليو ٢٠٢٥•4 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٧ يوليو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

شجون سورة الليل

حياكم الله ورضي الله تعالى عنكم، وتقبّل الله سعيكم إلى بيته لصلاة الفجر. في قراءة سورة الليل شجونٌ يستشعرها المصلي حين يرتّل الآيات ويستذكر المواقف ويتنقل بين جزئيات السورة المباركة. ومما يلفت الأنظار قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾.[1]

في إطار عام لمحاولة فهم البشر: أين المنتهى لكل هذا السعي؟ بماذا تشتغل؟ كم تصرف؟ كم مصدرًا للرزق عندك؟ القوة البدنية الموجودة في ذاتك، سعة صدرك، استيعابك للأشياء، قدرتك على التفكير، علاقاتك الاجتماعية، الإنجازات المتحققة لديك في حياتك، أولادك، بيوتك، ممتلكاتك، ما أنفقته في الحياة إلى الآن؛ كل هذا إلى أين؟ ابتغاءَ وجه رب العالمين؟ أم ابتغاءَ وجه الذات الإنسانية، تنظر إلى داخلها؟ أم ابتغاءَ وجوه الناس الذين تعيش في وسطهم؟

الكل يسعى

الكل يسعى، والكل يتحرك، والكل ينفق، والكل يتكلم، والكل ينام، والكل يتناسل، والكل يفعل ما يفعله بقية الناس. الكل يمضي ليله ويمضي نهاره، وتمر عليه الشهور والسنوات والأسابيع والأيام والساعات والدقائق والثواني؛ الكل تمضي عليه الحياة. لكن فارقًا كبيرًا جدًّا بين من تمضي عليه جزئية من حياته وهو في سبيل الله، وبين من يمضي وقته ابتغاءَ وجه الله. وأولئك الذين يعيشون كما تعيش الأنعام، بل هم أضلّ، لأنهم ملكوا ذلك الفهم وأُودعوا هذا العقل ولم يستعملوه.

الحيوان ليس عنده تكليف؛ الحيوان يفكر بقدر ما يستطيع، ويجتهد في تجنب المخاطر وبلوغ مواطن الأمن والسلام، ويحرص على الأمانة التي كُلّف بها من عياله أو ممتلكاته، فيما هو مهيّأ له ومحدد له في مواعيد محددة تمامًا. أما أنت يا صاحب السيادة على الكون، يا صاحب الفخامة في العلم، يا صاحب المكانة في المنزلة عند الله، أنت الذي جعل الله تعالى لك المنزل العليّ والمكانة الأرفع، أنت الذي أودع الله فيك العقل والضمير والوجدان، وأودع فيك الإحساس، وجعل لك قلبًا ينبض وعقلًا يفكر وبدنًا يتحرك ويتأثر. أنت ملك هذه الأرض وما عليها ومن فيها وما فيها. وسبحان الله القدير، يأتي الهدف وتأتي الغاية لتفرّق بين الأنماط والأشخاص.

عبد الدينار

والنبي ﷺ حين يضع لنا مثالًا تقريبيًّا لهذا فيقول: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الخميصة».[2] الله أكبر! وإذا بكلام ربِّ العالمين سبحانه وتعالى يجلّي لنا هذا المعنى حين نسمع: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾.[3] والعلماء والشرّاح والمفسرون يبدؤون في تحليل الكلمات وصياغتها والنظر فيها، فإذا هم أمام حديث النبي ﷺ المبيِّن للمعنى القرآني.

ويقول النبي ﷺ: تعس عبد الدينار؛ فما دلالة «عبد الدينار»؟ إنه يعيش له، ويعيش في ظله، ويعيش في أثره؛ فإذا وجد الدينار سُعد به وانبهرت حياته بمزيد من المؤثرات، وإن فقد الدينار ربما يموت بسكتة قلبية، أو يخفق قلبه وعقله فلا يدري أين هو، أو يُجنّ، عندما يفقد العملة الأساسية التي يراها مقوّم الحياة الأول. أما الصالحون والأنبياء وأصحاب البُغية في الآخرة، المؤمّلون في الجنة، فيعتبرون المال سببًا موصِّلًا وليس غاية مأمولة؛ فأصحاب الغايات الكبرى ينظرون إلى القيمة الحقيقية التي من خلالها يؤمّلون المستقبل الآمن المطمئن.

قامةٌ عظيمة

عباد الله، عندما نسمع ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾ فإننا ننظر أمام قامة عظيمة جدًّا. وقد ورد في الأثر أن الآية إنما نزلت في أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه، أبو بكر الذي كان حريصًا على أن يبقى صاحب المكانة الأتم. حتى عندما كان يُبتلى من الناس في عِرضه، كان يحافظ على نسبة الصفاء القلبي عنده؛ وإن حمل في نفسه شيئًا على أولئك الذين تكلموا عن عِرضه وعِرض ابنته، رضوان الله عليهم أجمعين، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.[4] فجاءت الآية تكلّم هذا الرجل تحديدًا، فإذا هو يقول: نحب يا ربنا. فعفا وأعاد الإنفاق حتى على من تكلم في عِرضه. إن النفوس العظيمة تبتغي غايات أعظم، ومن ثَمّ فالمقابل كبير، والجنة ليست هيّنة، وثمنها أغلى ما في هذا الكون.

أسأل الله العلي القدير أن يلهمنا ويثبّتنا، وأن يأخذ بنواصي قلوبنا وعقولنا إلى الرشاد والهدى، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم إنا نسألك لأهل فلسطين عفوًا ولطفًا ورحمة ورأفة؛ اللهم مكّن لهم، وأعنهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، ولا تجعل لأحد من البشر سبيلًا عليهم. اللهم اغفر لنا تقصيرنا في حقهم وفي حق دعوتك ودينك يا أرحم الراحمين، واجبر كسرنا، واستعملنا فيما يرضيك، ولا تُمتنا إلا وأنت راضٍ عنا.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الليل، الآية ٢٠. [2]: توثيق المحرر: الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة…»، وأورده المتحدث بتكرار «تعس» على سبيل الاختصار. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٦٥. اقتصر المتحدث على هذا القدر منها. [4]: توثيق المحرر: سورة النور، الآية ٢٢، وفي تفسيرها قصة أبي بكر ومِسْطح رضي الله عنهما. وربط المتحدث نزول آية الليل بأبي بكر نقله بقوله «ورد في الأثر» دون تعيين مصدره.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ