أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

سورة النور: سورة بُنيت كالبيت

سورة بُنيت كالبيت: لا يقوم المجتمع بغير حرف منها، ولا تُصان الأعراض إلا في بيوت الله

د. أحمد أبو سيف•٤ ديسمبر ٢٠٢٥•4 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بعد الفجر في أكاديمية الأئمة بتاريخ 4 ديسمبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

تضمّن مطلع الخاطرة دعاءً أن يصلح الله لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وأن يصرف عنا أسباب العذاب، وأن يهيّئ لأهلنا في فلسطين أمر رشد فيحفظهم ويحمي أعراضهم وينجيهم من كل ماكر وظالم ومعتدٍ، ولمستضعفي الأرض كلها، وأن يجبر خواطرنا ويقبل أعمالنا ويجعلنا ممن يسعون إلى مرضاته، عند أمره منتهين عن نهيه، مقتدين برسوله ﷺ.

ما الذي تتحدث عنه سورة النور؟

نحن في أواخر سورة النور، فلنسأل: ما الذي تدور عليه السورة عمومًا؟ إنها تفتتح بقول الله تبارك وتعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1].

وهذه مقدمة فريدة في سور القرآن الكريم، أن ينزل الله تعالى بقوله «سورة». أنت تعلم حين تقرأ ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] أنك تقرأ سورة، وحين تبدأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] فإنك تفتتح سورة، وكذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]. فلماذا يسمّيها ربُّ العالمين سبحانه فيقول «سورة»؟ ولماذا يحدّد معالم سورة كاملة؟

للإشارة إلى أن هذا بيتٌ إذا ارتفع منه جدار لم يصلح أن يكون بيتًا، وإذا ارتفع منه سقف انتفى عنه اسم البيت. فكأن السورة بمعالمها هذه هي التي لا يصلح حال المجتمع إلا بها على هذه الصورة، ولا يمكن أن يُستغنى عن شيء منها. بل يستحيل أن تفرّط في حرف من حروف سورة النور، فالأمر محتوم.

«أنزلناها» وليس «نزّلناها»

ثم يقول رب العالمين: ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾. ونحن في الغالب نفرّق بين «أنزلنا» و«نزّلنا». فالعلماء يقولون: إذا قال الله سبحانه «نزّلنا» فهو يعبّر عن التنزيل المتقطع، أو «المنجَّم» بلغة أهل علوم القرآن، أي نزل جزء هنا ثم جزء هناك، ومعالجة لأمر هنا ثم لأمر آخر، فهي صورة متكاملة لكن مع أحداث متفرقة. أما حين يقول «أنزلنا» فكأنه أنزلها جملة واحدة.

وسورة النور لم تنزل جملة واحدة، فلماذا عبّر عنها بأنه «أنزلناها»؟ لأنها وإن اختلفت أوقات نزولها فإن الاحتياج إليها متكامل، ولا بد أن تُؤخذ كأنها نزلت دفعة واحدة. تخيّل أننا أعددنا مائدة، فوضعنا عليها هذا الطبق وذاك الطبق وذاك، ولم توضع الأطباق كلها في وقت واحد بل متوالية، لكنه بعد وضعها لا يُستغنى عن طبق منها، ولا بد أن تأتي على المائدة متكاملة.

صيانة الأعراض

وخلاصة القول أن السورة الكريمة تتحدث عن قضايا الزنا، نسأل الله السلامة لنا ولكم وللمسلمين، وتتحدث عن قضايا السب والقذف، وعن قضية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي مرتبطة بهذا السياق أيضًا. فترى أن السورة تتحدث في جملتها عن قضية صيانة أعراض المسلمين.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾

والحديث عن السورة طويل، لكني أريد أن أتوقف عند جزئية أختم بها، وهي قول الله تبارك وتعالى في هذه السورة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ…﴾ [النور: 36].

فما علاقة الحديث عن المساجد بالحديث عن الأعراض وحفظ السيرة وصيانة المجتمع من الخيانات؟ (وأنا أراجع ذهنيًّا مع شيخنا وهو يقرأ في الصلاة: كيف نعيش؟ وإلى أي مستوى فرّطنا فيما بين أيدينا من الأخلاق التي أسّس القرآن الكريم أركانها؟)

خذ قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ…﴾ [النور: 58][1]. ما دلالة هذه الجملة؟ دلالتها أن الولد أو البنت في البيت لا بد أن يطرق الباب قبل أن يقتحم، قبل أن يدخل. وكأني أربّي أبنائي في بيتي على الفضيلة منذ نعومة أظفارهم، فلا ينبغي لأحد منهم أن يستهين أو يتهاون في اقتحام الحجرات، والاطلاع على العورات، واقتحام الخصوصيات. هذه مسائل نربّي عليها أولادنا حتى تصير كأنها فطرة وطبيعة.

لكن هذا كله لن يحصل إلا في بيت الله تبارك وتعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. تخيّل أن أحدنا يأتي من الطريق، من بيته أو من عمله، فيدخل المسجد وهو محمّل بكمية من الأتربة والغبار، وليست أتربة حسّية، فلا تراب عندنا هنا، لكنها نظرة هنا، وكلمة هنا، وغيبة هنا، ومكالمة جعلته منفعلًا، وأحوال تعرّض لها فأثّرت في نفسيته. يدخل المسجد وهو أشبه ما يكون بالمتسخ من كثرة ما تعرّض له في الخارج، فإذا هو يدخل بيت الله تبارك وتعالى ليخرج منه مرة أخرى نظيفًا نقيًّا طاهرًا، هادئ الطبع، مستقيم السيرة، مستريح النفس مطمئنًّا، ليس عنده ما يقلق مضجعه.

خاتمة

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يديمنا في بيوته، وأن يديم تعلّقنا بكتابه، وأن يحفظ خطانا على صراطه، وألّا نُبتلى بالتفريط ولا بالتهاون في شأن كتاب رب العالمين وحقّه. سلّم الله لكم يومكم وبارك فيكم، وأسأل الله العلي القدير أن يرزقنا وإياكم في هذا اليوم الكريم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، برحمة منه ورضوان.

--- [1]: توثيق المحرر: أورد المتحدث من الآية 58 قوله «ليستأذنكم الذين» فقط؛ وأثبتنا بقدر ما ذكر ولم نُتمّها.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ