أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

الابتلاء والحركة: بين آية الابتلاء وآية الصفا والمروة

لا وقت لنا نضيّعه في البكاء على الأطلال: ديننا دين عمل وحركة

د. أحمد أبو سيف•١٤ أغسطس ٢٠١٨•3 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 2018-08-14 المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

لا وقت لنا نضيّعه

بعد قراءتنا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾[1]. هذا حديث يدور حول تقبّل المؤمنين للمصائب التي تأتيهم، وأن ما يحدث لهم في حياتهم إنما هو من ربّ العالمين سبحانه وتعالى. وهو حديث عن الابتلاءات التي تتوالى على المؤمنين، ووعدِ ربّ العالمين لهم بالمثوبة.

الآيات تتكلّم عن حالة، ثم ينقلك السياق فجأة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ …﴾[2]. فما الحكاية؟ ما الرابط بين هذه الآيات في مثل هذا الموطن؟

كأن الله تبارك وتعالى عزّ وجلّ يخبرنا أنه ليس لدينا وقت نضيّعه في البكاء على الأطلال. فمهما كانت المصائب التي حصلت لنا في حياتنا، ومهما كانت الابتلاءات التي واجهناها، ومهما كان النقص الذي حصل في حياتنا، فإن ذلك لا يُقعد المؤمنَ الذي يؤمن بأن الله مع الصابرين. لا يُقعده، وهو في البداية يستعين بالصبر والصلاة، ثم في ختام أمره يتحرّك فورًا؛ لأن المصائب التي تأتي إنما هي بمثابة عقبات على الطريق، إذا استطعتَ أن تتجاوزها فإنك تعبرها إلى حيث تريد.

الصفا والمروة: دين عمل وحركة

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: ديننا دين عمل، دين حركة، دين انتقال من موطن إلى آخر، دين إنجاز؛ أنجزتَ شيئًا ثم تنظر إلى ما بعده لتنجزه هو أيضًا، وهكذا تتوالى الحركة في حياة المؤمنين الموحّدين.

ولو تصوّرتَ منظومة الحج في جملتها لوجدتَ أنها عودة إلى المبادئ الكلّية في الحياة. والصفا والمروة اللتان أشار إليهما ربّ العالمين سبحانه وتعالى هنا إنما تشيران، في وجودهما وذكرهما والعمل الذي يُمارَس حولهما أو عليهما، إلى نموذج حقّق دلالة مصطلح الأمومة، وهو من المفاهيم الكلّية في حياة البشر، كالأبوّة. وقضية الصدق، وقضية الإخلاص، وقضية إتقان العمل، وقضية استشعار السكينة، كل هذه من معالم الحج. لكنك ترى في الصفا والمروة تحديدًا، حتى في الموقف الذي هرولت فيه هاجر رضي الله تعالى عنها، أن الحجاج أيضًا يهرولون متمثّلين ما كان من أمر تلك المرأة التي حقّقت مفهومًا من مفاهيم الحياة، يمثّل حركةً وإنجازًا في واقع الدنيا.

لمّا بذلت هاجر هذا الجهد الذي بذلته أثمر لنا في عالم الحياة إسماعيلَ عليه السلام، الذي لمّا تحدّث عنه ربّ العالمين تحدّث عنه في إطار الحركة العملية لإنتاج شيء ما في عالم الحياة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾[3]، و﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ …﴾[4]. هناك مواطن تشير إلى نموذج تمّت تربيته على يد تلك المرأة، فأنتجت منتجًا بشريًّا فاعلًا، يتحرّك في إطار المجتمع، وينشر خيره في وسط الناس، ويؤثّر بالإيجاب لا بالسلب في الإنتاج الذي سيأتي بعده في الأجيال التالية.

فلا تتوقف بنا الابتلاءات

ديننا دين عمل، دين حركة، دين إنتاج. فمن اعتزل هذه المفاهيم العملية نظرًا إلى سفاسف الأمور، أو توقّف عند المسائل الصغيرة، لن يخطو بإسلامه خطوة إلى الأمام. وكذلك نذكّر أنفسنا مرة أخرى بأنه مهما كانت الابتلاءات التي كانت في السابق، فما ينبغي أن تتوقّف بنا عن عمل جديد وإنتاج متجدّد نعبر به الزمن، ونستقبل به المثول بين يدي ربّ العالمين سبحانه وتعالى.

أسأل الله تعالى أن يجدنا حيث يريدنا سبحانه وتعالى، وأسأله عزّ وجلّ ألّا نكون حيث لا يرضى، وأن نكون عند ظنّه بنا سبحانه جلّ في علاه. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والرضوان، اللهم آمين. بارك الله لكم وفيكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآيات ١٥٥–١٥٧. [2]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٥٨؛ توقّف المتحدث عند «فلا جناح» ولم نُتمّ الآية في المتن. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٢٧. [4]: توثيق المحرر: سورة مريم، الآية ٥٤؛ ذكر المتحدث الجملة الأولى منها فحسب ولم نُتمّها في المتن.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ