الابتلاء في ذاته رزق: الله لطيف بعباده
الرحمة المستترة في البلاء، وشكر العبد عليه، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 2018-08-08 المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الابتلاء الذي لا ندري ما فيه
عجيب أمر الإنسان. حدّثتني إحدى القريبات، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية للجميع، عن شيء أصاب ابنها، وكانت تشكو، فقلت: سبحان الله، لعلّ في ذلك خيرًا. استبشرتْ، لكن في ثنايا الحديث ذكرتْ أن أحد إخواننا فتح ابنُه القِدر ذات البخار، فخرج البخار في وجه الولد فأحرقه، ورأيناه في المستشفى، وكان مشهدًا مرعبًا في الحقيقة. وعلى كل حال، الشاهد من القول أننا نقول: الحمد لله، لعلّ هذه الإصابة أهون مما كان يمكن أن يكون، فلو أصابت الحروق أعضاءً أخرى وخصوصًا المواضع الحسّاسة لكنّا أمام مشكلة كبيرة يصعب معها ما هو فيه.
والعجب من الإنسان أنه لا يدري أن في الابتلاء رحمة، وأنه أهون من غيره.
ما يُروى عن عمر رضي الله عنه
تذكّروا معي ما يُروى عن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول إن له في كل ابتلاء أربعة أنواع من الشكر[1]. فيقولون له: على أيّ شيء تشكر؟ فيقول: الأول أنها في دنياي وليست في ديني. والثاني أن الله سبحانه وتعالى جعلها كذلك، ولو شاء لزادها، فربنا بعث هذا القدر فقط وكان قادرًا على أكثر. والثالث أن الله ألهمني الشكر عليه. أما الرابع فلا أذكره الآن.
على كل حال، هذا ما يقدّره الإنسان لنفسه دون تقديرات الله سبحانه وتعالى ربّ العالمين عزّ وجلّ، فهو لا يبعث ببلاء إلا وفيه رحمة.
رحمة مستترة في البلاء
اسمعوا هذا: شابٌّ تُعرض عليه الفتنة ويتعرّض لها بإلحاح وشدّة ويقاوم قدر ما يستطيع، ولكنه في كل مرة يمتنع فيها عن الفاحشة يمتنع لأن له مرضًا ابتلاه الله سبحانه وتعالى به، ولو فعل ذلك لمات. كنّا نبكي عليه وهو صغير لأنه أُصيب بهذا المرض، فلما كبر اكتشفنا فجأة أن هذا البلاء الذي كان من البداية هو سبب إعفاء هذا الفتى من ارتكاب كل هذه الفواحش وكل هذه الموبقات وكل هذا الشر. فيكون ما رأيناه سوءًا في بداية أمره قد تحوّل إلى خير في ختام أمره.
وحين يمنح الله الإنسان قدرًا قليلًا من المال لا كثيرًا، ندرك أن هذا ابتلاء ومصيبة، ونسأل الله سبحانه وتعالى العون والصبر على ابتلاء الفقر. لكن ما ندري أننا لو رُزقنا مالًا لكنّا من خلال هذا المال أصحاب بَطَر، والعياذ بالله، وأصحاب فجور. تخيّل أن قلّة مالك هذه جعلها الله تعالى سببًا لإعفاء ولدك من المخدرات! ما العلاقة بينهما؟ أن مالك كثير فتتركه في أي مكان، فيأخذ الولد منه ويشتري اليوم حقنة وغدًا حبّة، ويتحوّل إلى مدمن مخدرات من خلال مال زائد في حياتك. لكن قدّر الله تعالى لك قلّة المال ليعفي ولدك من ذلك. وفي المقام الآخر ترى رجلًا آخر رزقه الله تبارك وتعالى مالًا كثيرًا، لماذا؟ لأن ولده ما كان ليصبر على الفقر فيتحوّل إلى سارق. فالحكاية مترتّبة بعضها على بعض.
الابتلاء في ذاته رزق
ثم نتذكّر في ختام الأمر جملة مهمة نجعلها شعارًا في حياتنا، يتحدث فيها ربّ العالمين سبحانه وتعالى عن ذاته مخاطبًا إيّانا، يقول: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[2]. اسمع: الله لطيف بعباده، وتتمّة الآية: يرزق من يشاء. هو مع أنه قويّ، ومع أنه عزيز يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، لم يقل «يبتلي» وإنما قال «يرزق». فأفهم من هذا أن الابتلاء في ذاته رزق، الابتلاء في ذاته رزق.
فالحمد لله على ما بين أيدينا، ونسأل الله تعالى حسن التصبّر على ما نُبتلى به، ونسأل الله تعالى العافية في أمرنا كله، وأن يرزقنا الله تعالى نفوسًا تبلغ بصبرها الجنة، وتُحسن الشكر للمنعم سبحانه جلّ في علاه. بارك الله لكم وفيكم، وجزاكم الله خيرًا، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
--- [1]: توثيق المحرر: نقل المتحدث القول عن عمر رضي الله عنه من حفظه ولم يستحضر النوع الرابع؛ ولم يتحقق المحرر من ثبوت هذا الأثر، فهو منقول بحسب ما قاله المتحدث. [2]: توثيق المحرر: سورة الشورى، الآية ١٩.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.