الدنيا تُترك بغتة: ما نقدّمه قبل الخطو
خاطرة | د. أحمد أبو سيف | 6 ديسمبر 2016 | مسجد أورليانز، لويزيانا
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت في مسجد أورليانز بولاية لويزيانا بتاريخ 6 ديسمبر 2016م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد. حيّاكم الله وبارك لكم وفيكم، وأسأل الله أن يديم عليكم جمعكم، وشرفٌ لنا أن نقف بين يدي إخواننا.
بدأ كلمته بالدعاء لوالدة أحد الإخوة التي توفيت: أن يتغمدها الله برحمته ويسكنها جنته ويرفع درجتها ويغفر ذنبها ويقيل عثراتها ويعفو عنها، وأن يجعلها ممن شهدت لهم أمة النبي ﷺ بالصلاح يوم القيامة، ومن المقرَّبات، وأن ينزلها أحسن المنازل في الآخرة، وأن يربط على قلوب ذويها ويثبّتهم ويُلهمهم الصبر وحسن العمل.
نزلنا أرضًا لنحصّل منها شاهدًا لنا
ثم قال: لقد نزلنا أرضًا ليس بين أيدينا إلا أن نحصّل منها شيئًا يكون شاهدًا لنا بين يدي الله يوم القيامة. أموال الدنيا التي جمعها كل من سلف تُركت في الدنيا نفسها، وغادر الناس إلى دنيا أخرى وليس معهم قليل ولا كثير. عشنا طويلًا نحلم بأن يكون عندنا محلات وأموال ورؤوس أموال ومشاريع، وعشنا ليالي طويلة نؤمّل آمالًا كبيرة جدًّا: أن يزداد هذا الفرع فيكون له فرع في المكان الفلاني، وأن نطمح في تنمية هذا المال ليكون كذا. ثم بعد الأمن وبعد العمر وبعد الزمن تأتي سنن الله تعالى في الخلق ماضية علينا دون أن يردّ قضاءه أحد.
ومرة أخرى نذكّر: إذا نزلنا بأرض فينبغي أن نغادرها وقد عدّت لنا الملائكة منها أكبر قدر من الحسنات، وإذا عشنا بأرض فينبغي أن نخرج منها وقد سجّل لنا الملَك أكبر قدر من الحسنات.
مثل الحياة الدنيا
أحد إخواننا سألني اليوم عن تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.[1]
والمثال في منتهى البساطة: ماء ينزل من السماء فيصادف أرضًا تصلح للزراعة، وكذلك إنسان يخرج من رحم امرأة ليكون في أرض تصلح للعيش. والماء يختلط بتراب الأرض، وكذلك أنا وأنت نختلط بأمواج الحياة وما فيها: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾. وعندما ينزل الماء على الأرض ماذا يصنع؟ يُنبت. فللنبات زهوته ورونقه وجماله وبهاؤه، فإذا نظرتَ إليه أعجبك، ثم لا يلبث أن يزداد عِظَمًا في ذاته ويُشرق ويبدو أجمل وأحسن وأكثر. وكذلك الحياة الدنيا تبدو في عينك أحسن وأجمل كلما قدرتَ عليها وتمكّنتَ منها، وكلما كنتَ بها عزيزًا في نفسك وقادرًا في داخلك على أن تفعل شيئًا.
بغتةً، بلا مقدمات
ولكن في لحظة من اللحظات، ومن غير أي سبيل للإنذار ومن دون أي مقدمات، يحدث شيء طارئ. إما أن تذهب الدنيا من غير مقدمات: فلان كان مليارديرًا فأفلس، والله أعلم كيف، لكن بين عشيّة وضحاها، في أقلّ من ثانية، يأتي الخبر. وإما أن لا تتركه أمواله، وإنما كانت وفيّة له، مخلصة له أكثر من إخلاص أبنائه وزوجته، لكنه هو الذي غدر بها فانتقل إلى دار أخرى وتركها وراءه. لم يذهب ليتمم على كل البضائع الموجودة في المحلات، ولم يجد فرصة ليعدّ الحسابات بدقة، ولم يجد وقتًا ليدبّر أموره بيده ويقول: هذا لفلان وهذا لفلان وهذا لفلان؛ وإنما اختطفه الموت.
﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.[2] نريد فرصة فقط لنفعل الخير الذي طالما دُعينا إليه ولم نفعله. وتدرون لماذا؟ لأن الله تعالى وضع من البداية قانونًا قال فيه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾.[3] وأنا أسأل: يا ربّ، متى يطغى الإنسان؟ ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾؛ ما إن يرى نفسه استغنى بشيء قليل من المال يكون في يده حتى يشعر بالقوة والعزة والمَنَعة والسلطان والقدرة، فيستغني. وللأسف فإن أول من نستغني عنه هو صاحب الدعم الأول والأخير لنا في الحياة، بل عند الموت، بل بعد الموت، بل عند الحشر، بل يوم القيامة، بل حتى في الجنة: وهو الله.
فننساه في البيع والشراء، وننساه في قضاء أوقاتنا في اللهو أحيانًا، وننساه حين نشعر بالمَنَعة فنتعامل مع زوجاتنا بغير ما يرضي رب العالمين، وننساه حين نعقّ بعض أولادنا، وحين ننسى آباءنا وأمهاتنا، وحين نقطع أرحامنا. ننساه، ننساه، ننساه. حتى إذا جاء المذكِّر الأخير الذي ليس بعده مذكِّر قلتَ: الله أكبر! أنا كنت ناسيك! وكيف؟ ملك الموت واقف بمنتهى البساطة، تجده فجأةً واقفًا. فتقول له: طيب، حضرتك ممكن تذهب وترجع بعد خمس دقائق فقط؟ خمس دقائق فقط؟ لا أقدر.
قصة الرجل عند سليمان عليه السلام
أتذكرون قصة الرجل الذي كان عند سيدنا سليمان؟ قصة ظريفة جدًّا: يقولون إن ملك الموت دخل على سيدنا سليمان فجعل ينظر إلى رجل جالس عنده. فسأل الرجلُ الضيف سيدنا سليمان: مَن هذا؟ قال له: ملك الموت. قال: إنه ينظر إليّ، فأرجوك أن تأمر الريح فتحملني بعيدًا. فحملته الريح. وبعد قليل رجع ملك الموت، فسأله سليمان: لماذا كنت تنظر إلى ذلك الرجل؟ قال: كنتُ متعجبًا، كيف يكون جالسًا هنا وقد أُمرتُ بقبض روحه في موضع آخر؟
وعارف ما الذي يغيب عنا، أيها الإخوة أكرمكم الله؟ أن نتعقّل ما نصنع.
قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها
ومن أمثال العرب مثل في منتهى البساطة سأختم به، يقولون: «قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها». أي قبل أن تضع قدمك انظر أين ستضعها. وقبل أن تخطو إلى الآخرة انظر ماذا قدّمتَ للآخرة. قبل أن تبيع، قبل أن تشتري، قبل أن تتعامل مع مريضك لأنك طبيب، قبل أن تتعامل مع التلميذ عندك لأنك مدرّس، قبل أن تتعامل مع زميلك في العمل، وفي كل تعامل: حاول أن تقيّم أعمالك بميزان مختلف قليلًا عن الذي تربّينا عليه واعتدنا عليه وتمليه علينا الحياة البشرية المفترسة التي تتكلم بلسان الغابة. حاول أن تزن بميزان مختلف. ميزان مَن؟ ميزان الله؛ لأنه الوحيد الذي في يده النجاة، وهو الوحيد الذي سيُنجيك.
وإذا وزنتَ أعمالك بميزان رب العالمين سبحانه ثم أخطأتَ، فمثلُك مثل رجل خرج قاصدًا المسجد فتاه في الطريق. أما من كان من البداية ماضيًا في اتجاه آخر ثم يقول لربّه: يا رب، أنا ما وصلتُ إلى المسجد! فيُقال له: أنت كنتَ ماضيًا في اتجاه آخر، وتريد أن أوصلك إلى المسجد؟ إرادتك مختلفة تمامًا عمّا أردته لك. لكن الذي جاء قاصدًا المسجد وتاه، فرفع سمّاعة الهاتف وقال: أنا تهتُ يا جماعة؛ فنعذره ونقول: كم معك من الوقت؟ معي عشر دقائق. فننتظره، ونوقف الدنيا كلها لننتظره، لأنه قصدنا ولكنه أخطأ ولم يتعمد أن يخطئ، وذلك حال البشر.
دعاء الختام
وفي هذه الليلة أريد أن أغادر هذا المكان وقد تركتُ ورائي دعوة صالحة من ألسنتكم أن يتقبلنا الله. وختم بدعاء للحاضرين: أكرمكم الله بلسان طيب، وأكرمكم بعافية أبدان، وبالبركة في الأموال، وبأن تقرّ أعينكم بأبنائكم، وبأن ترضى عنكم زوجاتكم. ودعا لمدرسة المسجد أن يبارك الله فيها وفيمن قام عليها وفيمن أنفق عليها، وأن يرزقهم البركة لهذا المكان وما فيه وما حوله.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة يونس، الآية 24. وقد أُثبتت كاملة لأن المتحدث أشار إليها وتلاها. [2]: توثيق المحرر: سورة المنافقون، الآية 10. [3]: توثيق المحرر: سورة العلق، الآيتان 6–7.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.