نداءات الإيمان في القرآن: الوضوء إعدادًا وميثاقًا
لماذا يتطهّر المؤمن قبل القيام إلى الصلاة، وماذا يقول الوضوء عن الإعداد والعهد
المناسبة: تفريغ محاضرة ألقيت بعد صلاة العشاء في أكاديمية الأئمة بأمريكا بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦.المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
النداء الثالث من نداءات الإيمان، «يا أيها الذين آمنوا» الثالثة، يأتي مع أمر يعرفه الجميع.[1]
ماذا يطلب الله منا في هذه الآية؟ الجميع يعلم أنه يطلب الوضوء قبل الشروع في الصلاة. فهل هو واجب لكل صلاة، بحيث تجدّد وضوءك في كل مرة؟ جعل المحاضر المسألة مسألة صحة الوضوء نفسه؛ وإلا فإنك في كل مرة تبدأ فيها الصلاة تحتاج إلى أن تتوضأ، سواء كنت قد توضأت للتوّ أو قبل ذلك بوقت طويل.[2] ولكن ما معنى أن يكون الوضوء قبل كل صلاة؟
نظافة، وصفاء أيضًا
سيقول بعض الناس إن الله يعلّمنا أن نكون نظيفين دائمًا. وهذا أحد الأسباب. لكن السبب الرئيس أن الله يعلّمنا ألا نكون نظيفين فحسب، بل صافين أيضًا، ومستعدّين للأمور التي نحن على وشك القيام بها. فأكثر الأعمال التي لا طائل منها في حياتنا سببها أننا لا نُعدّ أنفسنا إعدادًا جيدًا.
لنضرب مثالًا. لو جئت إلى هنا لأتحدث إليكم ارتجالًا، فأقول لكم ما يخطر ببالي، أتظنون أن ذلك أفضل مما لو أعددت نفسي، ودرست، وبحثت، وجمعت الآيات، ونظرت في العلاقة بين هذا وذاك، وجاءتني ألف مسألة قبل أن أبدأ؟ بالطبع الإعداد يجعله أفضل.
لقد علّمنا الله من البداية النية: هي مفتاح قبول أعمالنا. فما دور النية؟ هي كأن أُعدّ نفسي لأكون مستعدًّا للشروع في ذلك العمل. نية الصلاة غير نية الصيام، وهما غير نية العطاء؛ ولكلٍّ نيته. فماذا تفعل النية؟ إنها نوع من الإعداد. ولماذا يعلّمنا الله أن نعدّ أنفسنا؟ لنؤدي الأمور على الوجه الأكمل.
حين أبدأ صلاتي، وأقف لأقول الله أكبر: لو جئت فجأة لأقول الله أكبر لبقيت مشغولًا بكل ما جرى قبلها. أما إذا تركت تلك الأشياء أولًا وغسلت وجهي وهكذا... فإن إحدى الروايات تخبرنا أن الإنسان إذا غسل وجهه خرج ما يبدو أنه خطايا الوجه مع قطرات الماء (الكلمة غير واضحة في التسجيل).[3] تخيّلوا: كل ما فعلته بيدي، وكل ما فعلته بوجهي، وكل ما فعلته بقدميّ، كأنني أنظّف نفسي وأصفّي رؤيتي إلى أين أمضي في هذه الدنيا، وما الذي أُعدّ نفسي له. ثم حين أبدأ صلاتي وأقول الله أكبر تأتي من مكان نظيف، وبقلب نظيف حقًّا.
ومن أهم الأحاديث هنا قول النبي ﷺ:
«الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»[4]
فماذا يعني ذلك، وما الشطر الآخر من الإيمان؟ يأتي الشطر الآخر حين أسلّم نفسي بين يدي الله وأقول الحمد لله؛ فتجتمع كل تلك الكلمات مع الأفعال، وأتنقل بينها. وليس الأمر تسليم نفسي بين يدي الله فحسب. فبحلول خروجي من الصلاة أكون قد أخذت تدريبي في ذلك الوقت القصير.
ترتيب الغسل
لم يقل لنا الله ببساطة: «توضؤوا وابدؤوا صلاتكم.» بل أعطانا التفاصيل والترتيب، وللترتيب حكمة أيضًا.
أول ما ذُكر الوجه. تأملوا ما أفعله به. حين أنظر إليكم أستطيع أن أتبين صفات الشخص الجالس أمامي. وأنظر بوجهي إلى امرأة في الطريق، وإلى المال أمامي، وإلى المكان، وإلى أشياء أخرى. والوجه يُظهر مشاعري. فإذا أحببت أحدًا رأيتم ذلك في وجهي؛ وإذا كرهت أحدًا وقابلته، «طيب، يلّا يا أخي»، سبحان الله، تراه في وجهي. حتى الشعور يظهر على الوجه. فتنظيف الوجه وتصفيته في البداية علامة على تنظيف سائر الجسد، لأنه رأس الجسد.
ثم يذكر الله اليدين. نستعمل أيدينا في العادة للتعامل مع كل شيء آخر في حياتنا. اليد نفسها تصافح من تربطها به علاقة محبة مشروعة، وتصافح من تربطها به علاقة غير مشروعة. واليد نفسها تعطي الناس، هدية مثلًا، واليد نفسها تأخذ أو تسرق من أحد شيئًا بغير حق. واليدان نفسهما تدلّان على طريق الحق وتدلّان على طريق الباطل.
ثم الرأس، وفيه لا يأمرني الله إلا بالمسح. تخيّلوا: ليس غسلًا مفصّلًا، وليس تنظيفًا عميقًا؛ مجرد مسح. فماذا يفعل المسح بشعري؟ نجد أحيانًا رواية عن النبي ﷺ أنه كان عليه [كلمة ضائعة] ففعل شيئًا وجاء المسح معه؛ والعبارة غير واضحة في التسجيل.[5] فما الدرس؟ إنه علامة: يجب أن أُبقي تلك المنطقة نظيفة صافية، بلا وسوسة من الشيطان وبلا أي... قد يأتيني من أحد حولي. أحتاج إلى أن يكون تفكيري في تلك المنطقة على الطريقة المستقيمة. وأحتاج إلى أن تظل موجَّهة نحو الجنة، لا إلى أي مكان آخر (العبارة بنصها غير واضحة).
ثم القدمان. ما معنى أن أغسل قدمي دقائق ثم أعود إلى البيئة نفسها التي جئت منها للتو؟ إن كانتا متسختين عادتا متسختين، لأنني أعيش في البيئة نفسها، ولا سيما حيث الغبار. وإن كانت قدماي نظيفتين أصلًا، فما فائدة تجديد النظافة؟ إنه علامة: تنظيف الخطوات قبل تنظيف سائر أعضاء الجسد.
فكل ما يطلبه الله مني إذن غسلٌ من نوع مختلف. هو تنظيف وتصفية للجسد من نوع مختلف، وتنقية للنية من نوع مختلف، وانتقال من حال إلى حال. إنه استعداد للشروع في الصلاة.
التراب بعد الماء
والآن لنفترض أن هناك عذرًا، وتخيّلوا ما يحدث. ننظّف أعضاءنا من الغبار، وفي الوقت نفسه يطلب مني الله أن أنظّف جسدي بالتراب من جديد. أغسل وجهي، ثم يمسّ هذا الوجه التراب مرة أخرى! كيف أفهم ذلك، إلا أن أرى فيه استعارة جاءت لتريني أن هذا وقت إظهار تواضعي؟ حين يكون عندي ماء أنظّف نفسي به. وحين أفقد الماء أنظّف نفسي بما هو سبب الوسخ عند غيري. تخيّلوا: هذا هو التراب، أضعه، وأغسل وجهي، وأؤدي الأعضاء. الله يعلّمني، عفوًا، الله يريد مني أن أُظهر له سبحانه تواضعي. ومن دون ذلك لا تكون للأوامر التي تأتيني من الله فائدة.
طهارة الظاهر والباطن
وتخيّلوا ما يقوله الله في ختام الآية: إنه لا يريد أن يضعكم تحت الضغط، لكنه يريد أن يطهّركم.[6] والتطهير يأتي على مرحلتين. الأولى تنظيف ظاهر الجسد، والثانية تنظيف باطنه. الخارج والداخل: فالداخل يحتاج إلى التنظيف أيضًا. إن نظّفت جسدي من الخارج بالوضوء، فإنني أنظّف قلبي بالصلاة.
ويقول الله إنه يريد أن يُتمّ نعمته التي أعطاكم. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نأخذ منها درسًا. هو كإتمام النعمة التي أعطاكم. أي نعمة؟ مجرد ردّكم إلى الصلاح، وهو أفضل ما يمكن أن يكون لنا في حياتنا: أن يردّكم إلى الصراط المستقيم، وأن تتذكروا أنني أعبد الله وأفعل ذلك لوجهه وحده. أحيانًا يطلب المعلم من الطلاب أن يحضروا الصف دون أن يعطيهم شيئًا جديدًا. فلماذا يحضرون؟ ليُخضعوا أنفسهم للمكان، وليُذكَّروا بأنهم ما زالوا طلابًا، وأنهم يأتون لأسباب مختلفة، حتى لو استمتعوا هناك. والله يطلب منا أن نأتي بين الحين والحين، بل خمس مرات في اليوم. نجدّده لكل صلاة، لنتذكر المفهوم فحسب (العبارة بنصها غير واضحة).
ويقول الله: «لعلكم تشكرون». وحين أسمع «تشكرون» أحتاج إلى أن أكون قد تلقيت شيئًا أشكر صاحبه عليه. قل إنك أسديت إليّ معروفًا مرة وقلت لك: «يا أخي أبا محمد، شكرًا على ذلك.» الشكر يحتاج إلى فعل. — لماذا ينظر الجميع إلى محمد؟ أنا الذي أحدثكم، وهو هناك. نظرت للتوّ فوجدت الجميع ينظرون إلى محمد. «انظروا، أين محمد؟» حسنًا، ها هو. — فماذا أعطاني الله في هذه الآية لأشكره عليه؟ أعطاني الطريق إلى بلوغ مرتبة الصلاح.
عهد واحد وثلاثة أوامر
انظروا الآن إلى الصلة بين الأوامر الثلاثة. أولًا: أوفوا بوعودكم وعهودكم وعقودكم. والثاني: لا تضيّعوا حدود الله؛ لا تهدموها، ولا تخرقوها. ثم يكون الأمر هكذا: أوفوا بعهدكم، وأول عهودكم العهد بينكم وبين الله. وأول مثال للعهد بينكم وبين الله هو الصلاة، والصلاة لا تكون أبدًا بلا وضوء. فأنت تُري الله أكثر من الوضوء: تُريه أنك تفي بالعهد بيني وبين الله.
أضرب هذا المثال كثيرًا. حين تتقدم إلى وظيفة ترى الإعلان أولًا، ثم تتقدم، ثم تجري المقابلة، ثم تقرأ الوصف الوظيفي وتنال موافقة صاحب العمل، وعندها توقّع العقد. توقيع العقد يجعلك واحدًا من موظفي الشركة، لكنه لا يعطيك الحق في أخذ راتبك آخر الشهر دون أن تحضر وتؤدي وصفك الوظيفي. هل أنا واضح؟ التوقيع لا يعطيك شيئًا آخر؛ اسمك موجود، وأهلًا بك في أي وقت. فإذا حضرت وداومت والتزمت بالقواعد وأديت عملك دون تقصير، جاز لك أن تقول: «يا جماعة، أين راتبي؟» فيقولون: «يا حبيبي، هذا شيكك، لا تقلق، تفضل.» أما إذا وقّع أحد العقد ثم لم يحضر مدة، فهل له حق أن يعود ويقول: «يا حبيبي، أعطني شيكي من فضلك»؟ هل هذا معقول؟ لا. تذهب من هنا.
فحين نقول شهادة الإيمان (التسجيل غير واضح عند هذا الموضع) فإننا نوقّع العقد. وقد وصفها النبي ﷺ بأنها مفتاح، هل تذكرون؟ إنها مفتاح دخول الجنة.[7] معك المفتاح. لكن إن وقّعت العقد مع الله ثم لم تأتِ بالصلاة وغيرها وهكذا، فإن توقيع العقد في ذاته لا يعطيك الحق في الراتب. عفوًا، لا يعطيك الحق في أن تكون في الجنة بمجرده. ولهذا يخبرنا حديث النبي ﷺ أنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم.[8] فبماذا إذن؟ لأنكم جئتم أولًا بشهادة الإيمان. حينها يكون معكم المفتاح، وإذا صار معكم المفتاح ونزلتم نظرتم إلى الأثاث المُعدّ لكم بحسب منزلتكم. هل وصلت الفكرة؟ هذا هو المفتاح. وإذا دخلتم الجنة وجدتم أنفسكم بين أهل الأعمال، سواء أُديت أم لم تؤدَّ.[9] فالأعمال لا تأتي أولًا؛ بل تأتي بعد ذلك، بعد التأكد، وبعد التحقيق والمسح، من أنكم من أصحاب العقد الذي وُقّع بينكم وبين الله.
أسأل الله أن يجزيكم جميعًا خيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: لم يتلُ المحاضر الآية؛ وهي مثبتة هنا لأن المحاضرة تعليق عليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وتعيين «النداء الثالث» مستفاد من المضمون (الأوامر الثلاثة المتصلة الآتية: العقود في المائدة ١، وشعائر الله في الآية ٢، ثم الوضوء في الآية ٦)، لا من قول في المحاضرة يسمّي السورة. وتتمة الآية فيها جملة التيمم التي يلمّح إليها فيما يأتي. [2]: توثيق المحرر: التفريغ متناقض في هذه المسألة (فهو يقول لاحقًا «نجدّده لكل صلاة لنتذكر المفهوم فحسب»)؛ وقد أُبقيت العبارة على الصيغة الحذرة التي يمكن قراءتها بها. [3]: توثيق المحرر: لم يعزُه المحاضر إلا إلى «إحدى الروايات»؛ وفي صحيح مسلم، كتاب الطهارة، رواية بهذا المعنى. [4]: توثيق المحرر: رواه مسلم. [5]: توثيق المحرر: الكلمة ضائعة في التفريغ؛ وقد يشير المحاضر إلى الروايات في مسح النبي ﷺ على العمامة، لكن النص لا يسمح بالجزم بذلك، ولذلك لم يُقرَّر في المتن. [6]: توثيق المحرر: يقتبس المحاضر خاتمة الآية نفسها: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وكذلك الجملة التي يلمّح إليها قبل قليل هي: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. [7]: توثيق المحرر: القول بأن شهادة الإيمان «مفتاح الجنة» معروف من كلام وهب بن منبّه ذكره البخاري؛ والرواية التي تُروى بها من قول النبي ﷺ ضعيفة الإسناد. وقد نسبها المحاضر إلى النبي ﷺ. [8]: توثيق المحرر: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» (البخاري ومسلم). وتتمة الحديث: «ولا أنت يا رسول الله؟» — «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته.» وتعليق المحاضر على أن شهادة الإيمان تأتي أولًا هو فهمه الخاص. [9]: توثيق المحرر: الجملة مضطربة في التفريغ («بين أهل [ضائع]... كان عملًا كان يؤدي [ضائع] أو لا»)؛ وقد صيغت بحذر.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.