أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
المفاهيم الإيمانية

من تأملات سورة يوسف

خاطرة الفجر — من تأملات سورة يوسف

د. أحمد أبو سيف•١٦ نوفمبر ٢٠٢٥•8 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 16 نوفمبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

قصة يوسف عليه السلام حين تُتلى علينا في الصلاة تكون منشودةَ القلوب حقًّا، ولها أثرٌ لا يُقارَن بالتأثر بكثير من مواطن القرآن. وفي القصة مئاتُ الأبعاد التي يمكن أن نتناولها من خلالها، لكن دعوني أسأل: لماذا يقصّ الله علينا قصةً حزينةً بهذا الشكل؟

ليست قصةً حزينة، بل واقع الحياة

والجواب أنها ليست قصةً حزينة، وإنما هي قصة من واقع الحياة؛ فالناس يتعرضون لمثل هذا كل يوم، والقرآن جاء ليعالج أحوال الناس، فلا بدّ أن يحكي لهم مما يشاهدونه كل يوم. والأصل أن القرآن متسق مع نفسه في جزئياته كلها: فلم نرَ فيه قصصًا عن أناس مسرورين منتشرين في الأرض، منتشين بما بين أيديهم، يخرجون في نزهة هنا وهناك، وقد أعطاهم الله أموالًا كثيرة يفعلون بها ما يشاؤون. وإنما تأتي قصص القرآن في غالبها حاملةً قدرًا من المحن والشدائد والمواجهات (لا أقول العنف، وإنما أقول مستوى من الأزمات) تأتي في طريق العاملين للدعوة، فيضع ربّ العالمين سبحانه من خلالها أنواعًا من الحلول تفيد الأمة التي تأتي بعد ذلك.

يعقوب عليه السلام: قلق الأب وصبره

تخيّلوا أبًا مطمئنًّا في بيته، هادئًا في قراره، أولاده حوله، فإذا بواحد منهم يأتيه فيقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾[1]. ما دلالة هذا عند الوالد؟ دلالته أن تغيّرات جذرية ستحدث في هذه الأسرة، وأن تقلّبًا سيقلب شأن هذا البيت على مستويات كثيرة. وأنت لو رأيت ابنك في المنام يحاول أحدٌ به شيئًا لبقيتَ قلقًا جدًّا: ماذا سيحصل يا رب؟ استرها علينا، عدِّها على خير. فتخيّل حال يعقوب عليه السلام في هذا المشهد.

ثم بعد وقت قليل يترقّب الوالد حركة أولاده، ماذا يفعلون وما الذي يحصل لهذا الولد. فإذا بهم يأتون بنبرة مختلفة عن عادتهم في التعامل معه، يقولون: أخرِجْه معنا، نريد أن نلعب ونلهو ونمرح، فيزداد قلقه. ثم يعودون مساءً دون أخيهم. فما تقييمك لنفسية إنسان يرى ابنه يُختطف من بين يديه على أيدي إخوته، وهم ليسوا واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة، بل أحد عشر؟ أليس فيهم رجل رشيد؟ ويأتي التفكير على هذا النمط: أما استطعتُ أن أربّيهم؟ أما أثّر فيهم هذا الدين الذي أحمله في نفسي؟ أما كانوا على قدر التلقّي مني وهم يرون الوحي يأتيني؟ فنحن في آخر المطاف ناس عاديون نسعى في الأرض، نكتسب معلومة من هنا ونأخذ نصيحة من هناك، ونفتح كتابًا ونقرأ حديثًا؛ أما هذا فنبيّ يتنزّل عليه الوحي من ربّ العالمين، ومع ذلك لم يتعلّم أولاده في رحابه! فكيف يكون التحمّل النفسي عند يعقوب وهو يعلم أنهم يتآمرون على أخيهم؟

تخيّل مستوى الكَمَد والحزن والألم في قلبه وهو يرى الجُناة، الفاعلين الحقيقيين، يدخلون عليه كل يوم صباحًا ومساءً، يغدون ويروحون، يقولون: يا أبتِ أعطنا كذا، نريد كذا، ويناقشونه في المسائل العامة والخاصة. ولك أن تتصور شأن يعقوب لو اعتزل قومه، وهؤلاء أولاده، زهدًا فيهم لا يريد أن يرى أحدًا. كم من الألم النفسي كان في نفسه وهو يرى الأولاد يتحركون أمامه، وذلك الفقيد لا يعلم أين هو!

لماذا لم يُطمئنه الله بموطن يوسف؟

عندي سؤال: لماذا لم يُلهِم الله تعالى قلب يعقوب ولم يُخبره بموطن يوسف، ويُعلمه أن هذا جزء من الرسالة فيطمئن قلب الوالد؟ لأنه سبحانه يريد أن يعطينا من خلال يعقوب دروسًا كبيرة جدًّا، هي دروس التحمّل لما يأتينا من أذى الناس الذين حولنا، مهما كانوا قريبين أو بعيدين: أصحابَ رحمِ دمٍ، أو رحمِ علمٍ، أو رحمِ أخوّة، أيًّا كانوا. فسيلحق بك من الأذى ما يستوجب نسبةً من الصبر كالتي وُجدت عند يعقوب عليه السلام.

تمرّ الأيام الطوال والعقود، وهناك يتهيّأ يوسف وهو لم يرَ أباه ولا يستطيع أن يتواصل معه، والأمر يسير على الله القدير، ولكنها حكمة الله وتقديره لأحوال البشر. يعقوب في بلد، وولده في بلد بعيد، وليس بينهما إلا التواصل عبر السماء: هذا يدعو من ناحية، وذاك يدعو من ناحية أخرى. وهنا نتعلم أنك مهما ضاقت بك الأمور واشتدت، ومهما كان الجُناة في حياتك، فإن السبيل الأوحد والأتمّ هو الدعاء؛ أن تدعو ربّ العالمين أن يهدي العاصي، وأن يلمّ الشمل، ويجمع المتفرقين، ويعيد اللُّحمة بين الناس. تلك هي وسائلنا الأولى.

يوسف وأخوه: وأخوّة الدين

ثم تخيّل أن إخوة يوسف يدخلون عليه وهو يعرفهم، ويعلم أن ثمة غاية لم تتمّ بعد، ويتآمرون عليه للمرة الثانية، في قول لا تجد له تفسيرًا إلا أن وراءه نزغات الشيطان نعوذ بالله: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾[2] فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم. انظر إلى حدّ التحمّل البشري والنفسي: طاقة تحمّلت مثل هذا الكلام وسكتت وصبرت وردّت بقول جميل ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾[3]. هذه الجملة التي خرجت من يوسف لأخيه الذي علم أنه لا ملاذ له بعد الله إلا هذا المأوى. وهنا يكيد يوسف لأخيه لا عليه، يكيد لأجله لا لضرّه.

وهنا تتجلى حكمة ربّ العالمين فيما يُسمّى بالأخوّة، التي جعلها الله على مستويين: أخوّة الرحم، شخصان يخرجان من رحم واحد، يحملان الدم نفسه والجينات نفسها والخصائص نفسها؛ وأخوّة أكبر وأعظم وأعمق هي أخوّة الدين. فقد تسوء أخلاق صاحب الرحم الذي خرجنا منه، وقد تكون المرأة التي أنجبت ولدين غير صالحة فيخرج كلاهما يحمل الإشكاليات نفسها. أما أخوّة الدين فالأصل أنها من رحم الدين، وليس في الدين عِوَج، ولا نقص عند من أنزل القرآن وأنزل الديانة؛ فالأصل في أخوّة الدين أن تكتمل باكتمال ذلك الدين، فلا تشوبها شائبة. وقد ذُكر في معنى الأخوّة أن أخوّة الدين لا تحول بينها فوارق الدنيا؛ بمعنى أنك تستطيع أن تضع يدك في جيب أخيك فتأخذ ما فيه وتنصرف دون أن يلتفت ذهنه إلى كم أخذتَ وكم تركتَ، فما عندي لك وما بين يديك هو ملء سمعي وبصري؛ أستغني بأخي وأتقوّى به، وأشعر بالأمن والطمأنينة، فلا يصيبك عوز ولا حاجة ولا فقر طالما أن ثمة أخوّةً تحمي هذا الكيان المجتمعي وتحفظه، وينتشر فيه نسيج التديّن.[4]

الأنبياء كلهم ابتُلوا

وتمرّ الأيام على هذا النبي الذي يأتيه الوحي وتتنزل عليه آيات السماء، ومع ذلك يمرّ بمثل هذه الأزمات، وليس وحده. فإذا قرأتَ ما واجهه موسى عليه السلام من التحديات الشديدة، من أول يوم وُجد فيه في الأرض إلى يوم يلقى الله، فكم من الأيام كانت فيها نشوة وأريحية وسعادة، وخروج وعمل ورحلات تخييم وشواء ونحو ذلك؟ لم يحدث هذا. ولم يكن يوسف في هذه المشاهد، ولم ترَ عنده مثل هذا، ولا موسى ولا عيسى ولا أيوب ولا سليمان ولا داود ولا يحيى ولا زكريا ولا آدم ولا نوح عليهم السلام. كل هؤلاء يعرض القرآن قصصهم ليريك ما اتفقت عليه كلمته: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي…﴾ وانتهت المعادلة، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.[5] معادلة متسقة. ومن تصوّر أنه يمكن أن يهنأ بالحياة ويسعد بها ويعيش فيها مَلِكًا بعد قليل، فهذا هراء، ليس هذا في قاموس الاستخلاف. أنت هنا في مهمة تُنجزها، وتلقى في سبيل إنجازها مجموعة من الأزمات المتوالية التي لن تنقطع.

فهل يموت الإنسان كَمَدًا؟ قال: لا، عندي مصطلح مختلف اسمه الطمأنينة، والفرح بنعمة الله، وتحقيق الإنجازات الدعوية والإيمانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[6].

الناس بشر، وصمّام أمانك بيدك

الناس من حولك، الأصل فيهم الصلاح أم الفساد؟ الأصل أنهم يتلقون دعوة ربّ العالمين أم دعوة الشيطان الرجيم؟ الأصل أنهم ينصتون إلى صوت القرآن أم إلى صوت الشيطان؟ تتقلّب أحوالهم وتتناوب أعراضهم، ولكنهم بشر؛ لا تتوقع منهم أكثر من أنهم بشر يكونون في حال طيبة وفي حال خبيثة، وأحوالهم بين يدي الله. أما صمّام أمانك فبيدك: أمسِك لجامَ نفسك، واحذر أن تنساق مع بقية الخلق فيما يسعون فيه من فساد.

ويوسف عليه السلام تناوبت عليه الأحوال، ولكنه لم يدع لأحد منها سبيلًا أن يجرّه إلى ناحيته. تخيّل مؤامرة في القصر تترأسها سيدة القصر لجلبه إلى أحضانها لتفعل ما تشاء معه؛ يوسف لم يترك لنفسه فرصة لينجرّ في هذا. ثم تتوالى الأيام ويكون في السجن، ومعلوم مَن هم في السجون، ويحاولون جرّه إلى ما هم فيه، لكن إيمانه وقوته يحولان بينه وبين الانسياق وراء أمثال هؤلاء، ويصبح الداعية الأمثل في وسطهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[7] إلى آخر ما ساقه لهم.

اللحظات الأخيرة: فرح الوعد

وفي اللحظات الأخيرة من القصة يدخل يعقوب منتصرًا منتشيًا؛ ليس فرحًا بلعبة جديدة أتت إليه، ولا بهدية جُلبت له، ولم يكن فرحًا بمجرد التقاء الأبدان، وإنما كان فرحًا بتحقق وعد الله تبارك وتعالى له. لقد كان يردّد على مسامع أولاده: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[8]. فلنصل أنفسنا بالله، ولنربط قلوبنا وأذهاننا به، ونصرف عقولنا من التفكّر في الناس إلى التفكّر في ربّ الناس.[9] وقلوب الخلق بين إصبعين من أصابع الرحمن، هكذا يعلّمنا رسول الله ﷺ.[10]

لماذا لم يأتِ النصر مبكرًا؟

مرة أخرى: القرآن لم يعرض علينا قصص مُرفَّهين في الدنيا إلا وقد كانوا أصحاب عذاب في الآخرة، وإنما عرض قصص أناس تعبوا في هذه الحياة وكدّوا فيها ولاقوا ما لاقوا من الشدة والبأس. تخيّل حين يحدّثنا ربّ العالمين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ثم يقول ربنا: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.[11] إذا كان قريبًا بهذا القرب، فلماذا لم يأتِ مبكرًا؟ لماذا لم يأتِ من البداية؟ لماذا لم يعطِ الله تبارك وتعالى محمد بن عبد الله ﷺ عصًا سحرية يشير بها إلى الرجل من أهل مكة فيصير مسلمًا، ولم يكن هناك داعٍ لكل هذا العنت وهذا الألم وهذا الفراق وهذا السفر وكل هذه المعاناة التي لاقاها أصحاب رسول الله ﷺ وبعدهم؟ لماذا لم تكن الدعوة سهلة، والحياة يسيرة، والأموال موفورة؟ لأن التعب جزء من مهمة الناس في هذه الدنيا.

ومن وطّن قلبه وعقله على ذلك عاش مستقرًّا كالجبل، يعلم أن الشمس تسطع حقًّا، ولكن الرياح إذا أتت قد تأخذ جزءًا منه فتنقله إلى مكان آخر، حتى إن هذه الريح لتصنع جبلًا مجاورًا، لكنه لا يبلغ شأن الجبل الأول، لا في صموده ولا في شموخه ولا في ثباته ولا في ضرب جذوره في الأرض. نحن أصحاب دعوة وأصحاب إيمان وأصحاب مهمة في هذه الحياة، وهذه السفاهات التي تدور حولنا ما ينبغي أن تهزّ أركان الداعية، ولا أن تفتّت عزمه، ولا أن تشتّت ذهنه. نحن بشر نتألم، لكن هذا الألم ينبغي أن ينقضي بعد حين: ينقضي مع ركعتين في جوف الليل، وينقضي مع دعوة عند باب الملتزم، وينقضي مع وقت السحر الذي تتنزل فيه رحمات ربّ العالمين على الناس.

أطلتُ عليكم فسامحوني، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يثبّت قلوبنا وأن يربط عليها، وأن يهيّئ لنا ولكل مبتلى في هذه الحياة أسباب النجاة والرشد. اللهم آمين يا ربّ العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة يوسف: 4. [2]: توثيق المحرر: سورة يوسف: 77. [3]: توثيق المحرر: سورة يوسف: 69. [4]: توثيق المحرر: نسب المتحدث هذا المعنى في التفريغ إلى «أبي هريرة وغيره» إجمالًا دون نص أو مصدر، فحُذف العزو من المتن لعدم التثبت منه. [5]: توثيق المحرر: الآية الأولى سورة البلد: 4، وتتمتها «في كَبَد»، ولم يُتمّها المتحدث في التفريغ. والثانية سورة الانشقاق: 6. [6]: توثيق المحرر: سورة الرعد: 28. [7]: توثيق المحرر: سورة يوسف: 39. [8]: توثيق المحرر: سورة يوسف: 86. [9]: توثيق المحرر: العبارة مضطربة في التفريغ الآلي، وصيغت بقدر ما ثبت من معناها. [10]: توثيق المحرر: أخرجه مسلم (2654) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ولفظه: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفه حيث يشاء». نقله المتحدث بالمعنى مختصرًا. [11]: توثيق المحرر: سورة البقرة: 214.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ