أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
التفسير المقاصدي

لقطتان تُثيران الشبهة في قصة يوسف: طلب الأخ والأبواب المتفرقة

من قصة يوسف عليه السلام: لقطتان تُثيران الشبهة — طلب الأخ، والدخول من أبواب متفرقة

د. أحمد أبو سيف•٥ أغسطس ٢٠٢٦•5 دقائق قراءة
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 5 أغسطس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

عندنا في القصة المقروءة في صلاة الفجر لقطتان في غاية السرعة والبساطة، نتوقف عندهما؛ وكلا الموقفين يصنع شبهةً في أذهان الناس.

المشهد الأول: «ائتوني بأخٍ لكم»

﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.[1]

ما الذي يحصل؟ يوسف عليه السلام يطلب من هؤلاء النفر، الذين جاؤوا يدّعون أنهم أبناء يعقوب وأنهم أتوا من المكان الفلاني ويطلبون الطعام، أن يأتوا بأخٍ إضافي. فلماذا يطلب منهم ذلك؟ ولماذا يهدّدهم بأنهم إن لم يأتوا به فلن يحصلوا على طعام؟ أترون هذا من العدل؟ هذه شبهة في أذهان الناس: لماذا يُصرّ على هذا الأخ، وإن لم يأتوا به فلا كيل لهم؟

وتأويل هذا المشهد ببساطة شديدة أنهم ادّعوا أنهم اثنا عشر مثلًا. لنقل إن القبيلة خمسون أو مئة إنسان، ودليل البيان الذي قُدّم للحكومة يقول مئة نفر. فلما نحصي ونعدّ، وعندنا مثال تقريبي، قلتم إنكم اثنا عشر أخًا، فأين هم؟ أنتم أحد عشر، فأروني الثاني عشر. فكأن الأمر صدر من يوسف عليه السلام على سبيل استبيان واستقصاء البيانات المطروحة أمامنا في الأوراق.

وهذا مثل أن تذهب لتأخذ مساعدة من الحكومة، فتقول: عندي خمسة أولاد، والظاهر أن عندك أربعة، فأين الخامس؟ هات لي إثباتًا. وتذهب إلى كثير من الدوائر الحكومية فيقول لك الموظف: أريد برهانًا أنك الشخص نفسه، أعطني كذا وكذا، خاصةً في المواطن الحسّاسة، وفي هذه الأزمة الكبيرة التي أحاطت بتلك البلاد. فصاغ يوسف عليه السلام طلب رؤية أخيه ولكن بصيغة قانونية، بصيغة لا تجعله في موطن الشبهة عند هؤلاء الناس: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا هذا المكان أبدًا.

بضاعتهم في رحالهم

وجعل بضاعتهم في رحالهم. ما معنى ذلك؟ هم جاؤوا يقدّمون ما عندهم من مال ليشتروا به الطعام ويعودوا بزاد الطعام والشراب، فجعل أموالهم في رحالهم مرة أخرى. فلما رجعوا وجدوا بضاعتهم في رحالهم فقالوا: يا أبانا هذه بضاعتنا رُدّت إلينا. أي أنه لم يقبل الصفقة.

وكيف ردّهم دون طعام؟ لا، لم يردّهم دون طعام، وإنما ردّهم بزاد يسير، كأنه أعطاهم من الطعام ما يغطّي حاجة هؤلاء الناس إلى أن يعودوا إليه بالإثباتات. فالإثبات هذه المرة ليس ورقيًّا بل عملي: سمّيتُ في ملفّي عشرة أشخاص، وأريد أن أثبت أن عندي عشرة أشخاص. وبهذا تنتفي أي شبهة في محاولة يوسف عليه السلام الحصول على أخيه بشيء من الضغط على هؤلاء الناس؛ لأنك حين تتكلم في هذه المسألة فأنت تتحدث عن جوع يلوي بطون الخلق مدةً محدّدة. فطلب إثباتًا قانونيًّا، ثم أعطاهم من المال ما يكفي في هذه المهلة التي يعودون بها إلى الحكومة لإثبات الادّعاء المرصود في الأوراق الحكومية.

المشهد الثاني: «لا تدخلوا من بابٍ واحد»

﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.[2]

ما الذي أراده يعقوب؟ ما الذي ورثناه نحن من المعلومات؟ أنه يخاف عليهم من الحسد. هذا كل ما عندنا من المعلومات أن يعقوب عليه السلام خاف عليهم من الحسد. لكني حين أقرأ الأحداث أرى أن هؤلاء الناس طُلب منهم مزيد من الأدلة.

يقول أحد أصدقائي إنه قدّم على «الجرين كارد» منذ عشرين سنة. فسألته: كيف عشرين سنة؟ فقال لي جملة في منتهى البساطة: اسمع، إذا حصل شك في بداية التقديم أخذ الخط مسارًا آخر؛ فكل حركة تقدّمها وكل ورقة يُطلب فيها إثباتات أكثر من الذي مشى في الخط الأول السليم. فيحصل تشييك مبدئي: الأوراق مضبوطة، الكلام منطقي. ومثله في المطار: تُدخل حقيبتك على جهاز الفحص فتمشي، ثم تتحوّل فجأة إلى مسار آخر، فتستعدّ وتقف أمام الضابط لأنك تعلم أن هذه الحقيبة ستُفتَّش. لماذا حصل تغيير المسار؟ لأن عندنا نوعًا من الشك في شيء غير مضبوط، وأحتاج أن أستفسر عنه.

فإذا وُضع هؤلاء في خانة الاستبيان صاروا في موطن الاتهام لا في موطن الثقة. فإذا جاؤوا مرة أخرى بمجموعهم، فالحكومة أول ما تنظر إليهم كأنهم جاؤوا مرصودين، وبناءً عليه لا بدّ لهم من تبرير مواقفهم كلها. وهذا كما يقال في بعض الأحوال إنه لا تجمّعات لأكثر من ثلاثة أشخاص، وهذا يُستخدم إما لحفظ الأمن وإما لتهديد الأمن؛ فعندنا غاية شرعية من وراء هذا التتبّع. فأصبحوا متتبَّعين، ويعقوب عليه السلام لا يعرف حقيقة الأمر إلى تلك اللحظة، ولكنه بناءً على استقرائه للموقف حذّرهم أن يحصل منهم تجمّع مثير لحسّ الأمن عند الحرّاس المستقبِلين للوفود الآتين إلى هذه البلاد. أن ندخل ثلاثة أو أربعة أو اثنين أو خمسة خيرٌ من أن ندخل كلنا، فنبدو مجموعةً داخلة تعتدي على شيء أو تأخذ حقّها بالقوة.

«حاجةً في نفس يعقوب قضاها»

لما سمّاها ربّ العالمين سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾[3] فإن هذا الفهم للموقف يُستنبط من دلالات الكلمات القرآنية. فلماذا كانت كلمة «قضاها»؟ وما دخل هذه اللفظة بمدلولاتها في هذا السياق؟ إنها مرتبطة بسياق التتبّع الموجود لهؤلاء الناس منذ صدر عليهم الحكم بأنهم لا يُمنحون طعامًا كبقية الناس. عندنا شكّ، عندنا شبهة هنا، شبهة جنائية في الموضوع: هؤلاء يتحايلون على القانون ليحصلوا على الطعام. فقد يقول قائل: التحايل على القانون سيحصل في نفر واحد فقط، فلا تحاسبهم يا سيدنا. فيقال: إذا أردنا أن نطبّق مبدأً فإننا نطبّقه على كافة المستويات، ودائمًا يُبدأ من حالة صغيرة ثم يأتي ما وراءها؛ الحبل يُجَرّ بعد ذلك. سبحان الله.

خاتمة

أردتُ فقط أن نتذاكر معًا كيف كانت حكمة يوسف عليه السلام في التصرف، وحين أقرأ موقف يعقوب أفهم من أين أتى يوسف بهذه الحكمة. وعندنا موقف ثالث سيحصل بعد قليل: يضع السقاية في رحل أخيه، ثم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾؛ فإذا جاءنا في التلاوة إن شاء الله وقفنا عندها. بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا، أسعدكم الله.

--- [1]: توثيق المحرر: الآيتان من سورة يوسف، الآية 59 والآية 60. نطق المتحدث بالآية 59 كاملة، وفي الثانية نطق «فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي»، وتتمّتها «ولا تقربون» جاءت في كلامه لاحقًا. [2]: توثيق المحرر: سورة يوسف، الآية 67. [3]: توثيق المحرر: سورة يوسف، الآية 68 (ذكر المتحدث الجزء المقتبس منها). وفي كلام المتحدث تفسير سياقي اجتهادي لقصة المراقبة والاتهام، وهو تمثيل بواقع الإجراءات الحكومية لا نص قرآني.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ