أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى سؤال وجواب
الأسرة والتربية

ما حدود الخروج وممنوعات العدّة للمرأة المتوفّى عنها زوجها؟

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦
السؤال
السلام عليكم شيخ أحمد. أسأل عن ممنوعات وقت العدّة، فكلُّ شيخٍ — بحسب اجتهاده وعلمه — يقول نعم أو لا في أشياء مختلفة، حتى احترتُ. هل يجوز أن أبيت عند ابنتي، وهي على بُعد ساعتين إلا ربعًا من بيتي؟ وهل أسافر للعمرة مع شريف؟ وهل أزور المقبرة؟ ولو كنتُ عند ابنتي فخرجت هي وأولادها إلى مطعم، هل أذهب معهم؟ ولستُ أدري ما المسموح وغير المسموح على وجه التحديد، وهل لفقه المغتربين خصوصيةٌ في ذلك؟ جزاكم الله خيرًا، وإن كان ثَمّ ما يُفيدني في الباب فأرجو إضافته.
إجابة الشيخ

وعليكِ السلام ورحمة الله وبركاته. وقبل الجواب، دعيني أُثني على سؤالكِ؛ فإنّكِ لم تقفي عند حدّ «أحلالٌ هذا أم حرام»، بل طلبتِ المعنى الذي وراء الحكم، وفرّقتِ بنفسكِ بين مقاصد مُحتملة — أهي صيانةٌ للمرأة، أم حفظٌ لها من غيرها، أم سكينةٌ لقلبها بعد المصاب؟ وهذا التماسٌ للعِلّة لا للصورة، وهو عين ما يصنعه الراسخون في الفقه. فحَيرتكِ ليست ضعفًا، بل أثرُ عقلٍ يطلب أن يعبد الله على بصيرة، وهذا من تمام التقوى.

والعدّة — في حقيقتها المقصدية — ليست عقوبةً لكِ، ولا اتهامًا في وفائكِ، ولا حبسًا عن الحياة؛ وإنما هي مرحلةٌ يصون بها الشارع معنى الزوجية بعد انقطاعها، ويمنحكِ فيها مساحةً تستعيدين بها توازنكِ بعد حدثٍ جَلل. فمدارها على مقصدين: حفظ حُرمة العقد الذي أنهاه الموت، ورعاية نفسكِ بالسكينة والهدوء.

وهذا المقصد ليس استحسانًا مجرّدًا، بل يدلّ عليه ترتيب الشارع نفسه: فإنّ عدّة الوفاة — ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ — تلزم المرأة على حالٍ واحدة: شابّةً كانت أو مُسنّة، مدخولًا بها أو لا، عُلِم خلوُّ رحمها أو جُهِل. ولو كان مقصودها الأوحد استبراءَ الرحم لَسقطت عمّن لا رحمَ يُستبرأ فيها. فدلّ هذا على أنّ روحها الأغلب: وفاءٌ للفقيد، وتعظيمٌ لرابطةٍ كانت، وفُسحةُ سكونٍ لكِ — لا الريبة فيكِ.

وإذا كان هذا مقصدها، اتّضح أنّ المنهيَّ عنه ليس مغادرة البيت في ذاتها، وإنما ما ينقض هذا المعنى: الزينةُ والتبرّج، والتهيّؤ للخِطبة، وما يقطع صلتكِ بمسكنكِ وهيبةَ هذه الأيام. أمّا خروجٌ تطلبه حاجةٌ أو مصلحةٌ تُعيد إليكِ سكينتكِ — كصلةِ ولدكِ، أو قضاء أمركِ، أو دواءٍ تحتاجينه — فهو إلى مقصود الشرع أقرب من تضييقٍ يُورثكِ العزلة والكآبة.

ولا يُظنّ أنّ هذا تجاوزٌ للنصّ، فالنصّ ذاته قرّره: فالنبيّ ﷺ قال لِفُرَيعة بنت مالك حين فقدت زوجها: «امكُثي في بيتكِ حتى يبلغ الكتابُ أجلَه» — أمرَ مُكثٍ يحفظ المعنى، لا حبسٍ يُلغي الحياة (أخرجه أبو داود والترمذي وقال «حسن صحيح»، وصحّحه ابن حبان والحاكم). ولذلك بوّب الإمام مسلم على حديث جابرٍ بقوله: «بابُ جواز خروج المعتدّة البائن والمتوفّى عنها زوجها في النهار لحاجتها»، حين خرجت المرأة تَجُدّ نخلها فنُهيت، فقال ﷺ: «بلى فجُدّي نخلكِ، فإنّكِ عسى أن تَصدّقي أو تفعلي معروفًا» (أخرجه مسلم).

ولهذا تدرّج العلماء في السعة: فجمهور المذاهب الأربعة على أنّ بيتكِ موطنُ مَبيتكِ، وتخرجين نهارًا لحاجتكِ ثم تعودين. ووسّع جماعةٌ من الصحابة — عليٌّ وابن عباس وعائشة وجابرٌ رضي الله عنهم — فلم يَرَوا لزوم بيتٍ بعينه، وإليه ذهب ابن حزمٍ في «المُحلّى». فأنتِ في الخروج لحاجتكِ على قولٍ مؤصَّلٍ راسخ، لا على رخصةٍ متكلَّفة.

ويزداد هذا تأكّدًا في الغُربة، حيث يكون الولدُ والبنتُ أقربَ سندٍ بعد فقد الزوج؛ فاستقراركِ النفسيّ مقصدٌ معتبر، و«المشقّةُ تجلب التيسير»، و«الضرورةُ تُقدَّر بقدرها». على أنّ الأصول لا تتبدّل بتبدّل الأمكنة، وإنما يتّسع تطبيقها برفع الحرج.

وعلى ضوء هذا التأصيل تنحلّ مفرداتُ سؤالكِ: فزيارتكِ ابنتَكِ نهارًا ثم عودتكِ للمبيت في بيتكِ موافقةٌ للمقصد، والمبيتُ عندها يكون عند الحاجة المعتبرة كوحشةٍ أو عجزٍ أو فقد المؤنس؛ والجلوسُ مع أهلكِ وأولادكِ في طعامٍ مباحٍ يدفع عنكِ الوحشة لا حرج فيه ما اجتنبتِ الزينة ومجالس الفرح؛ وأمّا سفرُ العمرة فالأَولى تأجيله إذ ليس على الفور وتحتمل مدّتُه؛ وزيارةُ المقبرة حاجةٌ نهاريةٌ يسيرة لا بأس بها بسكينةٍ وبلا تبرّج.

والضابط الجامع: أن تعيشي العدّة بروحها لا بصورتها فحسب؛ تلزمين الإحداد المشروع — اجتنابَ الزينة والطيب والتهيّؤ للخِطبة — وتجعلين بيتكِ موطن مَبيتكِ، وتخرجين نهارًا لما تحتاجينه وما يُؤنس قلبكِ ثم تعودين؛ بلا إفراطٍ يُذهب معنى العدّة، ولا تفريطٍ يُحيلها عزلةً لم يُردها الشرع. والله أعلم.


المصادر والتخريج:

  • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا...﴾ — سورة البقرة (٢٣٤).
  • حديث فُرَيعة بنت مالك «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»: أخرجه مالك في الموطّأ وأحمد وأبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤) وقال «حسن صحيح» والنسائي وابن ماجه (٢٠٣١)، وصحّحه الترمذي والذُّهْليّ وابن حبان والحاكم.
  • حديث جابر «بلى فجُدّي نخلكِ...»: أخرجه مسلم في صحيحه (١٤٨٣)، وبوّب عليه: «باب جواز خروج المعتدّة البائن والمتوفّى عنها زوجها في النهار لحاجتها».
  • قول ابن حزم في عدم لزوم بيتٍ بعينه: «المحلّى بالآثار» (كتاب العِدد).
شارك المقال