صيام عاشوراء إعلانٌ متجدد للتحرر
صيام عاشوراء إعلانٌ متجدد للتحرر من كل أسر
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 25 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك ربنا من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده، ربنا أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقِنا اللهم عذاب النار، واصرف عنا أسباب العذاب في الدنيا والآخرة برحمة منك ورضوان يا رب العالمين.
وبعد، حياكم الله. ما من أحد اليوم إلا يتحدث عن عاشوراء، وقد وعد النبي ﷺ أن صيامها يكفّر سنة ماضية، وهذا هو المتداول بين الناس. وهذا صحيح كما أخبر النبي ﷺ. لكن ما فلسفة الموقف؟ فالإنسان ينبغي ألّا يكون على غير قناعة بما يفعل، وإن كان في الفعل اتباعٌ للنبي ﷺ، والاتباع هداية، ونسأل الله أن ننال هذا الشرف. ولكن لماذا هذا؟ ولماذا حرص النبي ﷺ على هذه الكلمات حين قال ما معناه: نحن أولى بموسى منهم[1]؟
بماذا نحن أولى بموسى؟
أبالصيام في ذاته؟ لدينا فيه بدائل كثيرة جدًّا، والأمر لا يتوقف عند هذا اليوم. نحن أولى بموسى منهم، فما الذي فعله موسى؟ أصام موسى؟ أم صام قومه؟ أم فعل شيئًا آخر هو أولى بالتركيز؟ والصيام هو الشعار المجدِّد لما فعله موسى. لقد قالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه. فإذا اعتبرنا أن النجاة كانت من البحر، فلماذا كان المسير إلى البحر؟ وإذا اعتبرنا أن النجاة كانت من فرعون، كما قيل، فما المفهوم هنا؟ ما الذي كان يسعى له موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ لقد كان يسعى إلى مفهوم التحرّر من أثر ذلك المهيمن على نفوس الناس وقلوبهم وعقولهم وأرواحهم.
التحرر في القرآن
ومفهوم التحرر في القرآن الكريم شائع من أوله إلى آخره. فمن لحظة أن تقول «الحمد لله» تتحرر من أسر النفس التي تشكو دائمًا من كل شيء يحدث لها. وهذه طبيعة بني آدم؛ ففي مصر نقول: «بيتوجّع»، فما معنى أنه يتوجّع؟ يشتكي من أي شيء: كثرة الحرارة يتوجّع، قلة الحرارة يتوجّع، سبحان الله، كثر المال يتوجّع، قلّ المال يتوجّع. فما دلالة هذا؟ أن النفس تشتاق، فإذا اشتاقت حقّقت، فإذا حقّقت أكثرت، فإذا أكثرت مَلّت، فإذا مَلّت اشتكت. وكون المسلم في ذاته هو الكائن الوحيد الذي يحمد الله تبارك وتعالى سبع عشرة مرة في اليوم، فهو يعلن لله أنه متحرر من قيد النفس التي تشتكي.
وننتقل إلى مستوى آخر من التحرر هو الذي يشمله الصيام. فما دلالة الصيام؟ أنك تختار طوعًا أن تمتنع عمّا أحلّ الله لك لتحرّر نفسك من قيد الاحتياج، وهناك قيد آخر أشدّ، وهو قيد الرغبة. تعرفون الناس الذين يأكلون من غير أن يكونوا جائعين؟ يأكل لأن الأكل «جاء على باله». وهذه العبارة في ذاتها، «جاء على بالي» و«لم يأتِ على بالي»، تعبّر عن رغبة للنفس، والمسلم قادر على التحكم فيها، على فتح الباب لها أو إغلاقه. ولذلك ترى أن الله تبارك وتعالى رتّب على الصيام في ذاته التقوى، والتقوى هي الغاية الأتمّ من التعبّديات كلها. فصيام هذا اليوم إعلانٌ متجدد من المجتمع المسلم، في كل زمان ومكان، أنه يريد أن يتحرر.
أي سجن؟
والإشكالية الحاصلة أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى التحرر على أنه تحرر من السجون، أو من السجن الذي حصر فيه فرعون أولئك الناس. فما نوع هذا السجن؟ لقد كانوا في الشارع، كانوا في الحياة، في الأزقّة والميادين. لكنه سخّرهم؛ سخّرهم بلقمة العيش، وبالرواتب المحدّدة، وبتحديد أنماط الحياة التي يعيشونها ولا يرتقون فوقها. سخّر إرادتهم وعقولهم ورغباتهم، بوضع قوانين من رأسه وعلى مزاجه، وبأن يراهم في المواطن التي يريد أن يراهم فيها ويمنعهم عن المواطن التي لا يريد أن يراهم فيها. هذا التسخير هو الذي جاء موسى عليه السلام وأخوه هارون لتحرير قومهما منه، بطلب أن يُرسَل معهما بنو إسرائيل[2]. والإرسال لفظ عبّر به القرآن الكريم، والإرسال هو إطلاق الشيء من قيده بدون ذكر الأسباب. والمطلوب لكل إنسان أن يكون حرًّا من قيد الحياة.
نحن سخَّرنا أنفسنا
وللأسف الشديد، نحن سخّرنا أنفسنا لأولئك الناس بأنفسنا، عندما ملّكناهم منّا رغباتنا. تخيّلوا بمنتهى البساطة، وسامحوني على المثال المضروب: بطاقة الائتمان التي في جيب حضرتك هي من أكبر أنواع الأسر؛ أن ترغب فتمرّر البطاقة وتمشي، فإذا بك مغلولٌ لأنك اشتريت ما لا تحتاج. ومن وقع تحت طائلة ما لا يحتاج وقع في الأسر، أسر الذي يلاحق تاريخك الائتماني، ويلاحقك بالشركات التي تجمع الديون من الناس. وهذا مجرد مثال.
وكذلك أن تدخل أي متجر بقالة أو مكانًا كبيرًا، وترى فنيات عرض البضائع، فتأخذ هذا وتضع هذا؛ فتقع في أسر ما تقع عليه عينك.
الخلاصة العملية
نخلص في القول: صيام هذا اليوم المبارك تعبّد لله في أول الأمر وآخره، وهو إعلان البراءة من العبودية بأي شكل من أشكالها أو أي نوع من أنواعها. فلا عبودية من امرأة لرجل، ولا عبودية من رجل لزوجته، ولا عبودية لأولاد تحت يديك، ولا عبودية لمن تعمل لديهم؛ إنما أنت حرٌّ، فعِش الحرية التي أرادها لك رب العالمين سبحانه وتعالى. فإن كان ثَمّة إحسان من رجل لأهل بيته فهو إحسان إنسان، إنما هو فضل وكرم. وإن كانت ثَمّة خدمة من امرأة لعيالها فإنما هي أمومة ومروءة وإحسان وفضل. وإن كانت ثَمّة خدمة من موظف في عمله فإنما هو تحمّل للعمل واستشعار للمسؤولية. تحوّل المفاهيم في أذهاننا هو الذي يجعلنا نعيش أحرارًا أو عبيدًا، نعيش على قدر المسؤولية أو نعيش تحتها.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل صيام هذا اليوم بركة لنا لا علينا، وأن يجعله في موازين حسناتنا، وأن يرزقنا منه الغاية التي نشدها لنا رسول الله ﷺ. سلّم الله لكم يومكم.
--- [1]: توثيق المحرر: أصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صيام عاشوراء، بألفاظ متقاربة (منها «فأنا أحق بموسى منكم»، و«نحن أحق وأولى بموسى منهم»)، ولفظ المتحدث منقول بالمعنى. وفضل صيامه في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله». [2]: توثيق المحرر: قال المتحدث «أن أرسل معي بني إسرائيل» دون تحديد السورة؛ ونظيرها في القرآن: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء، الآية ١٧)، ومثله في الأعراف (الآية ١٠٥) وطه (الآية ٤٧) بصيغ تختلف قليلًا؛ فنُقل المعنى هنا ولم تُثبت الآية بلفظ لم يُنطق به.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.