A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

العقد كلمة وعقلية، لا ورقة وتوقيع

العقد كلمةٌ وعقلية، لا ورقةٌ وتوقيع: الوفاء بالعهود ومنها العهد مع الله

Dr. Ahmed Abouseif•١٩ أكتوبر ٢٠٢٥•5 min de lectura
المناسبة: خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 19 أكتوبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

افتتح الدكتور خاطرته بدعاءٍ أن ييسّر الله أمورنا ويهدينا سبلنا ويثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال:

مبدأ آدمي مشترك

افتتاحية سورة المائدة أمرٌ ملفت للنظر عندي؛ فربّ العزة سبحانه يفتتحها بمبدأ آدمي مشترك بين الناس جميعًا يجب الالتزام به على كافة المستويات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. وللأسف الشديد، فإن انحصار الناس في مفهوم العقود في الإجراءات المالية الموقَّع عليها ورقيًّا مسألةٌ تحتاج إلى إعادة نظر.

العقد كلمةٌ قبل أن يكون ورقة

فعندنا عقد الزواج، ولم يكن يُوقَّع عليه سلفًا في وقت النبي ﷺ؛ لم تكن هناك عريضة ولا محكمة ولا شهود يوقّعون على الأوراق ولا إجراءات ثبوتية من حيث الهوية وغيرها، وإنما كانت كلمة، ورخّص فيها الفقهاء في جملة الإيجاب والقبول: «زوّجتك»، «قبلت»، وانتهت المسألة. هذا العقد الذي انبنى على هذه الكلمة، وأمثاله من العقود الأخرى: بعتُ واشتريت، وظّفتك فتوظّفتُ.

هذه عقودٌ حسّيّة تجري في المعاملات الدنيوية بين الناس، يترتب عليها أرقام ذاهبة وآتية ومنافع دنيوية. لكن الأمر في حياتنا أوسع من ذلك، حين ترى قول ربّ العالمين سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.[1] وسأل: ما الرابط؟ ما الرابط بين ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ثم ترى مباشرةً ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾؟ ما العلاقة؟ ترى أمام نفسك فتَسرَح بخيالك في كل ما يحتمل أن يكون من مضامين العقود، سواء كانت العقود فيما هو إجرائي أو فيما هو معنوي.

العقد بيننا وبين الله

ثم سأل: أين العقد الذي بيننا وبين الله سبحانه؟ ما دلالته؟ وما نصّه؟ وما يترتب عليه من ألفاظ؟ فترى أن «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» بمثابة العقد الذي توقّع عليه أنت مع ربّ العالمين سبحانه، بأني سلّمتُ نفسي إليك يا ربّ العالمين بهذا التفويض.

وقال إننا متفقون جدًّا، وقد كررنا هذا الكلام كثيرًا، على أن أي موظف يلتحق بأي شركة يوقّع على العقد، وأحيانًا يكون فيه شرط أن عليك تفادي أي تعارض مع شركات أخرى، وأن لا تعمل شيئًا يتعارض مع مصلحة المؤسسة التي تعمل فيها. فإذا قلتُ لله تبارك وتعالى: قد سلّمتُ نفسي إليك، فليس في حياتي ما يحتمل مجرد الاحتمال أن أفعله في حياتي مما يتعارض مع أصل التشريع الرباني. هذه هي القاعدة، والفكرة قائمة على بناء العقلية عندنا، أي بناء عقلية التسليم لله سبحانه وتعالى.

بناء العقلية: صلة الرحم مثالًا

وقال إنه كان يفكر بالأمس في الخطاب الدعوي التقليدي الذي يقول للناس: «صِلوا الأرحام» وهكذا، والفرق بينه وبين الخطاب المؤصِّل لعقلية يبنيها النبي ﷺ. فهو يؤصّل عقلية الواصل، فيقول على سبيل المثال ما معناه أن من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه.[2] فهل هذه الجملة محض بشارةٍ ببركة الرزق والعمر، أم أنها تتعامل مع عقلية تبحث عن المنفعة، فيتعامل معها من هذا المنطلق؟

ثم جاء قوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». نفس المطلوب، نفس المضمون، لكن الدخول إلى هذا المطلوب كان بمنطق آخر؛ يتعامل مع أهل الإيمان الذين يتعاملون مباشرةً مع الله، لا يؤمّلون ولا يفكرون، وعقولهم غير مرتبطة بأي تأثير دنيوي. وبناءً عليه جاءت الكلمة المباشرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» فليصل رحمه، فليقل خيرًا أو ليصمت.

وكذلك حين يؤصّل النبي ﷺ لمفهوم أن الرحم تأتي يوم القيامة، وأن ربّ العالمين سبحانه يطمئنها بأنه سينصفها في ذلك اليوم،[3] فمع أي عقلية يتعامل رسول الله ﷺ؟ مع عقلية المتخوِّف من عواقب الأفعال. فعندي من يخاف، وعندي من يرجو، وعندي من يحسبها، وعندي شخص كذا… وهكذا. فترى أن النصوص النبوية، انطلاقًا من التعليم القرآني أيضًا، تتعامل مع عقلية الإنسان وتشكّلها.

الوفاء بالعقد مبدأ تشريعي لا مصلحة دنيوية

فحين يقول لي ربّ العالمين سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فالوفاء بالعقود مصلحة دنيوية تترتب عليها منافع دنيوية، متفقون. ثم يأتي الأمر الإلهي ليجعله مبدأً تشريعيًّا.

ومثّل لذلك: عندي التزام بالعقد ما دام قد ترتبت عليه مصلحة. اتفقنا أن أورّد لك المنتج الفلاني بالمبلغ الفلاني، وأجرينا هذا الاتفاق. ثم ارتفع السعر في السوق كله وأنا ملتزم باتفاقية أن أورّد لك، فأقول لك: والله فلان يعرض عليّ كذا. فتقول لي: هذا التزام، وأنا التزمتُ وبنيتُ مصالحي كلها على هذا. فأقول: لا، هذا الكلام لا يلزمني، لأن المصلحة ستقلّ. أما المبدأ القرآني فلا ينبغي أن يكون كذلك.

وقال إنه يكفيه أن يقول إن الله ليس فقط يعطيك أمرًا تكليفيًّا، وإنما يؤصّل لعقلية بناء هذا العمل في حياتك، أن تكون في عقلك لا تتخلف عنه ولا تتراجع، باختياراتك الشخصية، وليس بالشعور برقابة القانون ولا بسلطة القاضي الذي سيضرب في الوقت المناسب. ليس هناك شرطي ولا ضابط يقف على جزئيات الحياة التي نسير فيها ليقول لك: تعالَ، سأقبض عليك. لا، بل الضمير والوازع الداخلي في نفوسنا هو الذي يضبط حركة الحياة.

عهود لا تُكتب

ثم أعاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ العقود التي اتفقنا عليها ضمنيًّا ومعنويًّا مع الجيران حين تجاورنا، والعقود التي اتفقنا عليها مع أرباب العمل الذين نعمل معهم، والعقود التي اتفقنا عليها مع زوجاتنا في بيوتنا، أو الأزواج من قِبل النساء. والعقود التي اتفقنا عليها ليس فقط ونحن نبيع ونشتري، وإنما عهد الصداقة الذي أنشأتَه مع رجلٍ ائتمنك على لقمته في بيته، وأدخلك داره، وتحدّث إليك براحة، وأفشى إليك أسراره، وتحدّث معك ببساطة كأنك نفسُه أو روحُه أو أخوه الذي يتحدث إليه. هذا عقد.

والنبي ﷺ يؤصّل لعقلية تحترم الاتفاقات، سواء كانت حسّية أو معنوية. والله تبارك وتعالى أعلم.

--- [1]: توثيق المحرر: المائدة 1. وفي التفريغ «وحلت لكم»، وأُثبتت «أُحِلَّتْ» على وجه الآية. [2]: توثيق المحرر: نقل المتحدث الحديث الأول بالمعنى، ولفظه في الصحيحين: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». وحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» في صحيح البخاري ضمن حديث «فليقل خيرًا أو ليصمت». [3]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث أن الله يقسم للرحم أنه سينصفها، ولم يُتحقق من هذا اللفظ؛ والثابت في الصحيحين أن الرحم قامت فتعوّذت بالله من القطيعة، فقال لها: «نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك»، فقالت: بلى. فصيغ المتن بالمعنى المتحقَّق.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque