أسباب التمكين في سورة الأنفال
سؤالٌ عن الغنائم يردّه القرآن إلى الرزق والإيمان والاصطفاء
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في دار الحديث بأمريكا بتاريخ ١١ أغسطس ٢٠٢٤مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
قدّم مضيف اللقاء بأن الأمة ما أحوجها اليوم إلى التمكين، وأن التمكين وعدُ الله تبارك وتعالى للإسلام والمسلمين في كتابه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[14]. فالتمكين وعدٌ قائم لهذه الأمة، وكلُّ ما نحتاجه أن نحقّق أسبابه ونأخذ بها ليسوق الله لنا هذا التمكين. ثم تفضّل الدكتور أحمد فبدأ حديثه.
شكرٌ لدار الحديث
أبدأ حديثي بالشكر لأخي الدكتور عبد الحميد، غير أني لا أريد أن نتبادل الثناء، فالقلوب تحوي من الحب ما لا تستطيع العبارة أن تنقله، فاللهم لك الحمد على هذه المحبة، وأسأل الله أن نُحشر في ظلّ من أحبّوا في الله وفي سبيله. وأمرٌ آخر: دار الحديث بالنسبة لنا جميعًا حلمٌ كبير منذ زمن طويل، ونحن إذ نأتي إلى مقرّها نشكر الله أن مكّننا. وأعلم أن هذه مرحلة جزئية في سلسلة طموحات أخي الدكتور عبد الحميد، لكنها بإذن الله ستتبعها خيراتٌ وفضائل.
لماذا هذا الموضوع؟
لماذا اخترنا هذا العنوان في هذه الليلة المباركة؟ الجواب بسيط جدًّا. حين يلمّ بالأمة ما يلمّ، وتعتري أحوالَ الخليقة هذه الأحداث التي تعلمون أبعادها، نسأل أنفسنا: أنحن أمةٌ مستضعفة إلى هذا الحد الذي تقع لنا فيه كل هذه الأحداث دون ردود أفعال تناسب المواقف؟ أم أننا على درجة من القوة لكنها خفيّة؟ أم أننا نستطيع شيئًا، لكنّ الإيمان قد تبدّل والنفوس قد تحوّلت، فلا يكون هناك ردّ؟ ونريد أن نعود إلى القرآن الكريم لنجد فيه إجابات عن كل ما يعتري أذهاننا من الأسئلة.
وأقول إن كل سؤال يكون على قدر إدراك السائل. الذي يسأل عن حقيقة الكمبيوتر يعلم أن هناك شيئًا اسمه الكمبيوتر، والذي يسأل عن حقيقة الفضاء يدرك أبعاد الفضاء وما فيه. أما الجاهل بالشيء فلا يسأل عنه، لأنه ليست لديه معلومة أصلًا.
فلماذا سورة الأنفال تحديدًا؟ لأنها تجمع الخير من وجهين: الأول أنها نزلت على أعقاب حادثة حقيقية، وأرادت لنا معالجةً لمنطقٍ واقعي. والثاني أن فيها مجموعة من الإرشادات التي لو تمسّكت بها الأمة لصارت في شأنٍ أحسن وأفضل وأميز مما هي فيه.
ملابسات النزول
فما الملابسات التي نزلت فيها سورة الأنفال؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. والأنفال هي الغنائم التي أُخذت بشكل بسيط؛ لم تُسلب سلبًا من كل واحد، وإنما تُركت وراء العدو حين انصرف، فجُمعت جمعًا. فأخذ بعض أصحاب النبي ﷺ يتساءلون: لمن سيكون توزيع هذه المقدَّرات الداخلة إلى الأمة في ذلك التوقيت؟ فإذا برب العالمين سبحانه يعقّب على السؤال.
«يَسْأَلُونَكَ»: هل نحن محلُّ اعتبار؟
قبل أن نستكمل أتوقف عند كلمة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. هذا السؤال صادر عن مَن؟ عن رب العزة سبحانه، ولمن؟ للنبي محمد ﷺ. ولأقرّب لكم المعنى: لو سألتُ الدكتور عبد الحميد الآن: لماذا ضيوفك جلوسٌ في الخلف؟ فإني بدايةً قد اعتبرتُ وجود هؤلاء الضيوف، ثم تساءلت عن حالهم: إما أن نقدّم لهم شيئًا يعينهم على أن يكونوا في الأمام، وإما أن ثمة مانعًا حال بينهم وبين مزيد من التقدّم. فحين يسأل ربُّ العالمين ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ فهناك اعتبارٌ لذات المسؤول عنهم، وهم أهل الإيمان. فهل نحن محلُّ اعتبار لدى رب العزة أصلًا، كما كان أصحاب النبي ﷺ محلَّ اعتبار السماء لأهل الأرض؟ أم أننا لسنا في هذه المرحلة؟
إذا اتفقنا أن الله عز وجل يحفظ لجميع خلقه حقوقهم وكيانهم، لكل الخلق، حتى الكافر يحتفظ بكيانه بين يدي رب العالمين، فإن العنصر الوحيد الذي لا يستحق أن يُسأل عنه هو من فرّط في حقه اختيارًا. هذا شخص «هامل» كما يقولون، أهمل حقّه وأُنزل وأُسقط من منزلته حتى صار ليس محلَّ اهتمام لا من السماء ولا من الأرض، نسأل الله العافية والسلامة. فالأمة المسلمة حين يُقال لها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ ينبغي أن نعتبر لهذه الجملة قبل أن نلج إلى ما بعدها.
صدمة المقدمة بعد بدر
نزلت السورة بعد انتصارات بدر، والطبيعي بعد الانتصار أن تحصل الاحتفالات والإشادة والتمجيد لمن خاضوا المعارك وتجاوزوا كذا وكذا. لكن السورة فاجأت بمقدمة عجيبة، فيما يبدو غير مألوفة في القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾. وإنك لتراها حين تقرؤها في هذا السياق صدمةً للمجتمع المسلم أن يأتيهم القرآن بهذه الصياغة، فيقول رب العالمين: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
والجواب ليس فيه إشباعٌ لغريزة. تخيّل إنسانًا يعرف كل المعلومات عن الموضوع ولا يزال يسأل: لماذا تسأل؟ هناك غريزة في داخل الإنسان هي حبّ الاستطلاع لمزيد من المعلومات عن الأشياء. فلو كان السؤال معتبرًا وفي محله لأُجيب عنه، أما إذا صدر السؤال في غير محله، أو لا ينبغي أن يصدر من مثل هذا السائل، فلا اعتبار للسؤال ولا للجواب عنه، وإنما يأتي التوجيه. فيأتيك مثلًا طالبٌ يجلس على كرسي الدراسة يذاكر درسه، ثم يسألك: يا أبي، متى ستشتري لي ملابس العيد القادم، أو بعد سنتين؟ فتقول له: يا ابني ذاكر وربنا يحلّها، ده مش موضوعنا دلوقتي. كأنه قد شرد بذهنه عن أصل ما ينبغي أن يفكر فيه، وانطلق بمساحة عقله الفارغة إلى موضوع آخر.
فإذا برب العزة يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾، فما الجواب؟ لمن ستُعطى؟ ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. كأنها ليست محلَّ سؤال عندكم، أو لا ينبغي أن تكون.
تحديد الوجهة
وهنا نسأل أنفسنا: ما المسؤول عنه في هذه المرحلة؟ أنفال. وما معنى الأنفال؟ دنيا، مالٌ أيًّا كان، لكنه عَرَضٌ من الدنيا، قليلٌ أو كثير، يُسأل عنه. وإذا برب العالمين يوجّهنا إلى أصل صياغة التوجّه، لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يصل إلى مكان إلا إذا حدّد وجهته إليه. فإذا استقامت الوجهة وصحّت الخطى بلغ الإنسان مراده ولو بعد حين. وإذا أخطأ الإنسان في تحديد وجهته فهو إما من الضالين، حتى يبلغ مقصد المغضوب عليهم والعياذ بالله؛ فهناك مرحلة الضلال التي هي التيه، انعدام البوصلة وانعدام الاتجاه.
فكأني برب العزة سبحانه من بداية القصة، من بداية السورة، من بداية الحديث عن أسباب النصر والتمكين، يوجّه أذهان هؤلاء السائلين إلى أنكم تبحثون في المنطقة الخطأ، وإنما ينبغي أن ننظر إلى الأهداف. فما الأهداف التي لدينا في حياتنا الإيمانية؟ يقول رب العالمين: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وهذا هو المقصد الأتمّ في حياة كل إنسان عرف لنفسه ربًّا، وعرف لنفسه قائدًا في حياته هو رسول الله ﷺ. ولذلك جاء الجواب متطابقًا مع ما ينبغي أن يكون من توجيه: هؤلاء الذين تساءلوا في أنفسهم: أين هذه الأنفال؟ أين هذه الغنائم؟ أين هذه الأموال؟ يقول لهم الله: إن محلَّ الاعتبار لا ينبغي أن يكون في هذه الجهة، وإنما فيما بين يدي رب العزة: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
مالٌ محفوظ عند الله
تأمّل: حين تكون أموالك محفوظة في بنك مُحكَم الإغلاق، يُحسن تصريفَها بالقدر الذي يفيد، أتُثقل على نفسك بالسؤال عنها ولو لحين؟ أم أنك آمنٌ مطمئن تعلم أن من ورائك من يُحسن التدبير والصياغة لهذه الأموال، وأن لديه القدرة على إعادتها إليك في الوقت المناسب بالقدر الذي يناسب حالك في ذلك التوقيت؟ اتفقنا؟ حسنًا، فإذا وُضعت الأنفال بيد الله ورسوله ﷺ: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فهل يظن أحدٌ أن أمواله ستضيع ولو بعد حين؟ أم أنها محفوظة بيد رب العزة؟ وما الذي سيفعله الله بأموالنا وأنفالنا ومقدَّراتنا؟ سوف يزيدها سبحانه.
والأموال التي نتساءل عنها الآن، حفظكم الله وسلّمكم، إما أنها بين أيدينا، وإما أنها مقدَّراتٌ لم تبلغ أيدينا بعد، كرزقٍ قدّره الله لنا لكنه لم يصل إليّ. وأضرب لك مثالًا من حاجة مشهورة في أمريكا: حسابات الدراسة للطلاب، يكون عندك ابنك فتفتح له حسابًا مخصوصًا للدراسة الجامعية. فلو قلنا مثلًا «عبد الله»، والده حفظ الله الوالد والولد، قدّر له أبوه أن يدّخر له مبلغًا، حتى إذا بلغ مرحلة الجامعة وجد ما يُنفَق عليه ولم نكن في همّ كبير، هو همُّ الجامعات هنا. فهل يُسمّى هذا رزقًا؟ نعم يسمى رزقًا. هل هو قُدِّر لعبد الله أم لم يُقدَّر؟ قُدِّر له. هل بلغ يدَ عبد الله؟ لم يبلغ بعد. متى سيبلغه؟ عندما يصل عبد الله إلى موطن الاحتياج إلى هذا المال، فيكون المال موفورًا لمثل هذا الإنسان.
ونقول إن الله تبارك وتعالى قد قدّر لكل واحد منا في خزائنه عز وجل التي لا تنفد ما أعدّ لنا من الخير الكثير جدًّا، الوفير جدًّا. أعدّ الله لنا خيرًا كثيرًا، ولكن ربما بلغ أيدينا أو لم يبلغ أيدينا بعد، والحساب بيد الله سبحانه.
أتعلّم الدروس ولم أشهد بدرًا
فإذا قال رب العزة ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فإني أعتبر الآن أن ثمة رزقًا في الحياة العامة. أنا أتعلّم الدروس؛ لم أكن هناك في غزوة بدر ولم أشهد مرحلة الأنفال، لكن ربي أتى لي بالقصة ليكرّرها على مسامع المتلقّين لها ليتعلموا من خلالها منظومة الدروس العامة والخاصة. والشاهد أن رب العزة سبحانه أعلمنا وربّانا على أن لنا بين يديه رزقًا عظيمًا جدًّا، لا ينبغي أن نتعجّل لتحصيله. وذلك مضمون حديث النبي ﷺ حين قال: «إن روح القدس قد نفث في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»[1]. ويعلّمنا النبي ﷺ ألا نطلب رزق الله بمعصية الله، وإنما نطلب رزق الله بطاعة الله.
فما السبيل إلى رزق الله تبارك وتعالى؟ الطاعة. وقد تكون هذه الطاعة متمثلة في سعيٍ وعمل وكدّ، لكن ينقص هذا السعيَ وهذا العمل وهذا الكدّ الجانبُ الروحي أو النفسي، فيسقط العبد من صلته ما يحول بينه وبين استكمال الرزق. ترى مثلًا كثيرًا من الناس: اثنان فتحا نفس الشغلة أو الصنعة، أو نفس المحلات بنفس الماركات، الاثنان جنبًا إلى جنب، فتجد، سبحان الله القدير، الناس تدخل على هذا المكان ولا تدخل على المكان الآخر؛ نفس الإعلانات، نفس المواد، نفس المقاسات، وأيًّا كان. لكن سبحان من يجعل قلوب الناس تهوي إلى موطن وتنصرف عن آخر! فتقول: ما السبب؟ لا أريد أن أبحث في السبب، ولكني أستحضر المشهد لأدرك من خلاله أن الله تبارك وتعالى يسوق الأرزاق بما يعلم من أحوال عباده.
وقد علّمنا ربُّ العالمين أن هناك منظومة لاستكمال هذه الأرزاق، هي السعي الصحيح، والنية السليمة، والقصد الطيب، والاجتهاد والدأب إلى آخره. فنحن أمام أنفالٍ قدّرها رب العالمين لكل إنسان منا، ورزقٍ حفظه الله لكل مخلوق لا ينقص بأي حال من الأحوال، لكن الإنسان قد لا يبلغه إلا في آخر أمره أو أجله. فما بين يدي الله محفوظ، وما بين أيدينا مطلوب، فوجب علينا أن نؤدّي المطلوب لنحصل على المضمون عند رب العزة.
اليقين في الرزق أساسٌ تقوم عليه الأمة
ربما يقول إخواننا وأخواتنا الحضور معنا على هذا الزووم، بارك الله فيهم، إن هذه مقدمة طويلة. لكنها أصيلة، لأن الأمة لا تنطلق إلا بعد إرساء القواعد الأساسية للحياة. ومن أهم ما أقعد الأمة عن كثير من إنجازاتها قضيةُ الاعتقاد، قضية اليقين، وأكثر ما أورث الناس… وهنا قضيةُ الاعتقاد في الرزق. قضية الرزق جعلت بعض المنتسبين إلى «لا إله إلا الله» يسرقون، أو يزوّرون، أو يشهدون الزور، أو يحتالون. فتسأل: أليس مسلمًا؟ فيقول: بلى، أنا مسلم، ولكن قضية الرزق قد شوّشت عليّ إيماني. فترى الكذّاب، والمرتشي، والمرابي، إلى آخره.
فإذا استقامت الأمة في فهم قضية الأرزاق، التي تشمل حياة العبد طولًا وعرضًا، ومن جملتها رزق العافية... تقول: كيف رزق العافية مضمون من الله سبحانه؟ فأقول: رجلٌ حصّل ألفًا واحدًا فقط وعافيته مستقيمة، ويحمل همَّ كيف ينفق في الشهر القادم أو في الأسبوع التالي؛ هل يستوي هذا الإنسان في همّه القليل البسيط مع رجلٍ حصّل بدل هذا الألف «ألف مليون»، لكنه قعيدُ الفراش طريحُه، أو قعيدٌ في كرسيه لا يستطيع أن يتحرك، ويبحث في الدنيا كلها عن أسباب طبية تعيد إليه قدرته على القيام أو نهضته من هذا الفراش؟ أيهما أغنى؟ وأيهما أوفى رزقًا؟ صاحب الأرقام الكبيرة جدًّا، أم صاحب الرقم القليل مع العافية الكثيرة؟ وهناك رجلٌ يُحسن التحدث إلى الخلق وإقناعهم، لكن رزقه في الولد قليل. أهذا أحسن، أم من عنده أولادٌ كثيرون لكنه لا يحسن التواصل مع الناس لعجز لسانه عن إبلاغ مراده؟ هناك قواعد للرزق وقوائم كثيرة جدًّا تفرض علينا مفهومَ اليقين بأن الله عز وجل وفّى لكل واحد منا حظّه الكامل الأتمّ في قضية الرزق.
فإذا استقامت هذه المسألة فلن تجد غشًّا ولا تزويرًا ولا انتقاصًا لحقوق الخلق ولا ظلمًا بين الناس ولا بغضاء ولا شحناء، ولن تجد أمراضًا من أخطر الأمراض في عالم الحياة، تنخر في الأساس. هناك أحيانًا آفةٌ تأتي على النافذة فنُصلح ما أصابها، لكن هناك نوعٌ من السوس يمشي في خشب البيوت، اسمه إيه البتاعة دي يا حاج؟ «الترمايت». أيهما أخطر: أن ينهدم جدارٌ بأكمله أمام عينيك وتُدرك ذلك، أم أن تكتشف أن هذه السوسة تجري في أنحاء البيت؟ السوسة أخطر، لأن البنيان حين يقع (…) وخلصنا، أما هذه فتنخر من الداخل. والشاهد أنك إذا أردت أن تقيم أمةً بأكملها فينبغي أن تكون أسس قيامها خاليةً من الأمراض الأخطر، وهي سوسُ القلوب والنخرُ في قضية الاعتقاد. فإذا استقامت قضية الرزق والإيمان بالله تبارك وتعالى، والحرص على كمال الإيمان وتمامه، والحرص على أسباب زيادته، إذا استقامت هذه المقدمات استطعنا أن نقول: إن الأمة الآن مستعدة لأن تنهض وتقوم.
ومن ثم رأينا حكّامًا كثيرين يجوّعون شعوبهم حتى تفشّى بين هؤلاء الناس السرقة والكذب والغش والاحتيال، بل إن الأمر يتطور إلى حرص الفقير على تحصيل ما يستطيعه من ذلك الغني، ويرى عدم استحقاقه لما بين يديه، فيتناول بالحرام وبغير الحرام. بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى ارتكاب الجرائم والفواحش التي لا نستطيع وصفها إلا بما وصفها الله من أنها زنا، والعياذ بالله، إلى آخر ذلك. بل ترى بعض الناس يخرج عن إطار التحمّل أصلًا، فينطلق إلى المخدرات وما يدمنه الناس في حياتهم، فينهار المجتمع كله. بسبب ماذا؟ بسبب هذه الجزئية، قضية الاعتقاد في الرزق أو عدم اكتمال تصوّرها في أذهان المتّبعين لهذا الدين.
فجاءت المقدمة مناسبة لأمرين؛ الأمر الأول اعتبارُ الكيان الإنساني: هل أنا موجود أصلًا، محلُّ سؤال الله عني، أم لست موجودًا؟ فإن كنت موجودًا في عداد الأمة فأنا محلُّ السؤال، وأنا محلُّ التصويب الإلهي لخطواتي، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة؛ لأنني إذا أخطأتُ الخطى وجاء التقويم، واستجاب الذي يخطو هذه الخطوات، فإن الإصلاح قريب وعاجل بإذن رب العزة سبحانه. فرأينا قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
الخير الباقي في الأمة
والشاهد أن الله تبارك وتعالى حين يعرض هذه المقدمة أتساءل: لماذا يتساءل رب العزة سبحانه؟ وقلنا إن السؤال لفتٌ لأنظار الناس: هل نحن محلُّ اعتبار سؤال الله أم لا؟ فهل الأمة التي نراها أمام أعيننا الآن محلُّ اعتبار سؤال رب العالمين؟ هنا جاء في التفريغ اعتراضٌ بنحو: «لا، ما تعملش كده، ده الخير كتير جدًّا أكثر مما تتخيل»[24]، ثم عُدَّ ما في الأمة من خير. أن تجد محاضرة تُستفتح بالدعاء للمغلوبين أو المظلومين فهذا في حد ذاته إنجاز. أن ترى كل المساجد الآن تقريبًا تستفتح صلواتها أو تختمها بدعاء وقنوت، فهذه نقطة إيجابية في حياة الأمة. أن ترى هذا العدد المتكاثر وهذه الكثافة في المساجد في أمريكا على سبيل المثال، وهذا التوافد على المساجد في صلوات التراويح، فهذا إنجاز عظيم. أن ترى هذا الخروج، من مسلم وغير مسلم، في الشوارع اعتراضًا على هذا الظلم الموجود، فهذا في حد ذاته إنجاز. فهناك خير كثير جدًّا في نفوس الناس، يلتمس فقط من يعينه على الخروج بشكل إيجابي بحيث يصل إلى أهدافه المشروعة. ونسأل الله بلوغ الغاية، اللهم آمين.
«فَاتَّقُوا اللَّهَ»: تقوى الفرد وتقوى المجتمع
ثم بدأت الآيات تعرض علينا وصفًا لقضية أخرى، هي قضية صفات أهل الإيمان. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ثم كأنه يقول: هذا ليس موضوعك أصلًا، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. فما محلُّ العناية عند المسلم بدايةً؟ تقوى الله سبحانه.
وتقوى الله، هل جاءت بصيغة الفرد كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾[15]، أم جاءت بصيغة الجمع: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؟ وهل هناك تقوى فردية وتقوى جماعية؟ لنقِس الأمر على مسألة التوبة: هل التوبة على سبيل الفرد أم على سبيل المجتمع؟ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾[2]، وقال أحد الحضور: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾[3]، ولم يجزم المحاضر بموضعها. والشاهد أن ثمة توبةً فردية وتوبةَ مجتمع، وأن هناك تقوى على المستوى الفردي وتقوى على مستوى المجتمع.
فالمجتمع الذي يضيّق على فتاة حتى تزني، أو على شاب حتى يرتكب الفاحشة، مجتمعٌ ظالمٌ في ذاته. تقول لي: كيف؟ بمنتهى البساطة، نحن لا نتكلم في السياسة الآن، نتكلم عن ناس يغالون جدًّا في المهور، فلا يستطيع الولد أن يبلغ مبلغ الزواج وإن اجتهد، ومن أين يأتي بما يطلبون وأهله بسطاء؟ فإذا انفلت عقاله فالذنب على المجتمع الذي غالى في المهور كائنٌ قبل الذنب على المرتكب للذنب نفسه. اتفقنا في هذه المقدمة أم لا؟ فهناك توبة مجتمع، وهناك تقوى مجتمع، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
«وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ»
ثم ما معلم التقوى الموجود الآن؟ ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. هل تتصور أن ثمة خرابًا قلبيًّا حصل بين أهل بدر، بين أهل الإيمان في ذلك التوقيت؟ أنا أتساءل فقط، والله ليس عندي جواب: هل يحتمل أن يكون هناك فسادٌ في القلوب أو فساد ذات بين أهل بدر؟ ثم جاء في التفريغ، بعد قوله «يا دكتورنا أستاذ الحديث» (ولا يتبيّن أقاله المحاضر أم المضيف): كان النبي ﷺ دائمًا يستشفع للناس بأنهم من أهل بدر، يقول: «دعوه فإنه قد حضر بدرًا»، كما حصل مع حاطب مثلًا، رضي الله عنه وغيره[4]. وسيدنا النعيمان[5]: المقالب التي عملها كلها في الصحابة وفي النبي نفسه ﷺ، «دعوه فإنه قد حضر بدرًا». الله أكبر!
فالشاهد أنه من الجهة النظرية ليس هناك اعتبار لموطن النصيحة في هذا التوقيت. لكن إذا ذكرها رب العالمين فلا بدّ أن نبحث نحن عن موطن الاعتبار؛ لا أن نقول: ما فيش اعتبار هنا، ربنا قالها، إذن نحن العاجزون! فما المحل؟ المحل أن نشوء الفتن المحتملة التي تفصل ذات البين إنما يتأتى من البحث عن المال (والكلمة مشوّشة في التفريغ، والسياق يرجّح المال). تخيّل أننا قاعدون الآن أصحابًا وأصدقاء، بيننا عيش وملح وأكل وشرب ولقمة مشتركة وثياب مشتركة وكل شيء، أسأل الله أن يتمّ علينا نعمة الأخوة والصداقة والمحبة يا رب العالمين. لكن بدأت الفلوس تدخل بين الناس! عندنا في المجتمعات البسيطة يقول لك: لا تدخل في شراكة، لا مع صاحبك ولا مع نسيبك. حصل الكلام ده؟ مضبوط. طيب ليه؟ يقول لك: لأنها ستفسد الاثنين، ستفقد الاثنين، ستفقد الفلوس. الله أكبر! وأنا أقول: يا جماعة الخير، نحن أصدقاء، فالأصل ألا يكون للمال اعتبار بيننا. فيقول لك: لا لا لا، انتهت المسألة، إذا دخلت الفلوس في الموضوع فقد تُخرج أصل العلاقة الموجودة بين الناس.
فعندما أسمع قول الله تبارك وتعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ كأني برب العزة يقول: لا تفتحوا الأبواب التي يحتمل أن يأتي منها فسادُ ذات البين، واتقوا الله تبارك وتعالى في مراعاة الثوابت والأصول. فهذا يدلنا على أن الاعتبار الأول، في مقام الاهتمام الذهني والقلبي والوجداني بل والبدني، هو محلُّ ارتكاز الإيمان وزيادته ومستوى نموّه في داخل هذه الأجزاء كلها. ولذلك ترى رب العزة سبحانه يعقّب بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
معالم الإيمان: وجلُ القلوب
فنتساءل: ما معالم هذا الإيمان؟ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. لماذا تقدّمت هذه الصفة، وجلُ القلوب عند ذكر الله؟ ولماذا هذه الصفات مناسبة تمامًا للحالة؟ الحالة كانت تقتضي (كذا في التفريغ المشوّش) أن تلتفت القلوب إلى أهمية المادة في حياتنا. فنحن حين ندرس الواقع حينئذ نرى أناسًا تركوا كل ما يملكون وراء ظهورهم وانطلقوا من مكة إلى المدينة، ونرى أناسًا آخرين أشركوا القادمين إليهم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ…﴾[16]؛ عندي خصاصة هنا وعندي فاقة، ومع ذلك يؤثرون من أتوا فاحتاجوا. فكلا الفريقين محتاج، وحاجة الفريقين إلى المال مسألة معتبرة.
وعندما نتساءل: هل خرج النبي ﷺ ليحصّل أموالًا ليست له؟ حاشاه ﷺ، وإن كان ظاهر الأمر يوحي بذلك عند البعض، فيظن بعض الناس أن النبي ﷺ إنما خرج ليحصّل الأموال. فنقول: لا، انتبهوا لمسألتين. المسألة الأولى أن ما فعله النبي ﷺ كان بمثابة تجفيف المنابع الاقتصادية لدى هؤلاء المستأسدين عليه، يعني أهل مكة. (أليس اسمها غزوة بدر وكفى؟ لا، بدر الكبرى؛ فإذا ذكرنا الكبرى فهناك بدر الصغرى، وقد كانت بدر الصغرى.) وكان هناك مجموعة كثيرة جدًّا من محاولات الهجوم على المدينة، وجعل النبي ﷺ حراسةً حول كذا وكذا. فهؤلاء الذين يستأسدون بأموالهم وقوتهم ويريدون أن يتجاوزوا حدودهم مع هذه الأمة التي عددها لا يزال بسيطًا وإمكانياتها ضعيفة، كيف نواجه هذه القوة الاقتصادية الضاربة؟ نجفّف بعض المنابع التي نستطيع. فهناك تخطيط استراتيجي من الناحية العسكرية. تعرفون المقاطعة الاقتصادية الآن وكيفية تأثيرها على الطرف الآخر؟ نفس الفكرة تحديدًا ابتدأها النبي ﷺ. والنقطة الأخرى أن ما يتأتى من هؤلاء الناس قد يمثّل بعض العوض لما فقده هؤلاء الأفراد المكوّنون للمجتمع الإسلامي في ذلك الوقت.
والشاهد أن رب العزة إنما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فلا يحصل هذا الوجل للقلوب لذكر شيء آخر. وهل يوجد ذكرُ شيء آخر؟ طبعًا: ذكرُ الدينار والدرهم حين يبرق في أعين الناس، ويسمع الناس صوت هذه الدنانير حين تخبط في بعضها، فهذه تُجنّن الخلق يا أبوي. والشاهد أن رب العزة أراد أن يرفع من أذهان الأمة ذكر كل شيء سواه، فلا يبقى في ذهن المسلم ذكرٌ لأحد إلا الله سبحانه.
ولذلك ترى أن النبي ﷺ كان إذا سمع الأذان وثب[6] (وسأل المحاضرُ من حوله: أهذه الرواية مضبوطة؟). فلما نسمع كلمة «وثب»؛ الطبيعي أن نقول «قام»، لكن القيام فيه نوع من الهدوء والتؤدة، أما الوثوب فكأنه انتفاضة، نريد أن ننتفض للأمر. والشاهد الآخر في قول رب العزة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾[17]. الطبيعي أن نقول «فامشوا»، وهذا أيضًا، فانتبه، أمر النبي ﷺ: أن نأتي الصلاة «بوده» (كذا في التفريغ المشوّش)، لا سعيًا ولا ما شابه؛ فإذا سمعتَ الأذان وأتيتَ الصلاة فأتوها تُؤدّى، ولا يتعجّل أحدكم، فما أدرك فليصلِّ وما فاته فليتمّ، أو كما ورد عنه ﷺ[7]. فلماذا جاءت العبارات القرآنية والنبوية بهذا الشكل؟ للدلالة على أصل تخلية الذهن من كل شيء إلا الله، فلا يبقى في الذهن ما يشغل العبد إلا رب العزة سبحانه، ومن ثم تبقى القلوب منصرفة والعقول في تمام التركيز لقضية واحدة فقط: كيف نكون لله ولا نكون لشيء سواه، وكيف تعمل القلوب والعقول والأبدان سويًّا في صياغة مشتركة حتى نكون لله تبارك وتعالى لا لشيء آخر.
فإذا وجدتَ هذا رأيتَ أن الله تبارك وتعالى أراد صياغة إنسان قال حقًّا «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، تستشعر من خلالها قضية التسليم؛ عندما تقول: سلّمتُ نفسي لله، فلا تسأل لنفسك عن حاجة سوى حاجة الله، أو لصحة التعبير: سوى أمر الله عز وجل فيك، فليس لله حاجة في خلقه سبحانه جلّ في علاه. فقال ربنا: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، جاءت بمثابة تخلية القلوب وانتزاع كل شيء منها دون رب العزة سبحانه.
«زَادَتْهُمْ إِيمَانًا»
ثم قال الله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. لماذا وردت كلمة الزيادة هنا؟ لماذا جاء بعبارة ﴿زَادَتْهُمْ﴾؟ لأن هذا هو المقصود عند المبتغي للأموال: أن تزداد الأصفار. فالصفر الزائد على المئة يمثّل ألفًا، والزائد على الألف يمثّل عشرة آلاف، ثم تتوالى الأرقام حتى يأتي المليون وهكذا. فزيادة الأرقام تعني هذه البهجة بالحصول على مزيد من الأموال. فناسب المرادَ النفسيَّ لدى العبد معالجةٌ ربانية من خلال الكلام القرآني، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فمن ابتغى زيادة فالمصحف بين يديه، يبتغي من خلاله الزيادة.
ما بال من يقرؤون القرآن ولا يتغيّرون؟
لكن نعود إلى مسألة، سامحني ربنا يعزك الله يرضى عليك، أسأل الله أن يغفر لنا: قضية الزيادة من القرآن الكريم. أخي، أنت ترى أناسًا يقرؤون القرآن ليلًا ونهارًا ولا تتغير أحوالهم. ونقول مرة أخرى: لأنها قراءةُ مصحفٍ للحروف، وليست استنطاقًا للمعالجات من خلال الحروف. أنا لا أستنطق هذا النص حتى يخرج لي بنتيجة، ومن ثم أتعامل معه معاملة الذي يكتب بقلمٍ ليس فيه حبر على ورقٍ أبيض، فيمرّ القلم لكنك بعد ذلك لا ترى لذلك أثرًا. فإذا استنطق العبد القرآن الكريم لحلول المشاكل التي يعانيها، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، ظهرت نتائج القرآن.
ولذلك ترون، أعزكم الله وحفظ شريف علمكم، أن النبي ﷺ لم يكلّف الناس تكليفًا بحفظ القرآن الكريم متنًا، وإنما كلّفهم بحفظه عملًا وإنتاجًا. وترى أصحاب النبي ﷺ قد تمثّلوا هذا الأمر حقيقةً، حين يروي أحدهم أنه لم يحفظ سورة البقرة إلا في كم سنة، يا دكتورنا الغالي؟ في ثماني سنين[8]. الله أكبر يا جماعة الخير! سورة البقرة نحفظها في شهر؛ نحن لو على مهلنا نحفظ كل يوم صفحة أو نصفًا فتنتهي بعد قليل، لكن ثماني سنين كثير قوي يا أخي! يقول لك: لا، انتبه، لأن الحفظ لم يكن حفظ سطر، وإنما كان حفظ تطبيقٍ لدلالة هذا السطر في حياة الإنسان. وقد جاء عن ابن مسعود (وقيل في مداخلة: نعم، في مقدمة تفسير ابن كثير) قوله: «كان لكل واحد منا كل يوم عشر آيات، فكان لا يتجاوزها حتى يعمل بما فيهن، فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل معًا»[9]. الله أكبر! نسأل الله سبحانه حسن الامتثال لعمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فالشاهد، كما تفضّل علينا شيخنا حفظ الله مقامكم، أن رب العزة لما قال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فلا يزال محلُّ الاعتبار للإيمان، إما غايةً وإما وسيلةً لبلوغه. فالغاية هي ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، والوسيلة أن يُذكر الله تبارك وتعالى فيحصل الوجل للقلوب، وأن يُتلى القرآن الكريم تلاوةَ نصٍّ ودلالة، تلاوةَ لفظٍ وتطبيق وعمل، فيبلغ العبد بذلك مقام المؤمنين.
«وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»
ثم ترى أن هؤلاء المؤمنين الذين يذكرون الله تعالى فتوجل قلوبهم، ويتلون آيات الله تبارك وتعالى، يتحدّون عدوًّا متربّصًا شديدًا. ومن ثم كنا في احتياج إلى كفالة معنوية قبل الكفالة المادية. تحتاج أن تشعر أن هناك من يحميك، من يكون من وراء ظهرك. ولذلك ناسب قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
فنقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فهناك ذكر، وهناك وجل، وهناك قلوب، ننتبه، فهناك قلبٌ ليس هو العضلة التي تضخّ الدم؛ هناك قلبٌ يحسّ بأهمية الإيمان في حياة الإنسان، ويستشعر احتياجه الدائم إلى مزيد من الإيمان كاحتياجه إلى مزيد من الدم. فلماذا تأتي الصياغة القرآنية متحدثةً عن القلب؟ القلب نعرفه، المضخة التي يدخل إليها الدم ويخرج منها. فاستعماله هنا بمثابة أنه تدخل إليه أسباب الإيمان ويخرج منه منتَج الإيمان. وقد حاولت أن أقول: كم يشتغل هذا القلب في اليوم، وكم قدر استراحته؟ والقلب لو وقف في الدنيا… لا يقف أصلًا، يشتغل أربعًا وعشرين ساعة، أم أنني مخطئ؟ فأنا لا أعرف شيئًا في الطب، ولا في الجغرافيا، ولا في الهندسة، ولا في الكيمياء. نسأل الله السلامة والعافية. والشاهد أن أسباب الإيمان تتأتّى إلى القلب ويخرج منه منتج الإيمان، اتفقنا؟
إقامة الصلاة: صيانة الانتماء
قال ربي سبحانه: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ حتى ينتظم الانتماء انتظامًا كاملًا غير منقوص؛ ولا بدّ له من أسباب الصيانة. وأسباب الصيانة أن تأتي لتوقّع حضورًا وانصرافًا خمس مرات في اليوم، فأنا لا أزال ألتزم بانتمائي لهذه المنظومة، منظومة الإيمان. فقال ربي سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
وعندما نستمع إلى قول «إقامة الصلاة» فليس المراد محضَ إقامة الصلاة في موطنها. أنا أفكّر بصوت عالٍ فحسب: هل أنا أُقيم الصلاة، أم أقيم نفسي للصلاة؟ نحن نقيم أنفسنا أداءً للصلاة، أم أننا نقيم الصلاة؟ كيف نقيم الصلاة؟ الصلاة في ذاتها أمرٌ ربّاني يُؤدّى، نعم. فعندما أقيم أنا نفسي أداءً لهذه الصلاة، فإذا قلتُ «إقامة الصلاة» فكأن الصلاة تقوم ليس في ذاتها وإنما تقوم في أثرها. فعندما آتي إلى المسجد لأصلّي وأستمع إلى نص القرآن الكريم يتلوه الدكتور عبد الحميد في صلاتي في إمامته للصلاة، وختمُ القرآن، آتي لأصلي وأسمع منه ربعًا، أو ربعين، أو خمس آيات، أو عشرًا، فأخرج إلى الطريق لأطبّق هذه الآيات التي تُليت عليّ. وعندما آتي لأعيد تذكير نفسي بالله تبارك وتعالى، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، إلى آخره، فكأني أنطلق بهذا الذكر إلى واقع الحياة لأحقّق.
ولذلك رأيت رب العزة سبحانه يقول: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا…﴾[18]، تعقيبًا على قضية ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قضية الصلاة، ثم يذكر بعدها: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. فما العلاقة بين ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ و﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾؟ إن منتَج الليل يُطبَّق في النهار. نحن لا نتعامل مع الناس في الليل، وإنما نتعامل معهم في النهار. فإذا قضينا ليلنا في طاعة ظهر ذلك علينا في نهارنا. ولذلك يذكّرنا شيخنا بآثار قيام الليل: نضرة الوجوه التي تتبدّى لمن أقام الليل، وصدق المنطق، وحفظ الحديث، وقوة اللفظ، إلى آخر هذه الدلالات التي أشار إليها كثير ممن تحدّث عن هذه المسألة.
وقفة مراجعة
ونعود مرة أخرى لنذكّر أنفسنا بما كان بين أيدينا، ونراجع بسرعة. أولًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾؛ السؤال الأول، يا عبد الله ركّز معي: هل نحن محلُّ اعتبار سؤال الله سبحانه وتعالى أم لا؟ ثانيًا: ﴿عَنِ الْأَنفَالِ﴾، فما الذي انشغلت به عقولنا دون الغاية الأولى، التي هي صرف همّتنا إلى ما وُكِّل إلينا؟ تخيّل أنك استأجرت أحمد اليوم وقلت له: لو سمحت نظّف هذا المكان، هذه الفوطة وهذه الأدوات، أريد هذه الأشياء كلها تلمع بعد قليل. قال: حاضر. وبعد قليل، وهو في مرحلة التنظيف والتنقية، يقول: إشارة المرور التي في الطريق مالها؟ فتقول له: مالك أنت ومال إشارة المرور! خليك في شغلك يا ابني. فلا ينبغي أن ينصرف ذهن العامل إلا فيما كُلّف به. فحين يقول الله ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فهذا ليس محلَّ شغلك يا حبيبي، لأن قضية الرزق إنما كفلها رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾[19] سبحانه جلّ في علاه.
ثم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ما محلّ التقوى هنا، ولماذا جاءت؟ ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: لأن قضية الأموال هي التي تفتح أبواب الشيطان فيلج من خلالها فتفسد أحوال الأمة. ثم يذكر رب العزة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فمحلُّ الاعتبار في حياة أهل الإيمان هو قضية الإيمان برب العزة سبحانه جل في علاه. ثم ذكر الله تعالى لنا منظومة الصفات المكمّلة لقضية الإيمان.
لماذا قدّم الذكر على التلاوة؟
ثم ذكر سبحانه قوله: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾، وهو محلّ الشاهد، وقدّم ذكر الله تعالى على تلاوة القرآن. لماذا قدّم ذكر الله على تلاوة القرآن الكريم؟ لأن ذكر الله تعالى في أذهان الناس قد يختلف باختلاف طبائع الخلق ومزيد اهتماماتهم، والقرآن ثابت، خلاص. فأنا أذكر الله تبارك وتعالى حين أتقي الله فيما أقول بين أيديكم الآن، وأخي يذكر الله تعالى في دراسته، وأخي يذكر الله تبارك وتعالى في متجره، وأخي يذكر الله في كذا؛ فهناك نوعٌ من التنوّع والشمولية. ثم إن ذكر الله تبارك وتعالى إنما يحصل لذهن العبد في الأربع والعشرين ساعة، مضبوط؟ فهناك انشغال بقضية أهمّ، وكأنه مقدمةٌ إلى صرف هذه العقول إلى المراد الأصلي وهو القرآن الكريم.
﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
فقال ربي سبحانه: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4].
وقبل أن نكمل: هل هذه الآيات التي وصفت أهل الإيمان في هذه السورة هي الآيات الوحيدة التي تصف منظومة الأخلاق الإيمانية في حياة العباد، أم أن لدينا قسمًا كبيرًا جدًّا من ذلك، يا أستاذنا؟ في بداية سورة البقرة يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 2-4]. وترى قول الله تبارك وتعالى، على سبيل المثال لا الحصر: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ…﴾ [آل عمران: 133-135][25]؛ فهناك منظومة وردت في سورة آل عمران، وهنا في الأنفال مجموعة أخرى. وعندما تقرأ مثلًا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ…﴾، ثم الذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله ولا يزنون، والذين لا يشهدون الزور، والذين إذا ذُكّروا بآيات ربهم...[10].
والشاهد أن الله تبارك وتعالى إنما ذكر عدة مواصفات في مواطن مختلفة من القرآن الكريم لتتميم هذا الكيان الأخلاقي الإيماني.
لماذا «أخلاقي إيماني»؟
ولِمَ قلنا «أخلاقي إيماني»؟ لأن هناك منظومة من الأخلاق لا ترتبط بالإيمان لكن ليس لها أثر. فنقول مثلًا، حتى في بلادنا: والله أنا سأذهب أشتري من فلان الذي ليس مسلمًا. لماذا؟ لأنه لا يغشّ في البضاعة التي عنده؛ فهناك أخلاق موجودة عند ذلك الرجل. أو: لا تتعامل مع فلان المسلم الذي يشتغل هذه الشغلانة، لأنه لن يوفيك بالوعود، ولن يلتزم بالوقت. نحن نتورط في هذه الحكاية كثيرًا. إذن هناك أخلاق تنتج من الإيمان، وهناك أخلاق تنتج من الاحتياج إلى المصلحة. فالذي يصدق دون أن يؤمن ليس لديه غرض إلا المصلحة: أصدق لتأخذ الناس عني فكرة طيبة فتزداد زبائني، فأرفع أسعاري فأحصل على أموال كثيرة من خلال الصدق والأمانة والوفاء وحسن العشرة والتماس... كلها أخلاق لم ترتبط بالإيمان، فكانت ظاهرة ومؤقتة. فصاحبنا هذا أخلاقه غير مرتبطة بالإيمان، فإذا سنحت له فرصة ليأخذ منك دون أن تدري فسوف يأخذ منك دون أن تدري، ويغشّك دون أن تدري.
والشاهد أن الأخلاق والاعتقاد بينهما تلازم دائم. فلا يوجد اعتقاد دون تأثير في الأخلاق، ولا يوجد أخلاق صادقة لا تُستمدّ من اعتقاد صحيح. اتفقنا؟ ولذلك دمج الله تعالى بينهما، يا دكتورنا الغالي، في القرآن المكي دائمًا، في مرحلة تأسيس الشخصية المسلمة؛ ترى أن الله تبارك وتعالى إنما يؤسّس حقيقة الاعتقاد والأخلاق. ترى مثلًا في سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 1-7]. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عقيدة أم أخلاق؟ عقيدة قولًا واحدًا، صح؟ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ كلها أخلاق. فعندك عنصر عقدي واحد وأربعة عناصر أخلاقية، وكأن العنصر العقدي كالعماد الذي في الوسط، والعناصر الأخلاقية تحيط به لتشمل. والشاهد أن رب العزة إنما أراد لنا هذا المراد الأخلاقي المتكامل حتى تبقى الأمة في منظومتها المتكاملة.
ماذا لو استقرّ الإيمان في الأذهان؟
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: 5]. نحن لن نمشي مع الآيات تفسيرًا آيةً آيةً، فقد أطلت شيئًا ما، وأعتذر لهذه الإطالة غير المبرَّرة، وأسأل الله السلامة.
لكن إذا استقرّت في أذهاننا قضية الإيمان بمعالمها التي وُصفت في سورة الأنفال، فوالله الذي لا إله غيره، تجد الأمة بأكملها مستعدة لكل أنواع التضحية بكافة الأشكال والألوان. مَ ستبكي عليه؟ إذا كنت ضامنًا رزقك وعارفًا أن أجلك بين يدي الله تبارك وتعالى فلن تبكي على شيء. وإذا عرفتَ أن الأموال بكثرتها لا تغني عن أحد شيئًا إلا بإذن الله تبارك وتعالى، حينها استوت عندك منظومة الأرقام وانعدام الأرقام؛ أنت تريدها لماذا أصلًا؟ ولك أن تتخيل في هذه الأيام أن كثيرين جدًّا، حين نقعد مع الناس نتكلم، يقول لك: والله أنا خسرتُ مليونًا في المكان الفلاني، في سوق الأسهم، أو وضعتُ في مشروع وبعدين الدولة أخذت... معقول! فتسأل نفسك: هذه الأرقام كبيرة جدًّا، تكوّنت على مدار سنوات وعقود من الزمن في حياة هذا الإنسان، وتذهب هكذا! الحمد لله على نعمة أن أرقامنا بسيطة، وعندنا، الحمد لله، مستورة. الفارق الوحيد بين الغلبان وبين الذي خسر فلوسه أن عنده جرحًا غائرًا لا يستطيع أن يعالجه، لكن الحمد لله الدنيا عندنا سليمة على قدر ما جاء وعلى قدر ما راح. وأسأل الله سبحانه الثبات والسلامة والعافية، وألا نغترّ بالدنيا وألا نُفتن بها لا في عاجل أمرنا ولا في آجله، وأن يختم الله تعالى لنا بالخير بإذن رب العزة.
اصطفاء الله لمن يواجه
فقال ربنا سبحانه: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. النقطة التالية أن الله تعالى يصطفي من عباده من يكون في المواجهات. الناس الذين خرجوا لبدر هؤلاء اختيارات رب العالمين سبحانه. وجاءت مداخلةٌ يظهر من ألفاظها أنها للمضيف (ولا يصرّح التفريغ بقائلها): كلماتُ أستاذنا الدكتور، سبحان الله، كأنها نخرت في عقلي. النبي ﷺ حين يقول إنه شهد بدرًا، فما العبارة؟ «دعوه فإنه شهد…»؛ لا يتعرّض له أحد، ولا يُعرض له. لماذا؟ لأنه اختيار رب العزة، فيُستشفع له بهذا الموقف. وعندنا بقى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ…﴾[20] فعُلم بموقف. سبحان الله القدير!
والشاهد أن أهل التصدّر، الناس الذين يتكلمون عن أهل غزة الآن، يقولون إنهم ضحايا. أنا بقى آسف جدًّا؛ مصطلح «الضحية» هذا ليس عندنا في الإسلام، ليس موجودًا عندي إلا إذا جهلتُه، وأسأل الله أن يغفر لي تقصيري. لكن تصوّري أن الضحية هو الذي يذهب هباءً دون إنجاز، أي واحد راح من غير ما يحصل شيء. أما عندي أنا فمصطلحان، يجيئان هنا في السورة الكريمة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ثم قال: عفوًا، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ…﴾ [الأنفال: 7]. فما الطائفتان؟ إما نصر وإما شهادة[11]. فأين الضحية؟ ما عندي ضحية، ما عندي ضحايا! عندي إنسانٌ يُعتدى عليه فيُقتل فيكون في الجنة.
شبابنا الذين يجيئون في سنّ عبد الله، والشباب الموجودون، ربنا يحفظ الجميع يا رب العالمين، يجيء أحدهم يقول لك: يا شيخنا، هو لماذا ربنا يفعل بالناس هؤلاء هكذا؟ فتقول لهم بمنتهى البساطة: عجّل الله لهم الخير، عجّل الله لهم الجنة؛ أنت لسه قاعد متأخر، الله أعلم، وربنا هيكتب لنا الجنة بعد ما نموت، أمتى ولا كذا؟ فلا تَكُ عليهم[12] بقدر ما ينبغي أن تبذل المراد منك في هذا. فإن كنت من طلاب العلم فحصّل حتى تبلّغ هذا العلم للناس، وإن كنت من أهل المال فأنفق فإن الله تبارك وتعالى يقبل منك، وإن كنت من أهل التعليم فأخلص في كذا.
«أَخْرَجَكَ»: الاختيار الإلهي ولا استعفاء
والشاهد أن الله تبارك وتعالى يحدّثنا: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾. هل النبي ﷺ خرج أم أُخرج؟ أُخرج بالمصطلح القرآني. والشاهد أن الله تعالى إذا اختار لي أن أكون جالسًا هنا في هذا التوقيت فليس اختياري أنا، وإنما هو اختيار رب العزة سبحانه. الدكتور عبد الحميد يقول: عندنا محاضرة تعملها، فأقول له: حاضر. ليس كلامي، وإنما هداية الله تبارك وتعالى لقلبي وعقلي أن أجيب، وإلا فالاعتذار هيّن والاستعفاف سهل: معلش والله سامحني، مصدّع شويه، سفرنا كان طويلًا[13]، وتجد لك عذرًا وتخرج من القصة. لكن يلهمك الله تعالى الجواب بقدر علم الله عز وجل بما في نفسك.
ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾[21]، ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[22]. والشاهد أنه إذا وجد العبد نفسه في موطن للعمل لله فليعلم أن هذا اختيار الله تعالى له، فلا يستعفي، لأنه حينها يستعفي من تكليف إلهي له. وتكليف الله تعالى للخلق دلالته أن الله وثق فيك فكلّفك. فتخيّل أنك تردّ على الله ثقته فتقول له: أنا آسف جدًّا، لا تُزقّ فيّ تاني، لا تثق بي! ولذلك يقول رب العزة سبحانه بمنتهى البساطة: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾[23].
فهنا أيضًا كلمتي لنفسي طبعًا ولإخواننا المتابعين: إذا كنا من طلاب العلم فذلك تقدير الله واختياره، فلا ينبغي لأحدنا أن يتنصّل من هذه الجبهة العظيمة، وأن يعتذر لنفسه بالكسل أو عدم القدرة أو الانشغال. فإن العبد إذا طرق أبواب الله فتحها له، وإن رب العزة إذا فتح الأبواب أتى الخير من خلالها بلا حدّ ولا حصر، سبحان القدير. فالتمسوا من الله عونًا لكل أمر يصعب عليكم، لكن لا تعتذروا ولا توقفوا عملًا اختاره الله تبارك وتعالى لكم. سبحان الخلّاق العليم.
لماذا «رَبُّكَ» لا «اللَّهُ»؟
يقول الله عز وجل: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾. والألفاظ القرآنية، الحقيقة، نتوقف عندها قليلًا ونتساءل: قضية مثل قضية الجهاد، وخروج الناس لبدر، والأنفال، وقصة كبيرة جدًّا جدًّا، ألا تستوجب أن يُتعامل معها بلفظ الألوهية دون لفظ الربوبية؟ ما رأيكم يا شباب؟ كما أخرجك الله، لكن لماذا أتت «ربك»؟ لأن الخروج للجهاد مظنّة الهلكة، ومظنّة الهلكة تُلتمس فيها الحماية، والحماية لا تتأتى إلا من الرب. نعم، الربوبية، فناسب مصطلح الربوبية المقام هنا، فلا تخشَ؛ فإن مهمة الرب أن يجلب الخير وأن يدفع الشر. مهمة الرب أن يجلب الخير وأن يدفع الشر. فإذا توفرت هذه القاعدة في ذهن الإنسان، واستجاب لها وآمن بدلالتها ومضمونها، فإنه لا يخشى على نفسه شيئًا ولا يخشى في الحياة أحدًا، وإنما يجرؤ على الدنيا وما فيها قلبًا وقالبًا؛ يقوى قلبه، بل يقوى بدنه بقوة قلبه، ويقوى قلبه بقوة اعتقاده فيمن يحفظه ويدفع عنه.
ولذلك ترى السورة بعد قليل: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: 12]، «فثبّت…». تعرفون الغطاء الجوي؟ تسمع في الحروب يقول لك: سلاح المدفعية ما ينفعش يمشي وراءه غطاء جوي… الغطاء الجوي (كلمة غير واضحة)، لأنه لو حصل اعتداء فإنه يضرب على الفور، فيأمن الناس الذين تحت. تخيّل أن الله تبارك وتعالى…
خاتمة
فكأني برب العزة سبحانه يعلّمنا منظومة المفاهيم التي أفاض الله تعالى بها في هذا اللقاء المبارك. وأسأل الله أن يبارك في الحضور، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، ولعلنا إن شاء الرحمن سبحانه يكون لنا نصيب في لقاء… بعد أن نرجع بالسلامة. جزاكم الله خيرًا على ثقتكم، وعلى متابعيكم الكرام، بارك الله فيكم ورضي الله تعالى عنكم يا رب العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: ساق المحاضر الحديث بمعناه، ونحوه عند ابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»؛ ويُراجع تخريجه. [2]: التحريم: 8. توثيق المحرر: لم يعيّن المحاضر السورة، وهذا موضعها فيما نعلم. [3]: النور: 31. توثيق المحرر: ذُكرت العبارة في التفريغ على لسان أحد الحضور، ولم يعيّن المحاضر السورة. [4]: توثيق المحرر: قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في الصحيحين، وفيها قوله ﷺ: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر…». أما لفظ «دعوه فإنه قد حضر بدرًا» فنُقل كما ورد في التفريغ، واسم «حاطب» ورد فيه مشوّشًا (حات ب …)، فالاسم فيما يبدو كذلك. وفي التفريغ غموض في تحديد من تكلّم في هذا الموضع، أهو المحاضر أم المضيف. [5]: توثيق المحرر: أشار المحاضر إلى النعيمان ومقالبه إشارةً بلا تفصيل ولم نضف شيئًا. [6]: توثيق المحرر: ساق المحاضر الرواية كما سمعه ولم يعزه، ولم نتحقق من لفظ «وثب» ولا من ثبوته. [7]: توثيق المحرر: عبارة المحاضر في هذا الموضع مضطربة في التفريغ، والمعروف في الصحيحين: «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأْتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا»؛ ولعل غرض المحاضر بيان أن عبارات النص تفرّغ الذهن لله. ونُقل كلامه بحسب ما قاله. [8]: توثيق المحرر: نسبها المحاضر إلى أحد الصحابة بلا اسم، وجاء العدد في التفريغ في سياق سؤال للمضيف («في ثمان سنين ولا في كذا»). وهي في موطأ مالك بلاغًا أن ابن عمر رضي الله عنهما تعلّم البقرة في ثماني سنين. [9]: توثيق المحرر: الأثر في مقدمة تفسير ابن كثير عن أبي عبد الرحمن السلمي عمّن أقرأوه من الصحابة، منهم عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما. وفي التفريغ أن المحاضر قال «قال ابن مسعود» وأن قائلًا (ولعله المضيف) قال «نعم، في مقدمة تفسير ابن كثير»؛ ولم يتبيّن من يتلو لفظ الأثر، فلا يُنسب إلى المضيف. [10]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر آيات سورة الفرقان (63-65 ثم 68-73) مجملةً وعلى سبيل التمثيل، ولم يسمِّ السورة؛ فأُثبتت الأولى بقدر ما ذكر، وأُجمل الباقي، والعزو من المحرر. [11]: توثيق المحرر: هذا تفسير المحاضر للطائفتين بالنصر والشهادة؛ وأكثر المفسرين على أن الطائفتين هما العير وجيش قريش. [12]: توثيق المحرر: في التفريغ «فلا تك عليهم بقدر ما ينبغي أن تبذل…»، واتصال أولها بآخرها غير واضح؛ فنُقلت كما وردت ولم يُركَّب منها معنى ولا آية. [13]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر عددًا مشوّشًا من الساعات لطول سفره على سبيل ضرب المثال للأعذار، فلم يُثبت. [14]: توثيق المحرر: النور: 55. تلا المضيف الآية ولم يسمِّ السورة. [15]: توثيق المحرر: الأحزاب: 1. لم يسمِّ المحاضر السورة. [16]: توثيق المحرر: الحشر: 9. لم يسمِّ المحاضر السورة، ونطق الآية إلى «ولو كان بهم»، وتمامها «خصاصة» ورد في شرحه بعدها. [17]: توثيق المحرر: الجمعة: 9. لم يسمِّ المحاضر السورة. [18]: توثيق المحرر: المزمل: 6 («إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا»)، والمزمل: 2 («قم الليل إلا قليلًا»)، والمزمل: 7 («إن لك في النهار سبحًا طويلًا»). لم يسمِّ المحاضر السورة، ولم ينطق بـ«وأقوم قيلًا». [19]: توثيق المحرر: هود: 6، والعنكبوت: 60. لم يسمِّ المحاضر السورتين. [20]: توثيق المحرر: الفتح: 18 («…تحت الشجرة»). لم يسمِّ القائل السورة، وانقطع نطقه عند «تحت». [21]: توثيق المحرر: الحج: 75. لم يسمِّ المحاضر السورة. [22]: توثيق المحرر: الأنعام: 124. لم يسمِّ المحاضر السورة. [23]: توثيق المحرر: محمد: 38. لم يسمِّ المحاضر السورة. [24]: توثيق المحرر: لا يتبيّن من التفريغ أقال هذا الاعتراض وما بعده في عدّ مظاهر الخير المحاضر أم المضيف؛ والأرجح أن الاعتراض من المضيف، ونُقل ما بعده في سياقه. [25]: توثيق المحرر: في التفريغ «وع المتقين» ولعلها «أُعدّت للمتقين»، وقد نطق الآية الثالثة إلى «ذكروا الله».
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.