A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Serie · Episodio 39
Conceptos de la Fe
Conceptos de la Fe

الدعاء في القرآن

نداء العبد وجواب الرب

Dr. Ahmed Abouseif•18 de octubre de 2026•12 min de lectura

شيخٌ قد وهن العظم منه، واشتعل رأسه شيبًا، يقف بين يدي ربه وليس معه أحد. لا يرفع صوته ولا يطيله، بل يخفضه حتى لا يسمعه إلا الله: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (١٩:٣). ثم يكشف لنا القرآن ما قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (١٩:٤). وتأمّل ما فيه من أدب: بدأ بضعفه لا بطلبه، وختم بشهادةٍ لربه لا لنفسه، كأنه يقول: ما عوّدتني يا ربّ إلا أن أدعوك فتُجيب. وهذا هو زكريا عليه السلام نفسه الذي قال عنه القرآن في موضعٍ آخر: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣:٣٨). فمشهدٌ واحد، وثلاث كلمات: «نادى» و«دعا» و«دعاء». وفي ذلك سرٌّ نقترب منه في هذه الدراسة، بعد أن نعرف ما الذي نعنيه بالكلمة أصلًا.

جذرٌ يتردد مئتين واثنتي عشرة مرة

بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com) يرد جذر «د ع و» في القرآن مئتين واثنتي عشرة مرة، في سبع صيغ[1]: فعل الباب الأول («دعا» وتصاريفه) سبعين ومئة مرة، وفعل الباب الثامن («يدّعي، تدّعون») ثلاث مرات، فالأفعال كلها ثلاث وسبعون ومئة. وأما الأسماء فاسم «دعاء» اثنتان وعشرون مرة، و«دعوة» ست، و«دعوى» أربع، واسم الفاعل «الداع» ثلاث و«الداعي» أربع. وفي الاثنتين والعشرين تنبيهٌ ينبغي ألا يغيب: إن قائمة المدوّنة تُدخل فيها «أدعياءكم» (٣٣:٤) و«أدعيائهم» (٣٣:٣٧)، فيبقى «الدعاء» بمعنى المصدر المحض عشرين فيما حسبتُه من القائمة.

وتتجه هذه المادة في القرآن اتجاهاتٍ أربعة. فهي دعاء المخلوق لله، كما في «دعا ربه». وهي دعاؤه لغير الله، كما في «يدعون من دون الله». وهي دعوة الله ورسله للخلق، كما في ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١٦:١٢٥). وهي النداء بالتسمية، كما في ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣٣:٥). وهذا التنوع ليس اضطرابًا، بل هو ما قاله أهل المعجم، فلننظر فيه.

ما يقوله أهل اللغة

يقول الراغب الأصفهاني: «الدُّعَاء كالنّداء، إلّا أنّ النّداء قد يقال بيا، أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يضمّ إليه الاسم، والدُّعَاء لا يكاد يقال إلّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر». ثم يضيف أنه يُستعمل تسميةً، وأنك إذا «دعوتَه» فقد «سألته» أو «استغثته»، وأن «الدعاء إلى الشيء: الحثّ على قصده»[2]. فالدعاء عنده نداءٌ مقرونٌ بالاسم، أي نداءٌ يعرف صاحبه من يخاطب. وأما ابن فارس فيردّ الباب كله إلى أصلٍ واحد: «أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك»[3]. وكأن الداعي يستميل المدعوّ إليه، فإذا كان المدعوّ هو الله فهي استمالةُ رحمته بالافتقار، وإذا كان الله هو الداعي فهي استمالة العبد إلى الإيمان والطاعة.

ولاحظ أن الراغب نفسه يقول إن كل واحدٍ من «الدعاء» و«النداء» قد يوضع موضع الآخر. فلا ينبغي لنا أن نجعل بينهما حدًّا قاطعًا. وعلى هذا نقرأ ما سيأتي: ملاحظةٌ على مواضع بعينها، لا قانونٌ في اللغة.

حين يقول القرآن «نادى» ولا يقول «دعا»

نقف عند ثلاثة أنبياء ابتُلوا بكرب خاص ورفعوا شكواهم إلى ربهم، فنجد أن القرآن استعمل لهم فعل «نادى». فزكريا: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (١٩:٣). وأيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢١:٨٣). ويونس: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢١:٨٧). ولم يرد جذر «د ع و» في أيٍّ من هذه المواضع الثلاثة[4]. وهو نفسه جذر «ن د و» الذي ورد في المدوّنة ثلاثًا وخمسين مرة، منها أربع وأربعون في الباب الثالث («نادى»).

غير أن الصورة ليست على وتيرة واحدة، فزكريا ذاته ورد معه الجذران: «دعا زكريا ربه» في آل عمران (٣:٣٨)، وفي مريم «نادى» ثم «بدعائك». فالقرآن لا يقصر أحد اللفظين على نبيٍّ دون آخر. وما أقترحه هنا قراءةٌ لهذه المواضع الثلاثة وحدها، لا حكمٌ على لسان العرب ولا على القرآن كله: يبدو لي أن «نادى» في هذه المشاهد يُبرز المخاطَبة المباشرة، رجلٌ يهتف باسم ربه من قاع ضيقه، بينما يلخّص القرآنُ المشهد بعد ذلك باسم «الدعاء» لما فيه من معنى الطلب والتعبّد. ولعل ما قاله ابن عاشور عن آية مريم يؤنس هذا الفهم: «ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفيا، لأنه نداء من يسمع الخفاء»[5]. فالنداء هنا قريبٌ من الهمس، لأن المنادَى قريب. وهي فرضيةٌ لم أُجرِ عليها إحصاءً شاملًا لكل مواضع الجذرين، فمن شاء فليختبرها.

«ادعوني»: عبادةٌ وسؤال في آية واحدة

وإذا انتقلنا إلى الآية المحورية في هذا الباب بدا الأمر أعمق: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤٠:٦٠). أمر بالدعاء ووعد بالاستجابة، ثم وعيدٌ على من «يستكبر عن عبادتي». فالسؤال الذي يطرح نفسه: كيف جعل ترك الدعاء استكبارًا عن العبادة؟

اختلف المفسرون في ذلك، وكلٌّ من قوله وجه. فالطبري يفسر «ادعوني» بقوله: «اعبدوني وأخلصوا لي العبادة»، وينقل عن ابن عباس: «وحدوني أغفر لكم»[6]. وابن كثير يرى أن الله «ندب عباده إلى دعائه، وتكفّل لهم بالإجابة»، ويفسر «عن عبادتي» بأي: «عن دعائي وتوحيدي»[7]. والقرطبي يقول: «فدلّ هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرون»، ثم يحكي قولًا ثانيًا: «وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال»[8]. فالأقوال تدور بين الدعاء توحيدًا وعبادة، والدعاء سؤالًا.

ثم يجمع ابن عاشور بين المعنيين فيقول: «فلما تقدم ذكر الدعاء بمعنييه: معنى العبادة، ومعنى سؤال المطلوب، أردف بهذا الأمر الجامع لكلا المعنيين»، ويقول إن «ادعوني» مستعمل «في معنييه بطريقة عموم المشترك»[9]. وهذا القول أقرب إلى ما أميل إليه، لأنه يحفظ للكلمة ثراءها: فمن سأل ربه حاجته فقد عبده، ومن عبده فقد سأله، إذ العبادة في جوهرها إظهار الحاجة والافتقار. وهذا ما بيّنه النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ الآية. رواه أبو داود (١٤٧٩) والترمذي (٣٣٧٢)، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وهو عنده أيضًا في التفسير (٢٩٦٩)[10].

وللقرطبي تنبيه دقيق على إطلاق الوعد في «أستجب لكم»؛ فقد حكى عن خالد الربعي أنه لا شرط فيه، وحكى أن بعضهم حمله على المطلق والمقيد بمعنى «أستجب لكم إن شئت»، كقوله في سورة الأنعام: «فيكشف ما تدعون إليه إن شاء»[11]. وسنرى هذا الخلاف نفسه يعود في آيةٍ أخرى.

«فإني قريب»: وغابت كلمة «قل»

وفي سورة البقرة آيةٌ تختلف عن أخواتها في بنائها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢:١٨٦). انظر إلى السؤال: «سألك عبادي عني»، ثم الجواب مباشرةً: «فإني قريب». لم يقل «فقل إني قريب». وقد تنبّه ابن عاشور إلى ذلك فقال إن فيه «تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت}»، وسمّاه «لطيفة قرآنية»: «وهي إيهام أن الله تعالى تولى جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله عليه وسلم تنبيها على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء»[12]. وهذا لا يقتضي أن الحذف لم يقع في غير هذا الموضع، وإنما يبقى أن المفسّر يرى في هذا الموضع سرًّا بلاغيًّا، وأن غيره ممن قرأتُ لم يتعرّض له.

والآية في المصطلح اللغوي تجمع الجذر ثلاث مرات: «دعوة» و«الداع» و«دعان»، فيما أحصيته من قائمة المدوّنة. كأن الآية تقول: كل شيء فيها دعاء، من الداعي إلى المجيب. وفي معناها يقول الزمخشري إنها «تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه»[13]. ويرى الطبري أن معنى «فليستجيبوا لي» أي: بالطاعة[14]، وهذا يربط الدعاءَ بالطاعة: لا يكفي أن نطلب إجابة الله، بل علينا أن نجيب نحن إذا دعانا. ولعله لذلك جاء بعده «وليؤمنوا بي».

ويسوق ابن كثير في تفسيرها خبر أبي موسى، وفيه قوله: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، ثم يقول معلقًا: «والمراد من هذا: أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء»[15]. ### «تضرعًا وخفية»: أدب الصوت والقلب

ويأتي بعد ذلك أدب الدعاء في سورة الأعراف: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٧:٥٥)، ثم: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧:٥٦). فمعنا هنا ثنائيتان: ظاهرٌ وباطن، وخوفٌ ورجاء.

ويختلف المفسرون في «تضرعًا». فيقول الطبري إن «تضرعًا» أي: «تذللا واستكانة لطاعته»، و«خفية»: «بخشوع قلوبكم وصحة اليقين منكم بوحدانيته… لا جهارا مراءاة»، وينقل عن ابن جريج أن من الدعاء اعتداءً هو «رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء»[16]. ويوافقه القرطبي في أن «خفية» أي «سرا في النفس ليبعد عن الرياء»، ويستشهد بثناء الله على زكريا[17]. أما ابن عاشور فيخالف في معنى «تضرعًا»؛ إذ يقول: «ويطلق التضرع على الجهر بالدعاء… وهو الذي نختاره لأنه أنسب بمقابلته بالخفية»، ويردّ على من ظنّ أن الإعلان بالدعاء منهيٌّ عنه: «وهذا خطأ: فإن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا علنا غير مرة»[18].

وفي المسألة نفسها وقفة عند آية مريم التي بدأنا بها: هل في «نداءً خفيًّا» ثناءٌ على إخفاء الدعاء؟ يرى القرطبي أنها ثناءٌ على زكريا، بينما يرى ابن عاشور أنه «إنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء»[19]. وأنا أقف حيث يقف النصّ: الخفاء حالٌ صدقت مع زكريا، والتضرع والخشوع روحٌ مطلوبة في كل داعٍ، وأما الجهر والإسرار فباب واسع لا تضيق به الآية.

مشهد الفلك: حين يخلص الداعي

ثم يعرض القرآن مشهدًا يعرفه كل من ركب البحر: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٢٩:٦٥). يقول الطبري إنهم أخلصوا التوحيد عند الشدة «ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم»، ويقول ابن عاشور: «والإخلاص: التمحيص والإفراد. و{الدين}: المعاملة. والمراد به هنا الدعاء»[20]. فالشدة تجرّد القلب مما سوى الله، وهذا ما يقوله القرطبي في آية النمل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢٧:٦٢)، إذ يقول إن الله «ضمن… إجابة المضطر إذا دعاه»، وإن السبب في ذلك «أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه»، فيقع ذلك «من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر». ثم يخالفه ابن عاشور فيقول: «وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة. والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي»[21].

وبين القولين يتضح ما في الدعاء من سرّ: ليس مفتاحًا ميكانيكيًّا، بل علاقةٌ بين مضطرٍّ وربٍّ حكيم. والقرطبي يلحظ الإخلاص، وابن عاشور يلحظ الحكمة، والآية تتسع لهما معًا. على أن في آية العنكبوت إشارةً مرّة إلى أن الخلوص الذي يولد في الشدة قد لا يبقى في الرخاء: «إذا هم يشركون». وهذا ما ينبغي أن نخشاه على أدعيتنا: أن تكون دعوة ساعةٍ لا دعوة عمر.

يونس في الظلمات: دعاءٌ هو اعتراف

وأما المشهد الذي يبلغ فيه الدعاء ذروته فهو مشهد يونس: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢١:٨٧). لم يسأل شيئًا. لا نجاة ولا فرجًا، بل توحيدٌ وتسبيحٌ واعترافٌ. وبعد ذلك مباشرةً: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢١:٨٨). وقد حكى الزمخشري عن الحسن: «ما نجّاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم»[22]. وفسّر ابن عاشور الاستجابة بأنها «إجابة توبته مما فرط منه»[23]. فهذا دعاءٌ ليس فيه من «السؤال» إلا إشارة، وفيه من «العبادة» ما يملأ الظلمات. وهو يؤيد قراءة ابن عاشور لآية غافر: الدعاء الذي هو عبادة والدعاء الذي هو سؤال قد يجتمعان في كلمات يسيرة، وقد يتقدم الأول حتى يكاد يستغرق الثاني.

الاستجابة التي تتأخر

وقد يعترض معترض: فكم من داعٍ لم يُستجب له؟ وهنا يضع النبي ﷺ ميزانًا للأدب: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي». رواه البخاري (٦٣٤٠) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٧٣٥) بلفظ قريب[24]. فالمشكلة ليست في الباب المغلق، بل في اليد التي تملّ من الطرق. وتبقى الإجابة، كما رأينا عند ابن عاشور في آية النمل، «بحسب ما يقتضيه حال الداعي»، لا بحسب ما يشتهيه عجلُه.

وفي هذا المعنى حديثٌ يُروى عن سلمان في الحياء: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». رواه أبو داود (١٤٨٨)، وهو معروض بحكم «صحيح» عند الألباني، بينما رواه الترمذي (٣٥٥٦) وقال: «حسن غريب»، وضعّفه محققو دار السلام، فلا أطلق القول في صحته وأكتفي بالإشارة إلى الاختلاف[25].

من صاحب الحاجة إلى صاحب الحاجة

وفي كتب التفسير حكايةٌ تحمل الدرس كله، أوردها ابن كثير عند تفسير آية النمل: طلب أحدهم من طاووس أن يدعو له، فقال: «ادع لنفسك، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه»[26]. لا أُثبت الواقعة من جهة التاريخ، فأنا أنقلها كما أوردها المفسر، لكن معناها واضح: لا واسطةَ بين المضطرّ وربه. والدعاء ليس مهنةً يتخصص بها بعض الناس، بل هو شأن كل عبدٍ يعرف حاجته.

وتطبيقُ هذا في التربية يبدأ بأن نعلّم أبناءنا وطلابنا أن الدعاء ليس قائمة طلبات، فهو أولًا إقرارٌ بالربوبية، كما فعل يونس. وأن نعلّمهم أنه يقترن بالإخلاص، لا بالانفعال العابر، كما في مشهد الفلك. وأن له أدبًا في الصوت والقلب: تضرعٌ وخشوع، وخوفٌ ورجاء. وأن الاستجابة لله، بالطاعة، مقدّمةٌ عملية على انتظار استجابته، كما في آية البقرة. وأن المؤمن يدعو ولا يعجل، ويثق أن ربه أقرب إليه من عنق راحلته. ومن فهم هذا لم يعد يرى في الدعاء وسيلةً لتحصيل المطلوب فحسب، بل رأى فيه موضعًا للقاء.

خاتمة

اتسعت الكلمة في القرآن حتى جمعت في جذرٍ واحد نداء الداعي وإجابة المجيب، وسؤال الحاجة وعبادة الافتقار، وهمس زكريا وصمت يونس واضطرار الراكب في الفلك. وفي القرآن أن الله يقول: «ادعوني»، فيجعل للعبد باب السؤال مفتوحًا، ثم يجعل تركه استكبارًا. اللهم إنا ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا، وعلّمنا كيف ندعوك: بقلوبٍ خاشعة وألسنةٍ صادقة، وبلا عجلةٍ ولا ملل، ولا تجعلنا ممن إذا نجّيتهم أشركوا، بل ممن قالوا في ظلماتهم: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.


الهوامش

  1. مدوّنة القرآن اللغوية، corpus.quran.com، صفحة جذر «د ع و» (qurandictionary.jsp?q=dEw)؛ والتفصيل بين الأفعال والأسماء من جمعي لأرقام الصفحة، واستثناء «أدعياءكم» و«أدعيائهم» من قراءتي لقائمتها. [2]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «دعا» (نسخة المكتبة الشاملة، الصفحتان ٢٩٧-٢٩٨). [3]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «دعو» (٢/٢٨٠). [4]: مدوّنة القرآن اللغوية، جذر «ن د و» (q=ndw)، والمواضع المذكورة: ١٩:٣، ٢١:٨٣، ٢١:٨٧. [5]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير مريم ٣. [6]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير غافر ٦٠. [7]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير غافر ٦٠. [8]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير غافر ٦٠. [9]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير غافر ٦٠. [10]: رواه أبو داود (١٤٧٩) والترمذي (٣٣٧٢ و٢٩٦٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما؛ وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». [11]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير غافر ٦٠؛ والآية المستشهد بها: الأنعام ٤١. [12]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير البقرة ١٨٦. [13]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير البقرة ١٨٦. [14]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير البقرة ١٨٦، وفيه عن مجاهد: «الاستجابة: الطاعة». [15]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير البقرة ١٨٦. [16]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأعراف ٥٥. [17]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأعراف ٥٥. [18]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الأعراف ٥٥. [19]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأعراف ٥٥؛ وابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير مريم ٣. [20]: الطبري، «جامع البيان»، وابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير العنكبوت ٦٥. [21]: القرطبي، وابن عاشور، تفسير النمل ٦٢. [22]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الأنبياء ٨٧، وفيه قول الحسن. [23]: ابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الأنبياء ٨٨. [24]: رواه البخاري (٦٣٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم (٢٧٣٥) بلفظ قريب. [25]: رواه أبو داود (١٤٨٨) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ ورواه الترمذي (٣٥٥٦) وقال: «حسن غريب»؛ وقد اختلف الحكم المعروض عليه بين صحيح وضعيف. [26]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير النمل ٦٢.↩
Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque