الإيثار في القرآن
أن تُقدِّم على نفسك ما هو أحقُّ بالتقديم
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ جائعًا، فبعث إلى نسائه يطلب له طعامًا، فقلن جميعًا: ما معنا إلا الماء. فقال ﷺ: «من يضمّ، أو يضيف هذا؟»، فقال رجلٌ من الأنصار: أنا. فمضى به إلى بيته، وهيّأ ما عنده، ثم أطفأ السراج وجعل هو وأهله يُريان الضيف أنهما يأكلان وما يأكلان، «فباتا طاويين». ثم قال النبي ﷺ: «ضحك الله الليلة ـ أو عجب ـ من فعالكما»، فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥٩:٩)[1]. بيتٌ فيه ظلامٌ وبطونٌ خاوية وضيفٌ شبعان، وسماءٌ تعجب. وكأن القرآن يريد أن يقول لنا إن أجمل ما في هذا المشهد ما لم يره الضيف.
وقد اختلف الناس في اسم صاحب البيت. فالطبري وابن كثير يسمّيانه أبا طلحة، وينقل القرطبي عن المهدوي والنحاس عن أبي هريرة أن الآية نزلت في ثابت بن قيس ورجلٍ من الأنصار يقال له أبو المتوكل[2]. أما الذي في صحيح البخاري فـ«رجلٌ من الأنصار» دون اسم. ولسنا نجزم باسمٍ؛ فاسم الرجل مجهولٌ في الرواية، لكن فعله مشهور في الدنيا والآخرة.
خمسُ مرات، لا أكثر
كلمة «الإيثار» على ألسنتنا اسمٌ لخُلُقٍ، لكنها في القرآن فعلٌ لا غير. فجذر «أ ث ر» يرد في القرآن إحدى وعشرين مرة، في أربع صيغ بحسب مدوّنة القرآن اللغوية: فعلٌ مجرّد مبنيٌّ للمجهول مرة واحدة، وفعلٌ رباعي «آثر» خمس مرات، واسم «أثر/آثار» أربع عشرة مرة، ومصدر «أثارة» مرة واحدة[3]. وليس منها كلها في باب الإيثار إلا الخمس. أما «يُؤثَر» في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٧٤:٢٤)، فمعناه يُروى وينقل، وأما «الآثار» فالرسوم الباقية، وأما «أثارة» في ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ (٤٦:٤) فبقيةٌ منه. معانٍ تتفرّق في جذرٍ واحد، والذي نحن بصدده فرعٌ منها هو الفعل «آثر» وحده.
وهذه الخمس هي: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ (١٢:٩١)، و﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا﴾ (٢٠:٧٢)، و﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ (٥٩:٩)، و﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٧٩:٣٨)، و﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٨٧:١٦). وفي هذا الجرد أمران لافتان: لا يرد اسم «الإيثار» مصدرًا في القرآن كله، وتأتي التعدية بـ«على» في ثلاثة مواضع (يوسف وطه والحشر) وبالنصب المباشر في موضعين (النازعات والأعلى). فالإيثار في القرآن حركةٌ تقع، لا صفةٌ تُدَّعى.
ما يقوله أهل اللغة
يقول الراغب الأصفهاني في مادة «أثر»: «والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان، ويستعار الأثر للفضل، والإيثار للتفضل ومنه: آثرته»، ثم يستشهد بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ وبـ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وبـ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾[4]. فجمع في عبارةٍ واحدة آياتٍ ثلاثًا مختلفة الفاعل والمفعول والمدح والذمّ، وعدّها كلها من باب «التفضّل»، أي التقديم والتفضيل. ويذكر الراغب في الباب نفسه الحديث الذي فيه «سيكون بعدي أثرة»، ويشرحه بأن يستأثر بعضكم على بعض، ثم يقول: «والاستئثار: التفرّد بالشيء من دون غيره». وفي تقديرنا أن الاستئثار على هذا الشرح قرينُ الإيثار من الجهة المقابلة: هذا يختصّ بالشيء لنفسه، وذاك يقدّمه لغيره.
وأما ابن فارس فيردّ المادة إلى ثلاثة أصول: «تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء لباقي»، وينقل عن ابن الأعرابي: «آثرته بالشيء إيثارًا، وهي الأثرة والإثرة»[5]. ويبدو لنا أن الأصول الثلاثة تطابق الفروع القرآنية: تقديم الشيء هو «آثر»، وذكره ونقله هو «يؤثر» في سحرٍ يُروى، ورسمه الباقي هو الأثر والآثار والأثارة. وهذا ربطٌ نقترحه ولم نقرأه نصًّا عند ابن فارس، فنقدّمه على أنه قراءتنا لا قوله.
معنىً واحد وفاعلون مختلفون
وهنا مفتاح الموضوع. إذا نظرنا في الآيات الخمس لم نجد خمسة معانٍ، بل معنًى واحدًا: اختيارُ شيءٍ وتقديمُه على غيره. وما يتغيّر في كل موضع هو الفاعل والمفعول. ففي سورة يوسف الفاعل هو الله والمفضَّل يوسف. وفي طه الفاعلون السحرة والمفضَّل المنفيّ فرعون. وفي الحشر الفاعلون الأنصار والمفضَّل (المحذوف لفظًا) إخوانهم المهاجرون. وفي النازعات والأعلى الفاعل الإنسان والمفضَّل الحياة الدنيا.
فليس الإيثار في القرآن «الكرم» وحده كما يشيع في اللسان، بل هو فعل التفضيل مجرّدًا، وقيمته من وجهة مفعوله. قد يكون مدحًا كما في الحشر، وقد يكون ثباتًا على الحق كما في طه، وقد يكون ذمًّا كما في النازعات والأعلى، وقد يكون اعترافًا بفضل الله كما في يوسف. وهذا استنباطٌ منّا من الجرد لا نصٌّ عن أحد، لكن الآيات تدلّ عليه: الفعل واحد، فاسأل عن المفعول.
«لقد آثرك الله علينا»
نبدأ بأولها ترتيبًا في المصحف. إخوة يوسف وقد وقفوا بين يديه، وقد قال لهم: أنا يوسف وهذا أخي. ويروي الطبري عن السدي أنهم حين سمعوا ذلك اعتذروا إليه[6]. فقالوا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (١٢:٩١).
فسّر الطبري «آثرك» بقوله: «لقد فضّلك الله علينا وآثرك بالعلم والحلم والفضل». وفسّره ابن كثير بأنهم يقولون معترفين له «بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق، والسعة والملك، والتصرّف والنبوّة أيضًا - على قول من لم يجعلهم أنبياء»[6]. ومن اللطيف أن «الأثرة» في عبارة ابن كثير ليست الاستئثار الذي يذمّه الحديث، بل هي التفضيل المحمود، فالمعنى واحد هو التقديم والتفضيل، وإنما اختلف من يقدِّم ومن يُقدَّم.
وفي الآية درسٌ يتجاوز لفظها: الذين وقفوا هذا الموقف يقرّون أن الله اختار غيرهم. لم يقولوا «غلبتنا» ولا «ظلمتنا الأقدار»، بل «آثرك الله». وهذا أول معاني الإيثار في القرآن: أن الله يؤثر من شاء بما شاء، وأن العبد الصادق يقرّ بذلك ولا ينازع، ولو كان على نفسه. وقد جعله ثمرةً لاعترافٍ بالخطأ: «وإن كنا لخاطئين».
«لن نؤثرك»: إيثارُ الحق على الأمر الواقع
ثم نقف في مصر نفسها، لكن في قصر فرعون لا قصر يوسف. السحرة يُلقَون ساجدين وقد آمنوا بربّ هارون وموسى، ويتوعّدهم فرعون بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والصلب في جذوع النخل. فيقولون: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢٠:٧٢).
قال الطبري: «لن نؤثرك فنتبعك ونكذّب من أجلك موسى على ما جاءنا من البينات»، فجعل الإيثار اتباعًا. وقال ابن كثير: «لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين… لا نختارك على فاطرنا وخالقنا»، فجعله اختيارًا. وكلاهما يفسّر «نؤثرك» بمعنى تقديمك على البينات[7]. ويحتمل «والذي فطرنا» وجهين ذكرهما الطبري وابن كثير معًا: أن يكون قسمًا، أو معطوفًا على «البينات». وعلى الوجهين يبقى الفعل نفيًا لتفضيل فرعون على الحجة وعلى الخالق.
والمفارقة هنا أن الإيثار ورد منفيًّا، وأن النفي نفسه موقف. فالسحرة قالوا «لن» تحت تهديد القطع والصلب، وبرّروا ثباتهم بحجةٍ بسيطة: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ويشرحها الطبري بأنك لا تقدر أن تعذّبنا إلا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى. ثم يقولون بعدها: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (٢٠:٧٣). والعبارة نفسها «خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ» ستعود بعد حين في سورة الأعلى في الحديث عن الآخرة. وكأن هؤلاء السحرة فهموا مبكرًا ما سيعاتب القرآن الناس على تركه.
حين يؤثر الإنسان ما يفنى
وعلى الضفة الأخرى من هذا المعنى يأتي الذمّ: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (٧٩:٣٧-٤١). قال الطبري في «وآثر الحياة الدنيا»: «وآثر متاع الحياة الدنيا على كرامة الآخرة، وما أعدّ الله فيها لأوليائه، فعمل للدنيا، وسعى لها، وترك العمل للآخرة». وقال ابن كثير: «قدّمها على أمر دينه وأخراه».
وفي الأعلى يخاطب القرآن الناس لا فردًا بعينه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (٨٧:١٤-١٧). يقول الطبري: «بل تؤثرون أيها الناس زينة الحياة الدنيا على الآخرة»، ويروي عن قتادة: «فاختار الناس العاجلة إلا من عصم الله». ويقول ابن كثير: «تقدّمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم»[8].
ومما يُروى في هذه الآية أن عرفجة الثقفي استقرأ ابن مسعود سورة الأعلى، فلما بلغ «بل تؤثرون الحياة الدنيا» ترك القراءة وأقبل على أصحابه فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة. أورده الطبري بسنده، ولم نقف على حكمٍ لإسناده، فنذكره شاهدًا على كيف سمع السلف الآية لا حجةً في الحكم[9]. لكنّ الجميل في الأثر أنه يرينا الإيثار المذموم كما يراه من يقرأ الآية: لا كأنه خطابٌ لغيره، بل كأنه خطابٌ إليه هو.
وتلفت النظر مقابلةٌ بين ما في سورة الأعلى وما في سورة الحشر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (٨٧:١٤) و﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥٩:٩). الفلاح عند من تزكّى، وعند من وُقي شحّ نفسه. وهي ملاحظة نقرؤها من النصين ولم نجدها منقولة نصًّا، فنقدّمها اجتهادًا.
«ويؤثرون على أنفسهم»: ماذا تقول الآية؟
نعود إلى الآية المركزية، ونقرؤها كاملةً: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥٩:٩).
تأمّل ترتيبها: حبٌّ في القلب أولًا («يحبون من هاجر إليهم»)، ثم خلوّ الصدر من الطلب («ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا»)، ثم الإيثار بالفعل («ويؤثرون»)، ثم الشرط الصعب («ولو كان بهم خصاصة»)، ثم العلاج («ومن يوق شح نفسه»). ولو أردنا أن نصف الإيثار بمراحله لما زدنا على ما في الآية.
وقد اختلف المفسرون في بعض ألفاظها. ففي «حاجة» روى الطبري عن الحسن أنها الحسد، وفي القرطبي احتمالٌ آخر يتصل بقلّة ما يُعطَون فهم يقنعون به. وأما «يؤثرون» فمفعوله محذوف، قال القرطبي: «ومفعول الإيثار محذوف»، وقال ابن عاشور: «ولم يذكر مفعول يؤثرون لدلالة قوله: مما أوتوا عليه». وفي ذلك لطيفة: ولعلّ في ذلك سعةً، فلم يقل «يؤثرون إخوانهم» فلا تنحصر الصورة في صنفٍ بعينه (وهذا من فهمنا)[10].
ويعرّف القرطبي الإيثار بأنه «تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، ورغبةً في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة». فجعل له أصولًا ثلاثة في القلب: يقين يطمئن، ومحبة تدفع، وصبر يتحمّل. ويعرّفه ابن عاشور بأنه «ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة»، ويراه «أعلى درجةً مما أفاده قوله: ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا». وعند ابن كثير أن هذا المقام «أعلى من حال الذين وصف الله بقوله: ويطعمون الطعام على حبه»، لأنهم «يقدّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك». فبين الصدقة والإيثار فرق ما بين أن تعطي من فضلك وأن تعطي من حاجتك[10].
وتلاحظ بين هذه المواضع الخمسة أن هذه هي الآية الوحيدة التي يكون فيها المفضَّل عليه هو النفس: «على أنفسهم». في يوسف المفضَّل عليه الإخوة، وفي طه الحجج، أما هنا فالإنسان يزاحم نفسه ويقدّم عليها. وهذا أشق أنواع التفضيل، لأن الخصم هو الذي بين الجنبين.
شحُّ النفس وفلاحها
ثم تختم الآية بما يجعل الإيثار أمرًا ممكنًا: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. والفعل مبنيٌّ للمجهول، وفي ذلك إشعارٌ، بحسب قراءتنا، بأن الواقي ليس صاحب النفس وحده. قال ابن كثير: «من سلم من الشحّ فقد أفلح وأنجح».
واختلفوا في الشحّ. فالطبري يقول: «والشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال… وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق»، وينقل عن ابن مسعود: «إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل». وينقل ابن عاشور عن الطيبي أن «الفرق بين الشحّ والبخل عسير جدًّا»، ثم يقول: إن «البخل أثر الشحّ». فالشحّ على ما يقوله ابن عاشور أصلٌ في النفس والبخل أثرٌ يظهر منه[11].
وأقرب ما نقرؤه من هذا الخلاف أن القرآن ربط الإيثار بعلاج الشحّ لا بتوفّر المال. فالأنصار لم يكونوا أغنياء يعطون من الفائض، والآية تفترض أن يكون بهم «خصاصة»، قال الطبري فيها: «حاجة وفاقة». فالمعيار إذن ليس الكثرة بل الصدر: صدرٌ وُقي من الشحّ فسعه أن يقدّم، وصدرٌ لم يوقَ ضاق ولو كانت الدنيا في يده.
الأنصار: وجه الآية في التاريخ
ولم تبقَ الآية فكرةً. فقد روى الطبري وابن كثير في سياقها أن النبي ﷺ لما أراد أن يقطع للأنصار من البحرين قالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، وفي رواية الطبري قال لهم ﷺ: «فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر»، فقالوا: نعم[12]. وقد أشار ابن عاشور إلى أن أصل القصة «في الصحيح» دون رقم، ولم يتيسر لنا الوقوف على رقمه، فنذكره بحسب ما نقله هؤلاء المفسرون.
وفي هذا كله لا ينبغي أن نغفل أن الله وصفهم بأنهم «تبوّءوا الدار والإيمان»، فهم أهل الدار. ومع ذلك آثروا من وفد إليهم. وهنا ترى الإيثار كما يقدّمه القرآن: لا تضحية من لا يملك شيئًا، بل بذل من يملك أرضه وبيته وقوته، وقد يحتاج إليها.
ما الذي يجمع الآيات الخمس؟
نعود فنقرأ الآيات معًا. الله آثر يوسف بالعلم والحلم والفضل، فالتفضيل هنا هبة إلهية. والسحرة رفضوا أن يؤثروا فرعون على البينات، فالتفضيل هنا ثبات. والأنصار آثروا إخوانهم على أنفسهم، فالتفضيل هنا بذل. وآخرون آثروا الدنيا على الآخرة، فالتفضيل هنا خسارة. والفعل في المواضع كلها هو هو.
فما يعلّمنا القرآن هنا في تقديرنا أن حياة الإنسان كلها قائمة على سؤال واحد: ماذا تؤثر؟ وأن الإيثار ليس ميزة الأتقياء وحدهم، بل هو فعل كل إنسان في كل يوم، لا يخلو منه أحد. فمن لم يؤثر الغير على نفسه آثر نفسه، ومن لم يؤثر الآخرة آثر الدنيا. والمختلف بين الناس مفعول الإيثار لا وقوعه. وهذا فهمٌ نستخلصه من الجرد، وليس قولًا منقولًا عن أحد.
ولهذا قد يكون القرآن أراد بالحديث عن إيثار الله ليوسف أن يعلّمنا أن الله نفسه يؤثر عبده بما لا يؤثر به غيره، وأن أجمل الإيثار البشري أن يكون صدى لهذا الإيثار الإلهي: كما آثرك الله بنعمة، فآثر بها غيرك على نفسك. وهذا أيضًا من باب التأمل لا النقل.
في بيوتنا ومدارسنا
ويحسن أن نفرّق بين إيثارٍ يربّي وإيثارٍ يُهمل الواجب. ولا نعني بالإيثار أن يُهمل المرء حقوق من يعول، فضيف الأنصاري كان ضيفًا ساقه إليهم النبي ﷺ، وقصة الصبر على الجوع كانت لحظةً لا منهجًا لحياة. فالآية لا تدعو إلى ترك الواجب، بل إلى أن تتّسع النفس لمن يزاحمها في الواجب.
وللمربّي مداخل عملية من الآية نفسها. فليبدأ بتعليم الطفل أن «الحبّ» يسبق «العطاء»، فالأنصار أحبّوا أولًا ثم آثروا. وليعلّمه أن يسأل نفسه في كل اختيار: ماذا أؤثر هنا؟ فالسؤال أعمق من «ماذا أريد؟». وليحذر أن يمدح الإيثار الظاهر وهو يربّي الاستئثار الخفيّ، فنحن نقول «تقاسموا» ونفرح حين يأخذ أبناؤنا أكبر نصيب. ولنتذكر أن الاستئثار قرين الأثرة كما يشير الراغب. وليتذكر الجميع أن الشحّ يُوقى، وأن الوقاية يطلبها العبد من الله كما يطلبها من نفسه.
وفي الحياة العامة تتكرر الصورة بأشكالٍ شتى: مقعدٌ في قاعة ينتظره غيرك، ومنصبٌ تتنازل عنه لمن هو أولى، ووقتٌ تقتطعه من راحتك لمن يحتاجك، وحقٌّ تتركه حين لا يضيع به حقّ أحد. وأعلى منها أن تؤثر الحق على من تحب أو من تخاف، كما فعل السحرة.
خاتمة
ثلاثة مشاهد تكفي لتذكّرنا: بيتٌ مظلمٌ على مائدة تُوهم بالأكل، وسجدةُ سحرةٍ تحت سيف فرعون، وإخوةٌ يقرّون ليوسف بأن الله آثره عليهم. الأول بذل، والثاني ثبات، والثالث اعتراف، وفعلها واحد. فاللهم لا تجعلنا ممن آثر عاجلةً فانية، ولا ممن أمسك يده حين دُعي إلى البذل، وقِنا شحّ أنفسنا، وارزقنا اليقين الذي يبذل والمحبة التي تدفع والصبر الذي يتحمل. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥٩:١٠).
الهوامش
- رواه البخاري (٣٧٩٨)، كتاب مناقب الأنصار، «باب: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة»، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي آخره نزول الآية؛ ورواه مسلم (٢٠٥٤) بنحوه بلفظ «إني مجهود»، وفيه: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة». ورواية مسلم المعروضة لا تذكر نزول الآية ولا اسم الأنصاري. [2]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الحشر ٩ (يروي الطبري تسميته أبا طلحة من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، ويقول ابن كثير: «وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة»)؛ والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الحشر ٩، حيث ينقل عن المهدوي والنحاس عن أبي هريرة نزولها في «ثابت بن قيس ورجل من الأنصار… يقال له أبو المتوكل». [3]: بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com) يرد الجذر «أ ث ر» إحدى وعشرين مرة: «يُؤْثَرُ» (٧٤:٢٤) مرة، و«آثَرَ» الرباعي خمس مرات (١٢:٩١، ٢٠:٧٢، ٥٩:٩، ٧٩:٣٨، ٨٧:١٦)، و«أَثَر/آثار» أربع عشرة مرة، و«أَثَارَة» (٤٦:٤) مرة، والمجموع ٢١. [4]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «أثر» (المكتبة الشاملة). [5]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «أثر» (المكتبة الشاملة)، وفيه نقل قول ابن الأعرابي. [6]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير يوسف ٩١ (رواية السدي عند الطبري). [7]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير طه ٧٢. [8]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير النازعات ٣٨ والأعلى ١٦. [9]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الأعلى ١٦، بإسناده (حدثنا ابن حميد… عن عرفجة الثقفي). ولم نحكم على إسناده. [10]: الطبري وابن كثير والقرطبي وابن عاشور، تفسير الحشر ٩. [11]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، وابن عاشور، «التحرير والتنوير»، تفسير الحشر ٩. [12]: الطبري، «جامع البيان»، وابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الحشر ٩؛ وإشارة ابن عاشور إلى أن القصة «في الصحيح».↩
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.