A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى

خاطرة الفجر (٢١٩)

Dr. Ahmed Abouseif•٢ يناير ٢٠٢٦•6 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٢ يناير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

شيخنا جعلنا نرى اليوم سورة الشورى بشكلٍ مختلف، لكني توقفت عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾[1]

البسط والبغي

كلمة «بَسَط» تفيد أن هناك فتحًا غير محدود، وأنك على مدّ البصر يمكن أن تجد بين يديك رزقًا، وأن هذا مبدئيًّا لا يعجز ربّ العالمين سبحانه. ومن آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ۝ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾[2]. وقدرته سبحانه يفعل بها ما يشاء في ملكه وخلقه. فبسط الرزق ليس مسألة تُعجز ربّ العالمين، بل هو هيّنٌ عليه سبحانه.

طيب، لماذا لا يعطي كل الناس كل ما يريدون؟ هنا تتوقف لحظة لتراجع نفسك: ما الذي يؤلمك؟ سترى أن أكثر ما يؤلمك أنك لا تحصل على ما تريد؛ وأكثر ما يؤلم الناس أنهم لا يحصلون على ما يريدون. لكن ربنا سبحانه يخبرنا بشيءٍ في منتهى الدقة، ويجعلك تقف أمام منتهى العبرة، فيقول: ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾. لماذا اختار لفظ البغي تحديدًا؟ لماذا لم يقل مثلًا: لأفسدوا، أو لظلموا؟ لأن البغي مبتداه النفس؛ هو نوعٌ من التعدّي، سيتجاوزون حدود الله تبارك وتعالى، لكن هذا التجاوز مبدؤه من داخل النفوس. فأول ما يتغيّر في الناس عند وجود النعمة نفوسُهم. تجد الإنسان فقيرًا متواضعًا هيّنًا ليّنًا طيّعًا خدومًا، يده في أيدي الناس، تأتيه نعمة فجأة فإذا هو شخص آخر؛ يتكلم معك من أنفه، ينظر إليك من أعلى، لا يحدثك إلا بكذا. الله أكبر، ما الذي حدث؟

أمثلة من حياتنا

من الأمثلة المشهورة جدًّا في حياتنا هنا في أمريكا أن بعض إخواننا وأخواتنا يكونون على أحسن حال فيما بينهم كأزواج في بلادهم، فإذا جاؤوا إلى أمريكا فكيف يكون الحال؟ ترى الرجل ينفلت أحيانًا، نسأل الله السلامة والعصمة والعافية والرحمة واللطف يا ربّ العالمين. فترى صاحبنا ينفلت؛ الدنيا مفتوحة ولا يوجد رقيب. بسط الله الرزق. تقول لي: أهذا رزق؟ أقول: قصدنا في القصة الإعطاءَ في ذاته: ﴿لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾، فقد تغيّرت نفسيته. وهذا يفعل معصية. لكن انظر إلى زوجته، فترى أنها نفسيًّا تغيّرت واستقوت على الرجل، وصار لها شوكة، وصارت تقدر على أن تتصل بالشرطة (٩١١)، فعندها القدرة على أن تستنصر عليه وعلى عيالها بالشرطة مثلًا. ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾.

وصاحبنا كان صاحب صلاة يؤديها في أوقاتها وفي المسجد وفي جماعة، فلما فُتحت له الدنيا اغترّ بها وترك الطاعة، بل تطوّر الحال معه حتى بدأ يشرب المخدرات مثلًا أو ينغمس في معصية ما، أو بدأ يغشّ في تجارته وبيعه لأنه يريد مزيدًا من الأموال.

لماذا «لعباده»؟

وأتوقف عند كلمة ﴿لِعِبَادِهِ﴾: لماذا لم تكن «لعبيده» مثلًا، أو «للناس»؟ اختيار لفظ العباد دون العبيد أو لفظٍ آخر لمزيدٍ من تقريب هؤلاء الناس إلى الله سبحانه وتعالى. أنت تتخيّل مثلًا أنك لا تعطي مزيدًا من المال لابنك؛ ابنك يسألك: أعطني مالًا، فتقول له: لا، كفاية كده. فيقول لك: لماذا؟ فتقول: يا ابني، كل هذا المال في الآخر لمن؟ لك. كل ما تدّخره إنما هو لعيالك من بعدك. فتقول له: أنا لا أمسك عنك لأنك بعيدٌ عني، وإنما أمسك عنك لأنك ولدي. فصارت صلة القرابة هي المانع لك من إعطائه. كيف ينفع هذا الكلام؟ طبعًا، لأنك خائف عليه. ولو كان شخصًا آخر لأعطيته، فالمسألة لا تُعجزك، لكنك تخشى عليه من انفلات الحال، ومن اضطراب الضمير، ومن تخريب نمط الحياة. فتمسك عنه، وتجعل ما بين يديه يصدر بقَدَر، لا يخرج إلا بالنزر اليسير؛ تريده أن يمسك مالًا قليلًا وأن ينفق قليلًا حتى تبقى نفسه مستقيمة.

فلما يقول سبحانه: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ دلّ ذلك على مزيد من قربنا منه سبحانه، وأنه حين يمسك عنك لا يمسك لتقتيرٍ عليك، وإنما لشفقةٍ عليك ورحمةٍ بك ولطفٍ بك وعنايته عز وجل بك. فإذا رأى أحدنا نفسه صاحب نعمة قليلة، أو لا يحصل على الزاد المطلوب له نفسيًّا وذاتيًّا، فليعلم أن ذلك من الله لطف، وأن هذه النعمة القليلة قد يودعها ربُّها سبحانه بركةً تغنيه عن كثيرٍ مما في يد غيره.

مثالٌ آخر: رجل يتقاضى القليل، وآخر يتقاضى الكثير. من منهما أكثر؟ لكن الأول، صاحب القليل، له زوجة راضية مرضيّة، نفسها طيبة، تقنع بما في يدها، وتحسن تدبير أمور البيت، لا تُسرف فيما تنفقه يدها ولا فيما ينفقه عيالها؛ فإذا به في آخر الشهر يجد بين يديه فائضًا. وصاحب الكثير زوجته على النقيض، فتحمله على أن يقترض فوق ما يكسبه. وطول الشهر ينظر صاحب القليل إلى أصحاب الآلاف ويقول: لو أن عندي مثل ما عنده لكنتُ وكنتُ، لكنه لا يعلم أن ربّ العزة سبحانه أكرمه من ناحية أخرى بعطاء لم يُكرم به أحدًا من كل هؤلاء، وأن الفارق في الأرقام فقط.

﴿وَلَٰكِن يُنَزِّلُ﴾

يقول ربنا: ﴿وَلَٰكِن يُنَزِّلُ﴾. لما أسمع كلمة «ينزل»؛ الإنزال هذا من أين إلى أين؟ من اليمين إلى الشمال، أم من الأعلى إلى الأسفل؟ ففهمتُ أن الرزق لا يأتي من أيدي الناس، وإنما يأتي من الله سبحانه وتعالى. وبقدر ثقتك في المعطي يكون رضاك بما يعطي. أنا واثق تمامًا أنك حين أخرجتَ من جيبك الآن كذا لي أنك لن تبخل علي، وأنك تحبني وتريد صالحي وتشفق علي؛ فما أتيتَني به رضيتُ به. فإذا عرفت أن الرزق لا يأتي من قِبَل الناس وإنما يتنزّل، ﴿وَلَٰكِن يُنَزِّلُ﴾، فهمتَ أن العطاء من الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، الذي لا يبخل على عباده ولا يقتّر عليهم، وإنما يعطيهم بما فيه صالحهم.

المريض والطبيب

المريض الموجود في المستشفى لا يأكل ما يشتهي، وإلا صار وجود الطبيب عبثًا. وتجد الطبيب أحيانًا يسأل الزوجة التي تدخل عند المريض، أو أولاده، ويقول: لو سمحتم أرى ما الذي معكم؟ هو لا يفتّش عن مخدرات هنا، وإنما يفتّش عمّا هو أشدّ، والعياذ بالله؛ كسرة خبز إذا أكلها مات. فلك أن تتخيّل أن ربّ العزة سبحانه حين يقول: ﴿بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾، فالقضية أننا ننظر إلى هذا التقدير باعتبار ما يأتي، ولا ننظر إلى محلّ العطاء. أنت الآن في هذه الحالة لا تصلح أن تشرب كأس ماء تضرّك. أنا في المشفى طريح الفراش، يأتي الطبيب يعطيني غذاءً لا يصلح معه كوب ماء، يقول: إياك أن تشرب هذه الكمية كلها، فقد تدمّر كل ما صنعنا؛ كأس ماء، نعم! فإذا نظرتُ إلى وعاء الاستقبال فهمتُ أني لا أصلح لهذا الكمّ في هذه المرحلة. فعطاء ربي يناسبني أنا، وليست القلة في الآتي، وإنما عدم القدرة في المُعطى.

فيقول ربنا: ولو بسط الله الرزق بأنواعه؛ رزق الأمن، ورزق الطمأنينة، ورزق العافية، ورزق الأفكار والعقل، ورزق القدرة على التحدث، ورزق الجمهور والمستمعين؛ فأرزاق الله بأنواعها الكثيرة في الحياة: ﴿لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. سبحانه لم يقل: إنه بما يُعطي خبير؛ فليست القصة أصلًا في الأرقام التي تأتي، فهي هيّنة على الله أن يعطيها لمن شاء، بيده خزائن السماوات والأرض. الثروة الكبيرة التي تحلم بها أمرها على الله هيّن، ولكن الله بعباده، بمحلّ التلقّي، خبير بصير؛ يعلم أيصلح معك هذا أم لا يصلح معك.

الرضا والشكر

خلاصة المسألة: الحمد لله على كل ما في أيدينا. والعبرة أن تنظر إلى النعمة التي بين يديك بعين الرضا والقَبول والحمد والامتنان لربّ العالمين، أعطاني أو منعني. ولذلك ترى أن مما نحدّث به عن ربّ العالمين أنه القابض الباسط؛ فهمتُ كيف أشكر ربي على أنه يبسط الرزق، لكنه يقبض، وأشكره على ذلك أيضًا، نعم، لأن القبض في محلّه وفي وقته. وهو الخافض الرافع المعزّ المذلّ، سبحانه جل في علاه.

أسأل الله العليّ القدير أن يرضينا بما آتانا، وأن يبسط لنا من رزق العافية في الإيمان كما يبسط لنا رزق العافية في الأبدان والأموال والأحوال، وأن يكتب الخير لنا وأن يمنّ علينا بمزيد من الرضا والطمأنينة. سلّم الله قلوبكم، وحفظ عافيتكم، وأدامكم على طاعته وأمنه، بارك الله فيكم، جزاكم الله خيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: الشورى: ٢٧. [2]: توثيق المحرر: الشورى: ٣٢–٣٣. ذكر المتحدث الآيتين استشهادًا على قدرة الله، وفي التفريغ اضطراب في ختام الكلام عن الآية الثانية فاقتُصر هنا على ما استقام.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque