A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Conceptos de la Fe

نداءات الإيمان ٢: المرجعية الشرعية ثم الاستعانة بالصبر والصلاة

نداءات الإيمان في القرآن الكريم (٢): المرجعية الشرعية ثم الاستعانة بالصبر والصلاة

Dr. Ahmed Abouseif•٢٩ مارس ٢٠٢٦•14 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ٢٩ مارس ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بدأنا حديثًا حول النداءات الإيمانية في القرآن الكريم، أي متى نادى ربُّ العالمين سبحانه وتعالى الناس بقوله: «يا أيها الذين آمنوا». وتذاكرنا في اللقاء الماضي أهمية النداء.

لماذا ينادي المتكلم؟

قلنا إن النداء يحصل عندما يكون ثمة نوعٌ من التعظيم، أو نوعٌ من التقليل، أو نوعٌ من الخطاب لأهمية المخاطَب به. فإما أن يكون المخاطَب مهمًّا، وإما أن يكون معاقَبًا أو معاتَبًا أو محذَّرًا؛ فإما رفعٌ لشأنه وإما تقليلٌ منه. وإما أن ننادي لا بسبب المخاطَب وإنما بسبب الخطاب نفسه: فالمادة التي نريد أن نعطيها تستلزم مزيدًا من التنبّه، فننادي، فيلتفت الإنسان إلى ما يُلقى إليه.

أنواع الخطاب في القرآن

أنواع الخطاب في القرآن الكريم لا أحصيها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «يا أيها الناس»، «يا أيها الذين آمنوا»، «يا بني آدم»، «يا أيها الإنسان». وهناك نداءات خاصة بالنبي محمد ﷺ، عندما يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ إلى آخره.

«يا أيها الإنسان». ترى من البداية أن ربَّ العالمين سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان عندما يكلّمه في ملكاته الداخلية ومصيره وتقريره. ويخاطبه الله تبارك وتعالى عندما يريد أن يصلح فيه شيئًا ذاتيًّا في عمق هذا الإنسان، في داخله. فترى مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، وهكذا.

«يا أيها الناس». ثم تنتقل، فإذا «يا أيها الناس»: متى يكلّم بها ربُّ العالمين سبحانه وتعالى الخلق؟ على سبيل المثال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾. والشاهد في القول: متى ينادي ربُّ العالمين الناسَ في جملتهم؟ يخاطبهم الله تبارك وتعالى عندما يضع قانونًا يضبط حركة الناس وحياتهم.

فإن قلتَ: هذا خطابٌ لأهل الإيمان أن يأكلوا الحلال؟ قيل: قد يُراد هنا الحلال التشريعي الإلهي التعبّدي، وقد يُراد ما أحلّه الله من التعامل فيما بين الناس مما لا تترتب عليه الضغائن بين الخلق. ومتى تترتب الضغائن بين الخلق؟ في حالات الغش والخداع، والسرقة، والاحتيال والنصب، وتبديل الحقائق. فهنا تتغير النفوس حتى لو لم تكن مؤمنًا؛ فهذا خطابٌ يناسب استقامة الحياة في ذاتها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ إلى آخره.

فإن قلتَ: إذا قال ربُّ العالمين في بداية القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فكيف يستقيم ما تقول مع مناسبة الآية؟ فأقول: إن أصل التعبّد مما لا تستقيم الحياة إلا به، فناداهم في بادئ القرآن بما تستقيم عليه حياتهم، أن يتعبّدوا. وإذا تعبّدوا أكلوا من الحلال. وإذا أكلوا من الحلال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾،[1] فيتحقق بين يديّ مسألةٌ أخرى، هي مسألة الصلات الاجتماعية والتنوّع المجتمعي والانتشار والتعارف والتكامل والتعاون إلى آخره. فإذا جمعتَ «يا أيها الناس» في القرآن الكريم ورأيتَ قسمة التناسب بينها، أي حاولتَ أن تربط بينها بهذا الشكل، خرجتَ بموضوع رائع جدًّا.

«يا بني آدم». ثم تأتي بعدها: «يا أيها الإنسان»، «يا أيها الناس»، وبعد ذلك «يا بني آدم». متى يكلّم الله تبارك وتعالى بني آدم؟ عندما يكلّمهم في جذور مشتركة فيما بينهم، فهو سبحانه وتعالى يُشعرنا بمرجعية أمٍّ تجمع بيننا جميعًا، فيقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾. وعندنا في سورة الأعراف قبلها: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. فبماذا يكلّم الله تبارك وتعالى الناس هنا؟ يكلّمهم عن ستر العورات، يكلّمهم عن استشعار احترام آدمية هذا الإنسان؛ فكشف العورات فيه انتهاكٌ لحرمة بني آدم، بني آدم ككرامة وكإنسانية. ولذلك يقول ربُّ العالمين سبحانه وتعالى هناك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ﴾.[2] لاحظ أنه لم يقل «الإنسان»، بل قال: «ولقد كرّمنا بني آدم». فلما كان الأمر مرتبطًا بكرامة ذلك الإنسان ومكانته ومنزلته واستحقاقه، ربطه ببني آدم المكرَّم، بآدم المكرَّم؛ ولما كانت المسألة علاجيةً في داخل النفس، ربطها بذلك الإنسان.

«يا أيها الذين آمنوا». ثم ننتقل، فنحن إذن أمام «يا أيها الذين آمنوا». هؤلاء الذين آمنوا التقَوا حول غاية وحول هدف، وما هو هذا الهدف؟ الهدف هو ما آمنوا به؛ فما اجتمعوا حوله من قضية وهدف يُسمَّون بسببه أو يُنادَون بسببه: «يا أيها الذين آمنوا». هذا مختصر بسيط جدًّا، وقد تكلّم العلماء في ذلك كلامًا طويلًا وكثيرًا جدًّا، وأسهبوا في ذكر الروابط بين المتشابهات في النداءات القرآنية.

أول نداء: لا تقولوا راعنا، ومعنى المرجعية الشرعية

أول نداء في القرآن، كما تحدثنا عنه في اللقاء الماضي، قول ربِّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وذكرنا أن ربَّ العزة سبحانه وتعالى إنما يعلّم الناسَ التأدّب مع المرجعية الشرعية. ومن هي؟ النبي محمد ﷺ. فهو المبلِّغ عن ربِّ العزة سبحانه وتعالى: مبلِّغٌ عن ربِّ العالمين لفظًا ومعنًى في القرآن، ومبلِّغٌ عن ربِّ العالمين معنًى دون لفظ في الحديث الشريف.

وتقول لي: ما الدليل؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾. هنا نقف أمام الحديث الشريف: ألفاظه ليست حرفًا من ربِّ العزة سبحانه وتعالى، وإنما رُوي أن روح القدس نفث في رَوْعه أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها. فالنص اللفظي هنا ليس لفظ ربِّ العزة سبحانه وتعالى، وإنما هو المعنى الذي أوحاه ربنا إلى النبي محمد ﷺ، فاستقرّ في نفسه فحدّث به الناس. اتفقنا؟ فنقول ثانيةً: النبي ﷺ يعبّر عن ربِّ العزة سبحانه وتعالى لفظًا ومعنًى، ويعبّر عن ربِّ العالمين سبحانه وتعالى معنًى دون لفظ، وكلٌّ يمثّل بالنسبة لنا مرجعية.

ومن ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. فعندنا أمرٌ بعدم التقديم بين يدي النبي، وأمرٌ بعدم رفع الصوت فوق صوته، وأمرٌ ألّا نبدّل الألفاظ التي تحدّث بها النبي: لا تقولوا «راعنا» وقولوا «انظرنا».

سؤال: لماذا في أول القرآن وفي أواخره؟

وهنا سؤال: إذا كان الأمر بهذا الترتيب، فلماذا أتت هذه الآية في أول القرآن، وأتت تلك الآيات في أواخر القرآن الكريم، في سورة الحجرات على سبيل المثال؟ وعندنا شواهد لذلك في مواطن أخرى من كتاب ربِّ العزة جلّ في علاه.

وجوابه أن ما ورد في أول القرآن الكريم من حيث السياق، في سورة البقرة تحديدًا، إنما يقع في صميم ما حدّث به ربُّ العالمين عن آفات بني إسرائيل ولَيِّهم للنصوص. ومن جملة لَيِّهم للنصوص تبديلُهم الكلمَ الذي يتحدث به رسول الله ﷺ، واستهزاؤهم بمقام النبوة، على سبيل الاستظراف، كما نقول بالمصري «بيستظرفوا» (يتظرّفون)، كأنهم يطلقون النكات. فنهى ربُّ العالمين سبحانه وتعالى عن مثل ذلك كله، فجاء الأمر الأول في النداء القرآني لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن ينضبطوا مع ما يسمى بالمرجعية الشرعية. لأن احترام هذه المرجعية، التي تمثلها رسالة السماء الواردة إلينا، يجعل الإنسان خاضعًا أمام هذا التشريع، ينظر ما الذي يتلقّاه، فما تتلقّاه يثبت في قلبك ويستقر في عقلك وينضبط عليه بدنك، مستجيبًا لترجمة العقل والشعور.

النداء الثاني: الاستعانة بالصبر والصلاة

ثم ننتقل. النداء الثاني في القرآن الكريم يحدثنا فيه ربُّ العالمين سبحانه وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

وعندي مسألة في غاية الأهمية، كل من يبحث في القرآن لا بد أن يهتم بها، هي مسألة السياق. السياق جملةٌ تحملك على أن تربط بين المتشابهات في كل موطن من مواطن الكتاب العظيم. فأنت أمام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وأمام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾، فما الذي يربط بينهما؟ من انضبط مع المرجعية لن يجد الحياة بعد ذلك هيّنةً سهلة، وإنما ستحيط به العقبات. فمن سلّم نفسه للمرجعية فلا بد أن يصبر على تبعات هذا الاتباع. فهمنا؟

إبراهيم عليه السلام: بناء البيت الداخلي ثم المجتمع

فتعالوا نتفرّج معًا، نقلّب صفحة في المصحف. نبدأ من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. هنا البناء الداخلي والمجتمع. إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، في هذا الخطاب القرآني يحدثنا ربُّ العالمين سبحانه وتعالى عن كيفية بناء هذه العقلية التي تمثلت في إبراهيم عليه السلام. كيف تمثلت؟ تمثلت في عقلية مسلمة تمامًا: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. ثم هذه العقلية المسلمة، من مزيد التسليم، تأهلت للقيام بـ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. وأول ما يبتدئ به ذلك الإمام القائد في بنيانه هو بناء الجانب التعبّدي في حياة الخليقة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.

هل ترى لذلك شبهًا؟ نعم، شبه ذلك في مقدم النبي ﷺ أولَ مقدمه إلى المدينة المنورة. فما الذي فعله أول شيء؟ بنى المسجد، حتى تكون للناس ليست فقط المرجعية اللفظية في «راعنا» أو غيرها، وإنما المرجعية الكلية التي يسجد الناس جميعًا فيها لربِّ العالمين سبحانه وتعالى، مؤتمّين بإمامهم الأول الذي هو رسول الله ﷺ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا. اتفقنا؟ فنحن إذن أمام بناء داخلي في داخل الأسرة، وبناء مجتمع.

ثم تمضي مع السياق فترى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. وهي قضية التوريث. وقد يقول لك أحدهم: أراد أن يؤمّن المجتمع داخليًّا، إيمانًا وأرزاقًا أيضًا؛ فدعا ربَّ العالمين سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ دعا ربَّه أن يؤمّن الناس في أرزاقهم وأقواتهم إلى آخره. وهذا أيضًا تصديقه أو تأييده في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، فآمن لهم الجانبين: جانب الأمن النفسي والداخلي والأمن حتى من الغوائل، ثم قضية الإطعام والإشباع.

تنتقل، فإذن: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾. ما القضية هنا؟ قضية توريث الديانة، وعدم إهمال الجيل الثاني بحيث يخرج إلى الحياة دون وعي ولا إدراك، فتضيع المسألة.

استطراد: كنائس معروضة للبيع، و«أخشى على الإسلام»

منذ لحظات، قبل صلاة العشاء، كنا فاتحين الشاشة على موقع نبحث فيه عن الكنائس المعروضة للبيع في أمريكا، على سبيل المثال. فسأعرض عليكم الشاشة، لو كان أحد يرى هذا المشهد: ترون النقاط الحمراء؟ تخيّل هذا المشهد: أنت تستطيع بمنتهى البساطة أن تدخل على موقعٍ متخصص وتبحث، فتجد عددًا هائلًا من الأماكن.

فلك أن تتخيل. كان عندي ضيف، وكنا نتكلم في الموضوع نفسه، فقال: والله أخشى على الإسلام. فقلت له: ألا تستحي أن تقول ذلك؟ ألا تستحي أن تقول: أخشى على الإسلام؟ يا أخي، استحِ، اتقِ ربك! أتقارن بين ما أُسِّس على باطل وبين ما أُسِّس على حق؟ ما أُسِّس على باطل من أصله لن تقوم له قائمة على مدّ الزمن، ولن يستقيم له ساق في عالم الحياة، وإنما يهوي إما بنفسه وإما بصانعيه؛ هذا فضلًا عن أنه غير مقنع.

ثم إن عندك الآن مساجد يصلّي فيها صلاة الجمعة الآلاف من المصلين. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فأيُّ حظٍّ لك بعد ذلك؟ ولكن بقيت مسؤولية الاستمساك بالدين والعضّ عليه وتوريثه لمن سيأتي من بعدنا، حتى لا يضيع في وسط هذه الملمّات. حتى أولئك الشباب الذين يأتون هنا، والله العظيم نؤمّل فيهم أن يكونوا قادةً ليس فقط للجالية المسلمة، وإنما قادةً للدنيا كلها. فما الذي تعوّل عليه أنت بفضل الله؟ فقط أن تبذل ما بين يديك من أسباب، وأن تحيط من حولك برعايتك وصيانتك، وأن تمدّ إليهم يد العون بكل ما تملك من طاقة وقوة، فحسب: البيت الداخلي مؤمَّنٌ بعقيدة صحيحة وتعبّد كامل، شرعه لنا ربُّ العزة سبحانه وتعالى إلى آخره.

فترى نفسك تمضي مع الآيات لترى أن إبراهيم، على سبيل المثال، إنما تلقّى التكليف فسلّم نفسه لذلك، وهو نموذج؛ ثم بنى البيت الداخلي، ثم بنى المجتمع وأمّنه بأركانه، ثم وصّى بها بنيه، ويعقوب من بعده يوصي بنيه، وهي قضية التوريث، توريث مسألة الديانة.

العقبات في طريق الدعوة: تحويل القبلة

تمضي مع الآيات، فنحن إذن أمام: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. أليست هذه هي الآيات التي تأتي بعد ذلك بالترتيب المصحفي؟ نحن نقلّب في الصفحات حتى لا نتذكر من رؤوسنا. وما الذي تمثّله بالنسبة لي في السياق الذي أدور فيه؟ تمثّل لي كمَّ العقبات التي ستواجهك وأنت تسير في مسيرة الدعوة التي سلّمتَ نفسك لها، منذ أن امتنعتَ عن قولك «راعنا» وقلتَ «انظرنا» و«اسمعوا»، ومرورًا برحلة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، متفاديًا كل الجرائر التي حدثت على يد بني إسرائيل وألسنتهم وانتهاكاتهم. ثم تمرّ، فإذا أنت أمام ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ﴾. فكأن ربَّ العزة سبحانه يُريك نموذجًا من نماذج التحديات التي ستواجهها في حياتك الدعوية، فانتبه لذلك.

تمضي، فإذا أنت أمام: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾. وكأن ربَّ العزة سبحانه وتعالى يأمر أهل الدعوة ألّا ينشغلوا بهذه السخافات والسفاسف التي يتحدث بها الناس ليعطّلوك، وإنما لا بد أن تنشغل انشغالًا تامًّا كاملًا بقضية التعبّد. ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، لا تَحزن: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. وكأني بالنفس المؤمنة لا يُرضيها إلا مزيدٌ من التعبّد لربِّ السماوات والأرض سبحانه جلّ في علاه.

ربنا سبحانه وتعالى يحدثنا بقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فلمّا نرى قول ربِّ العزة هذا، ما الذي يفهمه الناس؟ المفهوم لدى عموم الناس: من حيث خرجتَ فولِّ وجهك، الله أكبر، ستصلي في أي اتجاه تكون؟ إلى المسجد الحرام. مضبوط. أما هذا التضمين السياقي هنا فيحدّثني: «فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام»، وكأن الله تبارك وتعالى يُريه أنه سيولّي شطره نحو الغاية المنشودة. أنا أسلّم بما قاله أهل التفسير، لكن هل يمكن أن نضيف معنًى داخليًّا؟ عندنا أنه مطلوب منا حيثما كنا أن نعمل للغاية نفسها التي عمل لها رسول الله ﷺ، وأن نمضي مع أسباب تمكين الدعوة في الأرض، بحيث تُورَّث في جذور قلوب الرجال، وتبقى في بواطن العقول والنفوس عند الرجال والنساء، والكبار والصغار، إلى آخره.

يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة: لماذا الصبر أولًا؟

لا أطيل عليكم، لكن بعد ذلك يأتيك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فالآية، كما أشرنا سلفًا، تقول: استعينوا على ماذا؟ على التحديات التي سبقت، وقد أشرنا إلى تحديات كثيرة جدًّا: استعينوا بالصبر والصلاة.

وهنا سؤال: ألا يُفترض أن يكون العكس؟ أي أن يقول لي: استعينوا بالصلاة التي تحملكم على الصبر وتعينكم عليه. لكن الصلاة في ذاتها تلتمس صبرًا؛ فليس كل الناس يصلي، وحتى من يصلي يحتاج أن يصبر على أن يُتقن صلاته التي يؤديها. فكأن ربَّ العالمين سبحانه وتعالى يبني عقلية الوعي التي ستدرك الألم والتحدي والمثابرة والغاية المنشودة وكيفيات الوصول وآليات العمل. والله إن الآية في ذاتها ترسم لي استراتيجية كاملة لحركة الحياة: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

فما الذي يأتي بعد ذلك؟ يقول ربُّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. بشِّر الصابرين، الذين استعانوا بالصبر والصلاة على ماذا؟ على منهجية الحياة. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. آمين يا ربَّ العالمين. ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾: هديناهم لماذا؟ لمعرفة طريق الله سبحانه وتعالى.

وقد اتفقنا في الأول على أن القرآن الكريم لا يقف عند حدّ الآية، وأن الآية التي بعدها لا بد أن يكون لها ارتباط بالتي قبلها. فتخيّلوا من يحاول معي أن نربط بين الآيتين، ونحن نقول: ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، ثم: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، الحج. جميل جدًّا. ما العلاقة؟ الصفا والمروة، والسعي بينهما، والمشقة التي فيه. وكأن ربَّ العالمين سبحانه وتعالى يحدّثك أنك ستهتدي إلى مزيد من الحركة، ولن يحصل عندك ذلك التوقف أبدًا.

خلاصة ما تحدثنا به

عندنا كلام كثير جدًّا، لكن الوقت متأخر بنا. أسأل الله سبحانه وتعالى لكم السلامة والبركة والعافية والأمن يا ربَّ العالمين.

خلاصة ما تحدثنا به أن ربَّ العزة سبحانه وتعالى عندما ناداك بالإيمان فقد رفع مكانتك وجعل قدرك عنده مرضيًّا. وعندما أمرك بهذا التسلسل في قضية احترام وتقدير وتقديس هذه النصوص الآتية من عند ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، واحترام المقامات في المرجعية الشرعية التي بين أيدينا، نقلنا بعد ذلك إلى آليات التنفيذ العملي لهذه المرجعية. وأولها أن بين يديك طريقًا للعمل طويلًا يستلزم منك صبرًا، ومعينُك الأول صلتُك بربِّ العالمين سبحانه وتعالى من خلال صلاتك لله عز وجل. فلا ننسى غايتنا، ولا ننسى أن المهمة الأساسية لنا في هذه البلاد إنما هي تمكّننا من ديننا وتمكينه في الأرض التي نعيش عليها، وتوريثه لمن يأتون بعدنا.

أسأل الله أن يصلح لنا ولكم، وأن يرضينا وإياكم، وأن يثبتنا وإياكم، وأن يقدّر لنا الخيرات، وأن يجعل قلوبنا خاشعة له.

--- [1]: توثيق المحرر: الآية من سورة الحجرات، وتمامها: «لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»؛ ولم يذكر المتحدث إلا القدر المثبت. وآية «اعبدوا ربكم» من سورة البقرة. [2]: توثيق المحرر: الآية من سورة الإسراء، وقد وقف المتحدث عند «وفضلناهم على كثير». والآية الأولى من سورة الأعراف، و«لا يفتننكم الشيطان» منها كذلك.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque