A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

العطاء ابتغاءَ وجه ربه الأعلى

من آخر سورة الليل: العطاء ابتغاءَ وجه ربه الأعلى، والتعامل مع الله لا مع الناس

Dr. Ahmed Abouseif•٦ يونيو ٢٠٢٦•6 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 6 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

نقف عند آخر سورة الليل، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ ۝ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾[1]. فما الذي ينظر إليه ذلك الفاعل الذي أعطى ماله بسخاء وكرم وعطاء، فاعتبر أنه لله وليس لأحد من الناس؟

مصداقية الناس ورصيدهم

بناء ما يُسمى بالمصداقية، أو الهوية، أو صناعة الشخصية والذات بين الناس يتنوع بتنوع الخلق. فأصحاب وسائل التواصل، وما أدراك ما هم، يبنون هذه المصداقية أو هذه الكينونة بكثرة ما ينشرون وبتجويد ما ينشرون، فيستقبل الناس ذلك فيتراكم عندهم رصيد؛ حتى إذا أتت خطأة واحدة هدروا ذلك الرصيد كله، وأوقعوا بصاحب هذه الإنجازات العظيمة، لا في الأرض وحدها، بل تحت التراب. تلك طبيعة التعامل مع الناس. وانظر إلى أساتذتنا الأطباء حفظ الله مقامهم: الجرّاح يصنع مئة ألف عملية ناجحة متفوقة مشهودًا له بها، ثم تقع منه غلطة واحدة، فيأتي من يقف أمامه ليحاسبه: كيف صدر منك ذلك؟ وقد تُسحب رخصته في بعض الأحوال أو يُحال أو يُعاقب. ذلك حكم الناس على الناس.

حكم الله غير حكم الناس

أما في مقام الألوهية ونحن نتعامل مع ربّ العالمين: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾، فإن الله تبارك وتعالى يعامل الناس بقدر ما يعلم عندهم من تقوى في نفوسهم وحضور في قلوبهم. وفي أحاديث كثيرة جدًّا من كلام النبي ﷺ يحدّثنا عن طبيعة مغفرة الله عز وجل لذنوب الناس، وكيف يغفر الله الذنوب للخلق. فتراه سبحانه، قبل أن يعاقب، يحاسب؛ ولكنه لا يحاسب ذلك الحساب المألوف عندك. عندنا إذا ذُكرت كلمة «الحساب» فأنت مُحاسَب لتُغرَّم بعد قليل: تعالَ نتحاسب، أنا أعطيتك شيئًا وأنت رددت لي بعضه، ورددتُ لك بعضًا، ونُنزل كذا في مكان كذا، فيتبيّن أنك مدين بكذا. أنا لا أجلس معك لأحاسبك إلا وأنا أعلم أنك ستغرم في الآخر، على سبيل المثال. أما ربّ العزة سبحانه فالمأمول منه، في الغالب، أن يحاسب الناس بأن يذكر لهم فضائلهم كلها، ثم يذكر لهم معايبهم التي صدرت منهم[2]. ذلك هو المأمول، فإن رحمته تسبق غضبه عز وجل، وفضله يسبق عقابه سبحانه.

أبو بكر وإمساك النفقة

ومن هنا نتعلم المفهوم الذي نريد أن نستنبطه من الآية: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ﴾؛ فهو لا ينظر إلى الناس، ولا يتعامل مع الخلق، ولا يحاسبهم. وغالب علماء التفسير يقولون إن هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وإن الآيات في جلّ كلام أهل التفسير وردت فيه، حتى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾[3]. والمرة الوحيدة التي استشعر فيها أن بعض الناس لا يستحقون هذا الكرم الأخلاقي منه كانت حين تحدّثوا في عِرض ابنته رضوان الله عليها وعلى أبيها وعلى أصحاب النبي ﷺ وأمهات المؤمنين أجمعين، والأمر كما تعلمون شديد جدًّا. فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يُمسك عطاءه عمّن ينفق عليهم؛ وأهل الكرم عندهم نفقات شهرية معلومة لأناس بعينهم، ينظر إلى احتياجات الناس ويعطيهم بقدر ما يقيمهم. فأمسك ماله عن واحد ممن خاضوا في عرض ابنته. فإذا بالآية تنزل من فوق سبع سماوات من ربّ العالمين سبحانه: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[4]. هذه الجملة وحدها جعلت أبا بكر رضي الله عنه يرجع إلى الوراء عدة خطوات.

تكييف المسألة في الآية

وانظروا إلى تكييف المسألة في الآية، أي توصيف الحالة. كمن يذهب إلى الطبيب فيقول: عيني تؤلمني. والطبيب تدور في ذهنه آلاف الأسئلة: كيف تؤلمك؟ ولماذا؟ وما الأدوات والأعراض الجانبية؟ ولا يعرف المريض لها حيثية ولا سببًا، بل يرى الطبيب يُطنب في الحديث ويضيّع وقته: يا دكتور، ما الذي تفعله؟ عيني تؤلمني! فيقول له: اهدأ يا ابني حتى نفهم كيف نكيّف الحالة. فعندما أنظر إلى هذا التكييف في أذهان الناس، أجد ربنا عز وجل يقول: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فيصرف همّ الفاعل من كونه يعمل في الناس ومع الناس، إلى كونه يعمل مع ربّ الناس وحده سبحانه وتعالى.

التعامل الرأسي لا الأفقي

واليوم في الطريق كنت أفكر في حديث النبي ﷺ المشهور عند كل خلائق الدنيا: أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث[5]. وما الثلاث؟ ولد صالح يدعو له، وعلم، وصدقة جارية. ترى أن هذه الثلاثة فيها تعاملٌ مع الله عز وجل، وليس مع وسائل التواصل، وليس مع الإعجابات، وليس مع ثناءات الناس وتصفيقهم وقولهم: أحسنت، ما شاء الله! ليس تعاملًا أفقيًّا، وإنما هو تعامل على المستوى الرأسي: فإذا أعطى أعطى لله، وإذا تحدث تحدث لله، وإذا قضى مصلحة لخلق فعل ذلك لله؛ حياته كلها لربّ العزة سبحانه. فتراه يُثمر ذرّيةً وجيلًا ينشأ بعده ليمجّد ذكر الله تبارك وتعالى في الأرض، أو يترك علمًا ينتشر بين الناس يغيّر مفاهيم الوعي والإدراك والاستيعاب والحركة، أي يعمل على ما يجدّد نمط الحياة.

وكنت أرى في صغري ذلك المزارع الذي ينزل بمحراثه إلى الأرض. فكنت أراه ينزل بمحراثه ليقلب الأرض. فنقول: يا بني، دَعْها نائمة هادئة، شكلها حسن وهادئ! والإشكالية أننا كصغار إذا نزلنا نشتغل فيها، وقد جفّ الطين قليلًا من الشمس، فإنه يقطع رجليك إذا مشيت فيه مهما كنت لابسًا. اتركها هادئة نائمة. لكنه يقلبها لتُخرج أحسن ما فيها في جيل جديد من العطاء. وكذلك العاملون إذا تركوا صدقة اسمها جارية، وصفها النبي ﷺ بأنها صدقة جارية. تعرفون إذا بنى المرء عملًا تجاريًّا ثم بعد حين صار هذا العمل يسير بنفسه، فهذه الآلية نفسها: العمل نفسه يمضي بنفسه، وقد انتظم في نظام.

الثناء ينقطع

فالشاهد أن النبي ﷺ يعلّمنا كيف نصنع ما يبلغ ربّ العزة سبحانه بلوغًا مباشرًا، ثم يعلّمنا أن نصنع ما يجدّد الحياة في ذاتها. وثناءات الناس تنقطع. كنا نتحدث بالأمس في الليل مع بعض الإخوة الأفاضل عن أحد أحبّتنا ممن رحل، رحمه الله رحمة واسعة، وكان رجلًا مشهورًا له تاريخه وباعه، لكن من يذكره الآن؟ والمشاريع التي أقامها، من يقوم عليها؟ أسئلة كثيرة جدًّا. وتذاكرنا: من منّا بعد حين سيُذكر في وسط الخلق إلا بين الحين والآخر، كما نذكر صاحبنا الآن على سبيل المثال؟ فإذا عرفنا هذه الحقيقة، وأننا ميتون لا محالة، وأنه بعد الموت نسيانٌ لا محالة، فلماذا لا تنفتح أذهاننا على أن التعامل ينبغي أن يكون عند الله وبين يديه سبحانه وحده؟ فلا تلتفت لأحد، ولا تنظر لقول يأتي، ولا تعتبر لكاذب أو مفترٍ، ولا تعبأ بمُثنٍ عليك أو مجامل؛ فإن ذلك كله ينقطع بعد حين، ولا يبقى للعبد إلا مثوله بين يدي الله سبحانه وتعالى.

يسدل كنفه ويقرّره بنعمته

فإذا به عز وجل يسدل عليه كنفه سبحانه ويقرّره بنعمته[6]. أتعرفون ما معنى أن يقرّره بنعمته؟ كأنه يقول له: أتذكر يوم كذا، أني أعطيتك كذا وفعلت كذا؟ سترتها عليك في الدنيا وأسترها عليك الآن.

نسأل الله العلي القدير أن يفهمنا قيمة الحياة، وأن يعلّمنا مقادير الخلق، وألّا نتعامل مع الناس إلا بما يقرّبنا منه عز وجل وحده، وألّا نبتغي من الخلق إلا ثوابًا من ربّ الخلق سبحانه.

--- [1]: توثيق المحرر: الليل: 19–20. [2]: توثيق المحرر: عرض المتحدث هذا المعنى بكلامه، ولم يسُق نصّ حديث معيّن. [3]: توثيق المحرر: الليل: 21. تفسير نزولها في أبي بكر رضي الله عنه ذكره المتحدث عن غالب المفسرين. [4]: توثيق المحرر: النور: 22. السياق قصة حادثة الإفك، والذي أمسك أبو بكر نفقته عنه هو مِسطح بن أثاثة رضي الله عنه، ولم يُسمِّه المتحدث. [5]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح مسلم، وقد ذكره المتحدث بالمعنى. [6]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث هذا المعنى بالمعنى دون سياق حديث، وهو قريب مما في حديث النجوى في الصحيحين، من غير جزم بأن المتحدث يقصده، ولفظه في الصحيحين من حديث ابن عمر: «سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم».

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque