A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Conceptos de la Fe

معالم من سورة العنكبوت: الابتلاء والكدح والصبر على الوالدين

معالم من سورة العنكبوت: الابتلاء، وسؤال الكدح، والصبر على الوالدين

Dr. Ahmed Abouseif•١١ سبتمبر ٢٠٢٤•6 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت في دار الحديث، نيوجيرسي، بتاريخ 11 سبتمبر 2024م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الصلاة والسلام على عبد الله ورسوله سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

اللهم إنا نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وخير ما بعده، ونعوذ بك ربنا من شر هذا اليوم وشر ما فيه وشر ما بعده. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.اللهم إنا نسألك لطفًا بأهل فلسطين يا ربّ العالمين. اللهم ثبّتهم وأعنهم وأمدّهم بمدد من لدنك، واحفظ عليهم عافيتهم. اللهم احقن دماءهم، وصُن أعراضهم، وأطعم جائعهم، وثبّت قلوبهم وأربط عليها يا أرحم الراحمين.

حيّاكم الله تعالى في هذا اليوم المبارك، ونسأل الله القدير أن يرزقنا وإياكم إخلاصًا نلقاه به سبحانه وتعالى.

الابتلاء قضية أساسية

كلما تلونا من آيات سورة العنكبوت تبدّت لنا جملة من المعالم والأفكار. أولها أن الله سبحانه وتعالى حين تحدّث عن قضية الابتلاء تحدّث عن قضية أساسية في الحياة. فالابتلاء في الدنيا، بل هو نوع من الرزق، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ …﴾ ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.[1] فكل شيء يتعرض له الإنسان في حياته كلها نوع من أنواع الابتلاء: إما ابتلاء نعمة يستوجب شكرًا، وإما ابتلاء نقمة يستوجب صبرًا من العبد لما يأتي به ربّ العالمين سبحانه.

ثم يقول ربّ العزة سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فما دلالة هذه الجملة؟ دلالتها أن بعض الناس يريد أن يأتي إلى الدنيا ويخرج منها دون قانون يربط حركته، ودون أحد يسأله عن تصرفاته، ودون مرجعية يستمدّ منها أعماله وأقواله. وهذا الذي يريد أن يأتي إلى الدنيا بلا مرجعية يرى الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.[2] والذي يأتي ليزعم أنه جاء إلى الدنيا بلا رقيب ولا أحد يحاسبه، يحدّثه ربّ العزة سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.[3]

وهذا كلام غير منطقي. تخيّل موظفًا التحق بشركة حديثًا، فذهب إلى المكان يريد أن ينطلق بحريته: يجلس حيث شاء من الكراسي، ويأخذ حيث شاء من المكاتب، ويستعمل ما شاء من الأدوات، ويدور في المكان كله. فإذا قيل له: هذا مكانك وهذا شغلك، فانضبط هنا وأنجز لنا أعمالًا، لم يرد ذلك، ثم جاء يطالب بكل حقوقه بعدما أفسد في هذا المكان ما أفسد.

العقل والنفس والبدن

إن منظومة الابتلاء هذه تستوجب عقولًا واعية ونفوسًا مستوعبة. عندنا ثلاثة مقوّمات في هذه الحياة لقضية الابتلاء: العقل والنفس والبدن.

فبعض الناس يكفيه مجرد الابتلاء الدنيوي أو المالي. تسمع عن أحدهم مثلًا خسر ماله في البورصة فأنهى حياته، وقال لك: الدنيا لا كلام فيها. هذه نفس لم تستوعب مفهوم الابتلاء في الحياة. ونحن هنا نتكلم عن الابتلاءات الفردية: أحد الأشخاص يفقد ولده أو يفقد كذا، فإذا به ينهار. ونحن نتكلم طبعًا عن أصحاب الطاقة وأصحاب القدرة، أما أصحاب العجز الذين لا طاقة لهم بما يُبتلَون به فشأنهم مع ربّ العزة سبحانه وتعالى.

وقد سألني أحدهم بالأمس في نيويورك بعد الصلاة: ما حكم الإنسان الذي انتحر لأنه لم تكن لديه قدرة على الحياة بأي شكل من الأشكال؟ فقلت له: بدايةً، مسألة القدرة وعدمها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. والأمر الآخر أن هذه مسألة يحدّدها الطبيب النفسي؛ فلا تجلس أنت وأنا في المسجد مطمئنين نشرب قهوتنا في أمر جميل ونقول: هذا الرجل في النار أو في الجنة. هذا ليس شغلنا يا حبيبي، وإنما المسألة تعود إلى المتخصصين.

لم نُخلق للراحة

والشاهد أن الابتلاء في الحياة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ مسألة غير منطقية. نحن لم نُخلق في هذه الحياة لنكون في راحة وسكون وهدوء واطمئنان؛ فربّ العزة سبحانه أخبرنا أنه خلقنا في هذه الحياة لنعاني، أو لنكابد هذا الكبد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾،[4] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.[5]

وقد قال العلماء هنا إن التعقيب بحرف الفاء يفيد الترتيب والتعقيب: ليس هناك فترة تراخٍ ولا فترة استراحة. فلو قال: «إنك كادح إلى ربك كدحًا ثم ملاقيه» لكان عندنا فترة راحة، لكنه قال: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، فيبقى الكدح، وهو المعاناة والتعب، إلى وقت لقاء الله سبحانه وتعالى. هذه هي النقطة الأولى.

بين الفرد والأمة

ما تكلمنا عنه الآن على مستوى الابتلاء الفردي، لكن هناك مستوى الابتلاء المجتمعي. فترى كارثة، كما يجري الآن في فلسطين من اعتداءات وضرب وأذى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم يا ربّ العالمين وأن يفرّج عنهم. فهذه ابتلاءات على مستوى الفرد، وابتلاءات على مستوى الأمة، وكلاهما يختبر العبد فيه. فما الذي نخرج به من هذه الكلمات؟ الصبر والجَلَد والقوة والاستعانة بربّ العزة سبحانه وتعالى.

والله الذي لا إله غيره، إننا نعلم أناسًا ابتلاهم الله تبارك وتعالى بمزيد من الضرّ ليسمع صوتهم بعدما انحرفوا عن الطريق أو حادوا عنه، فعادوا. كانوا مشهورين بأموالهم وتجاراتهم وانغمسوا في الدنيا أيّما انغماس. فتلحظ وتعلم أن فيه خيرًا: ما شاء الله، اللهم بارك، وصلّى معنا وكذا وكذا، لكنه سبحان الله انغمس في الدنيا انغماسًا شديدًا، فتناديه بين الحين والآخر فيقول: حاضر إن شاء الله. فإذا فقد ولدًا فجأة عاد.[6]

الوصية بالوالدين بين آيتين

الأمر الآخر، وإن شاء الرحمن لا نطيل عليكم، في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾.[7] في هذه السورة ترى أن هذه الآية أُحيطت بآيتين: الآية التي قبلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.[8]

وأنا أحاول أن أربط بين وجود قضية الوصية بالوالدين ومسألة الابتلاءات والصبر. فترى أن الصبر على الوالدين من أشقّ أنواع الابتلاءات في حياة العبد. تخيّل، لماذا؟ لأن الوالدين إذا كبرا في السن واستوجبا رعاية ومعاناة وصبرًا عليهما، كان الصبر عليهما شغلًا للعبد عن عياله وعن زوجته وعن ماله وعن سعيه وعن أعماله وهكذا. هذا من الناحية الوقتية الزمنية. ومن ناحية الجهد البدني ترى أن الجهد المبذول لهما ليس بهيّن، لأن الاحتياجات في حال الكبر تختلف عن الاحتياجات في حال الصغر. تقول: الأب والأم إنما صبرا على طفلهما وهو صغير، وحاجاته صحيح كثيرة، لكنها أتت مع فرحة ورغبة في وجود الولد وسعادة، وابتسامة الصغير تنوّر لك الدنيا والكون والحياة. لكن لمّا يكبرون، تشعر… حتى ترى بعض الناس يدعو بهذا الدعاء: «يا ربّ ريّحهم». والمسكين لا يدعو أن يريحهم ربنا، بل يدعو أن يريحه هو، فيريد أن يخرج من الحياة لأنه أكثر من المعاناة معهم، ولا يريد أن يستزيد من الصبر.

فتأتي قضية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ بين آيتين تتحدثان عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ففي الأولى يقول الله تعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، حيث إن النفس يغلبها اليأس من هذا الوضع الراهن وهذا الأسلوب المستمر، ولا ندري إلى متى يستمر هذا الحال. ثم يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فكأن ربّ العزة سبحانه ينظر إلى أحسن ابتسامة قدّمتها لأبيك وأمك، وأحسن عطاء قدّمته لهما، وأحسن لحظة سرّيتَ فيها عنهما وفرّجتَ عنهما وأعطيتهما ومنحتهما من جهدك وصبرك. ثم يقول الله تبارك وتعالى في العاقبة: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾، مع التقصير المحتمل لا شك، لأننا بشر؛ يأتي منا الجَلَد ويأتي منا العجز. والله تبارك وتعالى أعلم.

أسأل الله تعالى أن يبارك لنا ولكم في هذا اليوم الكريم، وأن يرزقنا وإياكم رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه. جزاكم الله خيرًا، والسلام.

--- [1]: توثيق المحرر: اقتصر المتحدث على جزأين من الآية، وهي في سورة الأنبياء (٣٥)، وفي تمامها «فِتْنَةً» بين الجزأين. وقد اضطرب في التفريغ ما قبل «بل هو نوع من الرزق» فلم يُجزم بصياغته. [2]: توثيق المحرر: الآية في سورة الحجرات (١)؛ وفي التفريغ «بين الله ورسوله» ولعله اختصار منه، وأُثبت اللفظ القرآني. [3]: توثيق المحرر: سورة المؤمنون (١١٥). وآية العنكبوت التي قبلها هي الآية (٢). [4]: توثيق المحرر: سورة البلد (٤). [5]: توثيق المحرر: سورة الانشقاق (٦). وتعذّر في التفريغ ضبط ما قاله المتحدث قبل الآية. [6]: توثيق المحرر: العبارة بعد «فجأة» مضطربة في التفريغ فاقتصر على «عاد». [7]: توثيق المحرر: سورة العنكبوت (٨)، ولم يتلُ المتحدث تتمتها. [8]: توثيق المحرر: العنكبوت (٧) و(٩).

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque