بين سليمان وأيوب: من مُنح الدنيا ومن مُنعها والأوّاب
من مُنح الدنيا ومن مُنعها، والأوّاب قاسمٌ مشترك بين الأنبياء
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٤ مايو ٢٠٢٤م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
حيَّاكم الله بالآيات التي سمعناها في صلاة الفجر، وقد جمعت بين سليمان وأيوب عليهما السلام. فما المفارقات بينهما، وما الموافقات؟
المفارقة: من مُنح الدنيا ومن مُنعها
نتحدث عن نبيٍّ سخّر الله له الكون بمعالمه تقريبًا، حتى الجنّ، وسخّر له الريح. سبحان الخلّاق! ثم تأتي عليه لحظة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾[1]. وتسمع في ذلك قصصًا عجيبة، لكنّ الأقرب إلى الصواب، والله تعالى أعلم، أن سليمان عليه السلام غفل مرةً عن وقت أداء العبادة، فكان الثمن أنه ضحّى بجزء مما يملك في سبيل الله. وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾[2] ليس فيه خروج عن النص؛ فقد ذبح وتصدّق وأعطى وأطعم.
أما أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فابتلاؤه بالمرض، وفي المرض عجز. وأشدّ العجز عجزُ البدن مع صحة الهمّة وعافية القلب؛ نسأل الله أن يعافي الناس منه. أن يكون قلبك نشيطًا قويًّا طموحًا، تريد أن تنطلق في الآفاق كلها، ويعجزك بدنك عن ذلك. يشعر بالخزي أصحاب الرجولة خاصة، الرجل الذي لا يستطيع أن يقوم من فراشه لينفّذ ما يريد. وأخصّ أهل الدعوة، لأنهم لا يضربون في الأرض ليحصّلوا مالًا، وإنما يتألمون لكل لحظة تفوتهم لا يكسبون فيها مزيدًا من الرجال؛ فالخسارة عندهم خسارة بشر. يتألمون لقعودهم غير المبرَّر من وجهة نظرهم، إلا أنها إرادة الله تبارك وتعالى، فيسلّمون.
فانظر إلى المفارقة بين من مُنح الدنيا كلها، ومن مُنعها في لحظة في ناحية من نواحي الحياة. تجد المريض في فراشه قد مُنع الدنيا كلها، وأقصى طموحاته أحيانًا أن يدخل الحمّام ويخرج بغير كلمة. وإن من الدروس المهمة في قضية المرض تعديلَ مسارات الطموح الداخلي عند الإنسان: ماذا تريد من الدنيا؟ مالًا وجريًا وجاهًا ونفوذًا هنا وهناك؟ لا، عدِّل المسار. فطموح المريض أن يكفّ عنه الألم فحسب. وإذا رجع يمشي على رجله قال: الحمد لله، أستطيع أن أحرّك يدي. وربما تحسّس المريض جلده: ما زلت أستطيع أن ألمس بدني، ما زلت على قيد الحياة! سبحان الله.
القاسم المشترك: الأوّاب
بين هذه القوة والنفوذ والمناصب والأمر والنهي والهيمنة، وبين العجز في ساحة الفراش، يبقى القاسم المشترك: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾[3]. في كل حال من أحوال العبد، إذا آب إلى الله أصلح الله له شأنه. فما بقي سليمان في غفلة، إن صحّ هذا التأويل، وإنما هي لحظة من لحظات الذكر غابت عن اللسان انشغالًا بدنيا أو غيرها. وعند أيوب عليه السلام لحظة من لحظات البعد عن ميدان العمل. وما أظن أيوب كان يؤذيه ألم بدنه بقدر ما يؤذيه ألم عدم القدرة على الوصول إلى الناس لإبلاغ كلمة الله تبارك وتعالى. تلك همم الرجال.
وقِس على ذلك قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾[4]. تُرى ما الذي يخافه موسى عليه السلام؟ هذا الرجل وكز رجلًا فقضى عليه، وهو ذو قوة وهيبة وله شأنه في أهل مصر حينها. فمم يخاف؟ وما خاف موسى عليه السلام، فيما نرى، إلا من لحظة تفوت لا يستطيع أن يؤثّر فيها في غيره، أو أن يفتن الناسَ بأسُ الكفر وبطشُه وهيمنتُه على المجتمعات، أو أن يكون نفوذ فرعون ومن معه في قلوب الناس ونفوسهم أبلغ من كلمته التي يريد أن يبلّغها. وهذا المنطق نفسه كان عند النبي ﷺ حين خاطبه ربه جل في علاه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ﴾[5].
فإذا سمعنا هذا عند سليمان، وعند أيوب، وعند محمد ﷺ، وعند موسى، وعند عيسى عليهم السلام، فكم ينبغي أن نندم على كل لحظة تمرّ من حياتنا دون أن نقدّم فيها شيئًا لربّ السماء والأرض، الملك الوهّاب سبحانه وتعالى!
عقد العبودية
والبذل سجيّة في أهل التقوى، وخَصلة من خصال أهل الإيمان. واعلم أننا منذ وقّعنا هذا العقد مع الله تبارك وتعالى، وهو «لا إله إلا الله»، فقد وقّعنا عقد العبودية مع ربّ العزة سبحانه وتعالى، وعقد العبودية يستلزم أن تُسلِّم نفسك كاملةً، لا تستثني لنفسك شيئًا، حتى الهوى. أتتخيل؟ حتى الهوى! فلا يقال: أفعل ما أشاء يا رب. ورُوي عن نبينا عليه الصلاة والسلام في تقييد المسألة أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»؛ فما تميل إليه نفسك ينبغي أن يميل إلى ما يريده لك رسول الله ﷺ بأمر من ربّ العزة سبحانه وتعالى.[6]
فلنغتنم ما بين أيدينا من أعمار، ولنعلم أن مثل هذا اليوم الجديد إنما هو في موازين حسناتنا بإذن ربّ العزة، غيرَ منقوص. وللناس مستويات: فمنهم من يخرج في الصباح كالعامل، يشتغل ساعات، فإذا حصّل حدَّ الكفاف ترك العمل وقال: كفى، لا نريد أكثر من هذا. ومنهم من يعمل حتى يبلغ أقصى ما يبلغه من هو مثله في ميدانه. أما أنا، رجلٌ في ميدان العمل الدعوي، فليس هناك حدٌّ للطموح، وليس هناك حدٌّ للبذل، وليس هناك بإذن الله حدٌّ للأجر.
اللهم إنا نسألك حسن الأجر وحسن العمل في سبيلك يا رب. اللهم أمضِنا إلى مرادك، ويسّر لنا أسباب طاعتك، واجعلنا من عبادك الفائزين في الدنيا وفي الآخرة. اللهم الطف بفلسطين وأهلها وبكل مستضعف في الأرض كلها. اللهم احفظ دماء المسلمين، اللهم لا تجعلهم لقمةً سائغة في يد عدوّهم يا أرحم الراحمين. اللهم سخّر لهم أسباب السماء والأرض، وادفع عنهم بجنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة ص، الآية ٣٤. تلاها المتحدث في الصلاة، وذكر منها هنا مطلع الآية. [2]: توثيق المحرر: سورة ص، الآية ٣٣. [3]: توثيق المحرر: سورة ص، الآية ٣٠ في سليمان، والآية ٤٤ في أيوب. أشار المتحدث إلى الوصف دون سوق الآية. [4]: توثيق المحرر: سورة طه، الآية ٦٧. [5]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآية ٦. اقتصر المتحدث على هذا القدر من الآية، وتتمتها «أَسَفًا». [6]: توثيق المحرر: الحديث أورده النووي في الأربعين (رقم ٤١) وقال: «حديث حسن صحيح»، وضعّف إسناده غير واحد من أهل العلم؛ وساقه المتحدث بالمعنى دون عزو.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.