التربية الأخلاقية من خلال السيرة النبوية - أول خطبة للنبي ﷺ في المدينة
ثلاث دقائق من الكلام تصنع خطة عمل لعمر كامل
المناسبة: من درس أسبوعي في السيرة النبوية ودروسها الأخلاقية، رُفع تسجيله بتاريخ 18 سبتمبر 2024مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
وصل النبي ﷺ إلى المدينة، وسُمّيت يثرب من ذلك اليوم «مدينة الرسول». فماذا قال لأهلها في أول خطبة خطبها فيهم؟ وفي ما يُروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن أول خطبة خطبها ﷺ بالمدينة أنه قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمُنَّ وَاللهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ، لَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ؟ وَآتَيْتُكَ مَالًا وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَنْظُرُ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ»[1]
لو قرأناها مرة أخرى لما استغرقت ثلاث دقائق أو أربعًا، ومع ذلك فقد جمعت أسباب النجاة بين يدي الله يوم القيامة، وأعطتنا خطة عمل متكاملة يسير العبد في ظلّها إلى لقاء ربه.
قدّموا لأنفسكم: تخطيط للغد ويقظة في كل لحظة
يبدأ النبي ﷺ بقوله: «قدّموا لأنفسكم»، أي كيف نعدّ أنفسنا للغد وكيف نأخذ بالأسباب على أحسن وجه. ثم ينقلنا نقلة كاملة من الدنيا إلى الآخرة في لحظة الحسم: «لَيُصعَقَنَّ أحدكم ثم ليدعنّ غنمه ليس لها راعٍ». تصوّر أن الإنسان في لحظة من اللحظات يترك كل شيء وراءه. ولو لم يكن لنا في هذا الباب غير هذا التصوير لكفانا أن نتقي الله في كل لحظة؛ فأحدنا لا يدري أيقوم من مقامه أم يُحمل، أيعود إلى بيته أم لا يبلغه، أيقوم من فراشه بعد نومه أم ينام نومة طويلة. لا يدري متى يُختم له ولا كيف ولا أين. ولذلك أقسم النبي ﷺ: «تعلمنّ والله»، ليثير انتباه السامعين.
فهو يعلّمنا مفهومين يجتمعان: تخطيطًا مستقبليًّا يرسم الخطط والاستراتيجيات على مدى الزمن، وحذرًا لحظيًّا من الوقوع في الخطأ بين لحظة وأخرى. وأشبّه ذلك بمهندس يصنع آلة تسير بك مسافة طويلة، وهو في منتهى الحذر من خطأ قد يقع في أي لحظة. وبهذا تكون الدنيا رخيصة في عين المؤمن، يفارقها في لحظة أو تفارقه، ولا يستطيع أن يستزيد لحظة أخرى لأن الأجل قد جاء.
ألم يأتك رسولي؟ تبعات العمل
ثم ينتقل النبي ﷺ نقلة ثالثة إلى النظر في تبعات الأعمال: «ثم ليقولنّ له ربه، ليس بينه وبينه ترجمان: ألم يأتك رسولي فبلّغك؟ وآتيتك مالًا وأفضلت عليك». كأن الله يشعرني بكمّ الإمكانات المتاحة لي في هذا الكون، فإذا أردت أن أصنع آلة للتخطيط للمستقبل احتجت أولًا إلى الأدوات: هل عندي ما أحتاجه أم ينقصني برغي لا أجده فيتعطل الإنتاج؟ والله تعالى يخبرني أن الأدوات موجودة. ثم يعلّمني أن أكون حذرًا، فلو ربط لك العامل عجلة سيارتك بالغلط، فما تبعات أن تنخلع العجلة وأنت على الطريق؟ فأنا أنظر في الإمكانات، وأسير بحذر، وأستحضر ما يمكن أن يترتب على أي خطأ بأي نسبة، وأمضي إلى ما قدّر الله لي من عمر.
المنتَج الحقيقي في آخر النهار
يذكّرنا النبي ﷺ أن العبد بين يدي الله لن يرى إلا عمله الذي قدّمه. والفلسفات في الحياة مجرد كلام يذهب في الهواء؛ فما الذي ننجزه، وما الذي يخرج بين أيدينا في آخر النهار كمنتَج؟ تخيّل رجلًا فتح مطعمًا كبيرًا فخمًا إمكاناته رائعة، وهو طوال اليوم ممسك بالفرشاة ينظّف، وكلما دخل زبون وسأله عن الفول والطعمية قال له: أنا أنظّف. يدخل الناس ويخرجون، وفي آخر النهار يقول: انظروا إلى الجمال الذي صنعناه. فيقال له: نريد إنجازًا.
وفارقٌ كبير بين رجل يُكثر الكلام مع من يطلب حاجته ثم لا يقضيها له فلا يقبض منه شيئًا، ورجل لا يعتني بالمجاملات اللفظية وإنما يُتقن عمله فيأتيه الناس من كل صوب. تقول لواحد: ما الذي يذهب بك إلى هذا الرجل الذي صنع الكشري، وهو لا يبتسم؟ فيقول: لكن أكله جيد وصنعته متقنة، وجودة ما عنده لا توجد عند غيره. فكأن رسول الله ﷺ يخبرني أن أتنبّه إلى المنتَج الحقيقي الذي أخرج به إلى الدنيا إنجازاتٍ حقيقية. وأسأل: ما الذي أنجزتُه لهذا المسجد، لبيت الله، في آخر ستة أشهر، وفي آخر السنة؟
شِقّ التمرة
ثم قال ﷺ: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ»[2]. كلما ذكرت هذا النص سألت: أين الشق الأول؟ يستحيل أن تجد شقّ تمرة في يد أحد إلا إذا كان قد أكل النصف الأول. فمن في يده شق تمرة ليس معه غيره، ولا يملك من حطام الدنيا إلا هذا. فإذا تصدّق به فإنجازه أكبر من إنجاز من يملك أكثر بكثير وتصدّق بجزء يسير. فما بالك بمن يملك دنانير، مئات أو آلافًا أو مئات الآلاف أو ملايين، ثم يُقتّر على بيت الله ويُقتّر على نفسه وعلى حاله؟
الكلمة الطيبة
وقال ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». وكأنه إشارة إلى أن المؤمن لا يعلم ما ينفقه: فإن لم يكن مال فكلمة أو ابتسامة أو نصيحة أو مجاملة رقيقة، أو مشاعر ممتدة تُشعر صاحبك بالأمان إذا لقيك. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾[3]
فالقضية غير مرتبطة بالأرقام، وإنما بنفسية مانحة أو نفسية مانعة. النفسية المانحة تبذل أي شيء، وتجد على وجهها ابتسامة دائمًا ومزحة طيبة مع الآخرين وكلمة حسنة. والشخصية المانعة تقطّب وجهها وتبخل حتى بالمشاعر فلا تعبّر عما عندها.
وهذه الخطبة القصيرة، كما قلت، دستور نمضي به في حياتنا، ونستكمل إن شاء الله في الأسبوع القادم.
--- [1]: توثيق المحرر: الخطبة مذكورة في كتب السيرة، ومنها سيرة ابن هشام، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن (وهو من التابعين، فالخبر مرسل ولم يثبت إسناده)؛ والخطيب نقلها عن «الرحيق المختوم». وختم الخطيب النص بقوله «والسلام». ضُبط اللفظ هنا على الصيغة المشهورة لاضطراب التفريغ، فهو للاستئناس لا للجزم بألفاظه. [2]: توثيق المحرر: أخرجه البخاري ومسلم من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه بلفظ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [3]: توثيق المحرر: تمام الآية ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وتأتي بلفظها في سورة التغابن (16)؛ والخطيب لم ينص على موضعها ولا على تمامها.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.