A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
El Corán y la Civilización

المقاصد العامة للإسلام

ليس دينًا عشوائيًّا: صفات الكمال لله، وأدوار الإنسان، والمقاصد الخمسة بتطبيقاتها

Dr. Ahmed Abouseif•٢٠ يونيو ٢٠٢٤•44 min de lectura
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت على شباب الجامعة بتاريخ 3 أكتوبر 2018م المصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بدأ الدكتور أحمد اللقاء بالدعاء للحاضرين من شباب الجامعة: أن يجعلهم الله خير قادةٍ لهذا المستقبل، وأن يحفظ عليهم عافيتهم ويرضيهم، وأن يجعل شبابهم علامةً على صحة الإيمان وسمةً لأهل الصلاح. ثم ذكّرهم بما انتهى إليه اللقاء الماضي في مقاصد الشريعة: أن الإسلام ليس دينًا عشوائيًّا، وليس مجرد دينٍ يقول لك: اقعد قليلًا في المسجد، واقرأ شيئًا من القرآن، وصلِّ، واجلس مع نفسك في خلوة، فإذا انقضى هذا الوقت فافعل ما شئت. لقد جاء الإسلام بأهداف كبرى، أهدافٍ تعمّر الكون وتعمّر النفس الإنسانية، وتتعامل مع الإنسان في ذاته، وتربط بينه وبين الكون الذي يعيش فيه، وبينه وبين البشر الذين حوله، وبينه وبين خالقه سبحانه وتعالى. فللإنسان علاقات كثيرة، ومقاصد الإسلام تنتظمها كلها.

علاقتنا بالله: لها منهج وضوابط

وأول هذه العلاقات علاقة الإنسان بربه. وكثيرٌ من الناس يتكلمون فيها كأنها شأنٌ خاص؛ يقول لك أحدهم: هذا الذي بيني وبين ربي، أنا حرٌّ في كيفية علاقتي به، فما شأنك أنت بي؟ فلنسأل ربنا سبحانه: يا رب، هل تركتَ الناس يتصلون بك على الطريقة التي تعجبهم، أم وضعتَ لهم منهجًا في التعامل معك؟ وهنا يدعونا المحاضر أن نفكر معًا ببساطة في مجال الاعتقاد: هل لي أن أعتقد في الله ما شئت، وأقول على ربي أي شيء؟

عندنا في القرآن مثال: قال بعض الناس في وقتٍ من الأوقات: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فأجابهم الله سبحانه: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾[1]، فجعل قولهم هذا مقرونًا بسائر جرائمهم. فليس من حقي أن أتكلم على ربي بأي كلام لمجرد أنه خطر في ذهني أو تخيلته. في الاعتقاد ضوابط ومعايير، وقد أنزل الله لنا ما يشبه «الإنستراكتور»، أي منهجًا وطريقة نتعامل بها، وقيل لنا: لا ينبغي أن تقول على الله إلا ما يرضيه سبحانه، وما يتناسب مع عظمة الألوهية وجلال الله جل وعلا.

وبهذا نستطيع أن نردّ على الصغير الذي يسأل: لماذا لا أرى ربي؟ ألا يمكن أن أجلس معه ونتحدث قليلًا؟ وكيف هو على الكرسي، وكيف هو على العرش، وكيف هو في السماء، أم في الأرض، أم أين هو؟ وما حكاية هذا الإله الغيبي الذي تجعلوننا نعبده؟ والجواب بمنتهى البساطة: إن مقام الألوهية في ذاته لا يسمح أن نتعامل معه كما يتعامل بعضنا مع بعض. أنا أتعامل مع الناس هنا وجهًا لوجه؛ نجلس هكذا، وأرى هيئتك ونظارتك، ولنا لغة مشتركة وحوار متبادل. أما مع ربّ العزة سبحانه فلا أقدر على ذلك، بل أتصل به في ما يسمى غيبًا.

كل أنواع الكمال له سبحانه

فإذا اتفقنا على أن لنا قواعد ومنهجًا في التعامل مع الله، فأول ما نعتقده فيه سبحانه أن له كل أنواع الكمال. وهذه جملة مهمة جدًّا؛ فما معنى «له كل أنواع الكمال»؟ يعني أن كل شيء حسن يُنسب إليه، وأنه سبحانه في أتمّ ما يكون من أحوال الكمال. خذ الجمال مثلًا: الجمال أمرٌ نسبي؛ فهذا جميل بنسبة ثلاثين بالمئة، وآخر خمسين، وآخر سبعين، وآخر مئة. فإذا وصفتُ الله بالجمال فنسبته مئة بالمئة، وما لا نتصوره فوق ذلك. وخذ القوة: أنا أستطيع أن أرفع هذه المناديل وأضعها هنا، فهذه قوة. لكن لو كان ثقلها خمسة كيلوغرامات لأعياني ذلك، فلو كانت خمسين كيلوغرامًا، فلو كانت خمسة آلاف، فلو كانت الكون وما فيه؟ فالقوة من مكمّلات البشر أو مكمّلات الشخص، فإذا نسبناها إلى الله عز وجل فهو أعلى وأجلّ من أن يكون شخصًا نتحدث عنه، وإنما هو بذاته سبحانه جلّ في علاه.

وعلى هذا فإذا كانت لله كل صفات الكمال، فليس فيه شيء قبيح، ومن ثمّ لا يمكن أن يأتيك من ربك شيء قبيح. كما أن الأم الحنون جدًّا، التي تفعل لأولادها كل ما يريدون، لا تتخيل أبدًا أنها قد تضربك أو تؤذيك.

فأين الرحمة إذا رأينا الابتلاء؟

وهنا يسأل المحاضر الحاضرين: فإذا وجدنا بعض الناس يتعذبون في حياتهم لأن عندهم مشكلات، فكيف نجيب عن هذا السؤال؟ عندنا مريض يشتكي، ونحن نؤمن جميعًا بأن الله لطيف بعباده، رحيم بعباده، رؤوف بعباده، لكن في المستشفيات ناسٌ كثيرون جدًّا. فكيف نجمع بين هذين؟

قال أحد الحاضرين: هذا ابتلاء من الله. فسأله المحاضر: وما معنى أنه ابتلاء من الله؟ هل الرحمة في المفهوم العام عند الناس أن لا يأتيك منه شيء سيئ أبدًا؟ فقيل: تدريب. تدريب على ماذا؟ على الصبر. فأخذ المحاضر هذه الإجابة ومضى بها: أنت تدرّب الإنسان على شيء لكي يمارس بعده أشياء أخرى. فلو أردتَ أن يصير واحدٌ بطل العالم في الملاكمة، أو في كمال الأجسام، أو في الكاراتيه، أو المصارعة، فإنك تدرّبه ليصبر؛ يصبر على الضربات والخبطات، ويقع ويقوم ويجري. هذا صحيح، لكنك لا تدربه على الصبر لذات الصبر، وإنما ليكون بعد ذلك قادرًا على إنجاز أعمال أكبر.

ثم يعترض المحاضر على نفسه بسؤال أصعب: وماذا عن واحدٍ مصاب بالسرطان، مرميٍّ في المستشفى، وسيبقى على هذه الحال حتى يموت؟ (نسأل الله أن يعافي البشر أجمعين). فأين الغاية هنا؟ وكيف نوفّق بين رحمة الله الكاملة وهذه الحالات؟ وكما ترون شعوبًا بأكملها تُهدم بيوتها وتُقصف من السماء، فعذابٌ لماذا؟ وكيف نجمع بين هذه المنظومة المرئية أمام أعيننا وما نعتقده في الله من أنه كريم حليم لطيف بارّ بعباده؟

فيقول: عندنا مبدئيًّا أمران: قد ندرك العلة بعقولنا، وقد لا ندركها. وإن لم ندركها، فالمشكلة عندي أنا لا عند ربي. وهنا ضرب المحاضر عدة أمثلة.

الجرح الصغير. تخيلوا أن شخصًا كبيرًا أُصيب بجرح صغير في رجله، فسأل نفسه: كيف تصيبني هذه الخبطة وأتألم منها؟ ولم يجد لذلك سببًا. لكن بعد خمسين سنة، وهو يمشي مع حفيده، يحفظه من أن يُصاب بالخبطة نفسها التي كانت ستقتله، فيدرك أن تلك الإصابة الصغيرة في رجله جعلته بعد خمسين سنة يحفظ حفيده من موطن من مواطن الهلاك. وهذا مثال بسيط جدًّا.

الغريق. ولما نرى واحدًا كاد يغرق في الماء، ثم تعب بعد ذلك أسبوعين أو ثلاثة أو شهرًا، فإن التجربة القوية الشديدة التي مرّ بها علّمته السباحة، فأنقذ بعد ذلك صديقًا له كان سيموت موتًا حقيقيًّا.

فالطريقة التي يدبّر الله بها العالم أكبر من عقولنا نحن الناس البسطاء الذين نفكر على مستوى صغير. وقد يقول لي قائل: يا شيخ، أنت بهذا تقول إننا لا نفهم ولن نفهم حكمة ربنا في الكون؟ والفكرة ليست كذلك، وإنما هي: لو كانت عندنا مجموعة شركات، أيقدر أحد أن يقيم فروع مايكروسوفت في العالم؟ أمدير هذا المكان هنا بنفس كفاءة من يدير شركات مايكروسوفت كلها في العالم؟ هل ينبغي أن يكون بينهما فرق؟ طبعًا، لأن حجم المسؤولية ضخم. وأنا هنا أدير هذا الفصل وأمامي خمسون شخصًا، ما شاء الله، من البنات ومن البنين، حفظ الله الجميع. فهل الموقف مستوٍ أن يكون أمامي خمسة آلاف شخص أتكلم معهم؟ لو كنت أتكلم معكم الآن بصوتي فحسب، ولو كان عددكم ضعف هذا لاحتجنا إلى مكبّر صوت، ولو كان خمسة آلاف لاحتجنا إلى منظومة صوتية كاملة، كفاءتها أعلى بكثير. فكيف بإدارة الله سبحانه للكون، وعلمه بكل صغيرة وكبيرة، وكونه مسبّب الأسباب وخارق الأسباب ومتجاوزًا بالأمور؟

ثم نرجع فنسأل: لماذا كان من المبتلين مثلًا سيدنا موسى عليه السلام؟ وأنتم تعرفون أنه تعب كثيرًا جدًّا في حياته. ولماذا أُلقي سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار؟ ولماذا أُلقي سيدنا يوسف عليه السلام في السجن؟ فإذا جئنا إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وما كان عنده من المعاناة، فهو أحب خلق الله إلى الله، ولا أحد يحبه ربنا أكثر منه. فإذا كان هؤلاء هم الأحبّ، ومع ذلك ابتُلوا، فتخيلوا أن المسألة فيها حكمة. وهذا طبيعي جدًّا بين الناس: حين أحب أحدًا فإني أدلّله، وأضعه في مكان طيب، وأعطيه كل ما يريد، ولا أترك شيئًا يزعجه. لكن إذا تعمدتُ أحيانًا أن أقسو على من أحب، فهل انتقلت المسألة إلى الكراهية؟ ليست كراهية، فما اسمها إذن؟ تأديب.

وخلاصة هذا كله أن ربنا سبحانه جعل لنا طريقة نتعامل بها معه، كمنهجٍ يمشي عليه الناس، وأن ذلك لم يقتصر على مجرد الاعتقاد. فنحن آمنا بأن لله سبحانه كل صفات الكمال، وقيل لنا أيضًا: يجب أن ينفي العبد عن الله تعالى كل صفة من صفات النقص. فلا يصحّ لأحد أن يصف رب العالمين بصفة غير كويسة؛ فلا يقول إن ربنا جبان، ولا إنه يخاف، والعياذ بالله. لا يصح هذا لأنه لا يناسب مقام الألوهية في ذاته.

الإسلام ليس دينًا عشوائيًّا

ثم عاد المحاضر إلى أصل الفكرة: كل شيء في الإسلام موجود لهدف ولغاية، والإسلام ليس دينًا عشوائيًّا. وقرّب ذلك بمشهدٍ مألوف: حين نجلس نأكل البذور والمقرمشات، لا تجلس لترتبها واحدة بعد أخرى، بل هي مرمية هكذا، وتنتقي منها ما شئت. وهذا يختلف عمّا إذا قطعتَ كيكة وقسمتها قطعًا؛ ففي الناس من يقطع مثلثات، وفي الناس من يفعل غير ذلك بحسب ذوقه، لكن المسألة مرتبة نسبيًّا. فلو أخذنا هذه الأشياء ووضعناها في طبقٍ فاختلطت على بعضها، فإننا نأخذ أي شيء يقع في أيدينا. أما الإسلام فدينٌ مرتب جدًّا؛ فلو كان عندنا بازل نريد أن نرتبه في مكانه، أفينفع أن نضع قطعة مكان أخرى؟ لا، لأنها لن تعطينا الشكل الختامي. والإسلام بهذا المعنى دينٌ منظَّم في كل شيء، ومنظِّم لكل شيء في تداولات الحياة.

وعلى هذا فكلمة «مقاصد» تقول إن الإسلام ليس دينًا عشوائيًّا. والله سبحانه يقول لنا جملة مهمة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[2]؛ أتظنون أننا خلقناكم هكذا وكفى، ورميناكم؟ أتعرفون الأشياء التي تُرمى هكذا وخلاص؟ الحيوانات في مكانها تُرمى هكذا، فلا يُعرف من دخل أولًا ومن دخل ثانيًا ومن أكل ومن لم يأكل، وهذا كله بالنسبة لنا أمرٌ عشوائي. أما البشر ففي نسق عالَم الخلق مختلفون؛ فالله سبحانه خلق كل إنسان لغاية.

فإذا رجعتُ إلى المثال الذي ضربته: لماذا أنا مريض وغيري ليس مريضًا؟ لأن الله سبحانه لما خلقني جعل من وظيفتي أني سأكون مريضًا في هذا الوقت. ومعنى هذا أن تتخيلوا موظفًا عندنا هنا نقول له: وظيفتك أن تشرف على هذا المكان؛ من الثامنة إلى العاشرة تكون في المكتبة تشرف على العمل هناك، فمن يراه في المكتبة يقول: هذا إنسان مثقف. ومن العاشرة إلى الثانية عشرة تكون في دورات المياه، فإذا دخل أحدهم ووجد الرجل يلبس زيّه ينظف الحمامات قال: هذا ينظف الحمامات، هذه وظيفته. وبعد الثانية عشرة مهمتك في الحديقة في الخارج، فيدخل عليه أحدهم فيقول: الله، هذا الرجل يعمل مزارعًا! وهو في الأصل مشرف عام على المكان، لكننا خصصنا بعض الأوقات لبعض الوظائف، فاختلفت وظيفته باختلاف التوقيت. فالله سبحانه أعطانا في الحياة وظائف؛ أعطاكم الآن وظيفة، أي موقعًا في الدنيا.

فأنت من سن ثمان سنين، أو من ست سنين، إلى ثلاث وعشرين سنة، وظيفتك أنك طالب. وبعد ذلك تبدأ وظيفة أخرى: موظف، مهندس، طبيب، أستاذ جامعي، أو أيًّا ما كان. وفي التوقيت نفسه أنت موظف، وأنت أيضًا زوج، فصار عندك وظيفتان. ثم أنجبتَ طفلًا فصرتَ أبًا أو أمًّا، فصارت ثلاث وظائف. وأنت معنا متطوع في الجامعة تساعد في كذا وكذا، فصرت في أربعة مواقع. فهل يمكن أن يكون من المواقع التي يعطيني الله إياها في وقتٍ من الأوقات أن أكون سجينًا؟ هذا يوسف عليه السلام: في مرحلة يدير شؤون قصر الملك، وفي مرحلة سجين، وفي مرحلة داعية، وفي مرحلة متحكم في البلد كلها. كلها مواقع جعلها الله له، على كل الأحوال.

الإسلام شامل: العلم والمرأة

فالدين مجموعة من المقاصد، ولم يجعل الله الإسلام مجرد شأنٍ واحد، وإنما جعله دينًا عامًّا لكل شؤون الحياة. فإذا جاءك من يقول: لماذا الإسلام عدوّ العلم، وقد جنى الإسلام على العلم والعلوم وكل الأشياء؟ فقل: لا والله، الإسلام ما كان عدوًّا للعلم قط؛ الإسلام أمر الناس أن يتعلموا، وأمرهم أن يعلّموا، وأمرهم أن يحافظوا على العلم في واقع الحياة، وما جنى على العلم أبدًا بأي شكل من الأشكال.

وإذا قال لك: لماذا يتجاهل الإسلام المرأة ويعاديها، لأنها عنصر ضعيف في المجتمع، ويتعامل معها كخادمة أو للمتعة؟ فقل له: الإسلام لما تكلم مع البشر تكلم مع الإنسان. وهل نفهم ما هو الإنسان؟ مخلوق له شكلان: شكل رجل وشكل امرأة، يتكاملان فيما بينهما لعمارة هذا الكون الذي على هذه الأرض. فإن قيل لك: انتبه، فالله حين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[3] تكلم عن الرجل وحده، عن آدم وحده؛ فقل: لا، تكلم عن آدم وما ينتج عن آدم عليه السلام. ولو افترضنا أن المرأة خُلقت من آدم، فهي جزء لا يتجزأ منه؛ مكانتها كمكانة القلب في داخل الصدر، ومكانة العقل في الدماغ، وهي أعلى ما يمكن أن يكون في حياة ذلك الرجل. وحين تدور دورة الحياة أرى نفسي إنما خُلقتُ بسبب امرأة، ولولا وجودها ما كنتُ موجودًا في الحياة، فحينئذٍ تكبر في عيني مكانة هذه الإنسانة، ويكون المستوى التكليفي هو نفس المستوى التكليفي.

أعندنا اختلاف أم اتفاق في التكليفات الشرعية بين الرجل والمرأة؟ حين قلنا للناس: صلّوا، هل قلنا للرجل صلِّ وللمرأة لا تصلِّي؟ أم قلنا للاثنين؟ إنها متفقة. فإن قيل: إن البنات عندهن أيامًا لا يصلّين فيها؛ فنحن إنما أعطيناهن راحةً في هذه الأيام لأمور تتعلق بهذه الفترة وتناسب هذه الحالة، فهذا من باب الاحترام ومزيد الكرامة، لا من باب الإنقاص.

وحين تكلمنا عن الزكاة، هل قلنا إن الرجال يختلفون عن النساء في إخراجها إذا كان عندهم مال؟ وقبل ذلك سؤال: هل أعطينا المرأة أصلًا حق أن يكون عندها مال؟ فنحن نتحدث عن مجتمعات تقول إن المرأة ليس من حقها أن تملك شيئًا، لا مالًا ولا أي ممتلكات، وفي الناس من يقول ذلك إلى اليوم بمنطقٍ مختلف. أما الله سبحانه وتعالى فقد أثبت للمرأة حقًّا منذ كونها بنتًا أو زوجة أو أمًّا. بل بالعكس، هي المخدومة الأولى والأخيرة في داخل البيت من حيث الكفاية المالية. فهذا الرجل صاحبنا، بشواربه ولحيته، يخرج صباحًا يعمل ليأتي آخر اليوم بالمال، لمن؟ ليس لنفسه، والباقون يجوعون! بل المطلوب منه أمام الله سبحانه أن يُطعم هؤلاء أولًا قبل أن يأكل هو: أمه وزوجته وأخته وبنته، فهم في المقام الأول من حيث الإطعام. ثم نقول لها: من حقك أن تتملكي الأموال. وعندما فرضنا الزكاة، هل قلنا للرجل: عليك زكاة مال، وللمرأة: لا زكاة عليك؟ كلا، طلبناها من الاثنين. وحين كلّفنا الناس بالحج، هل قلنا إنه على الناس إلا النساء؟ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ … مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾[4]، من الرجال ومن النساء، من الاثنين. فالتكليفات الشرعية خاطبت جميع البشر، لأن الإسلام حين قصد مقاصد في الحياة راعى كل شؤون هؤلاء البشر.

المقاصد الخمسة وترتيبها

وقد اتفقنا في المرة الماضية أن عندنا خمسة مقاصد أساسية يشتغل الإسلام على حفظها: حفظ الدين، ثم النفس التي تعتنق هذا الدين، ثم العقل الذي يستوعبه، ثم النسل الذي سيحمل الدين إلى الجيل الجديد، ثم المال الذي يخدم المنظومة كلها. ثم طلب من الحاضرين أن يعيدوها معه: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وسأل: الدين المقصد الأعظم؛ فمن الذي يؤمن بالدين؟ النفس. ومن الذي يستوعب كيفية تطبيق الدين؟ العقل. ومن الذي يحمل الدين إلى المرحلة التالية؟ النسل. ومن الذي يخدم كل هؤلاء؟ المال. والمال: هل هو رقم واحد أم آخر رقم؟ آخر رقم. ونحن ونحن نمشي في رحلة الحياة لا بد أن نضع في اعتبارنا أن الفلوس ليست كل شيء.

وهنا وجّه المحاضر نقطة خاصة بالشباب في الجامعة: حين تخططون لتخصصكم وتفكرون فيما ستكونون عليه، أعرف أن ناسًا كثيرين جدًّا قبل أن يختاروا الميدان الذي سيعملون فيه يذهبون إلى «الشيخ جوجل»، فيسألونه: قل لنا يا مولانا الشيخ جوجل المحترم، راتب هؤلاء الناس حين يتخرجون كم يكون؟ أليس كذلك؟ من فعل هذا؟ لا أحد؟ أنا أعرف أنكم فعلتم ذلك من زمان، كل الناس فعلت ذلك بلا استثناء: أدخل الهندسة؟ فيبدأ راتبهم من ثلاثين أو خمسين أو سبعين، لا أدري كم. لا، لا أدخل هذا، بل أدخل ذلك لأضحي بعد كذا سنة. فهم يتكلمون عما ستقبضه قبل أن يتكلموا عن الفائدة التي ستعود على المجتمع من وجودك. وكان الله سبحانه من البداية يعلمني أنك قبل أن تفكر في نفسك لا بد أن تفكر في غيرك، وأفضل ما يمكن أن تضحي من أجله، وتعيش موجودًا وشريفًا لأجله، أن تضحي من أجل دينك، وتثبّت أركانه، وتثبّت وجوده في الحياة.

لماذا نحفظ الدين؟ أعداؤه كثيرون

فلماذا نحافظ على الدين أصلًا؟ ألا يتدين كل واحد منا وهو ساكت، ثم يذهب إلى ربه يوم من الأيام وانتهى الأمر؟ فقال لنا الله: لا، لا يصح، لأن الدين تحديدًا له أعداء كثيرون جدًّا.

أول أعداء الدين الباطل. يقول الله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾[5]؛ ففي باطل وفي حق، والاثنان يتخانقان طوال الوقت. فعندنا باطل موجود هو عدو لهذا الدين الذي أتدين به. ولو اشتغل كلٌّ منا بنفسه، لجاء الباطل فأخذ الدين ومضى به إلى مكان آخر وأضاعه.

وثاني أسباب حفظ الدين الغرائز والشهوات. فالله حين خلق الإنسان خلق فيه مجموعة من الغرائز والشهوات، ومن خلالها نرى ناسًا يسهرون في أماكن يشربون فيها الخمر والعياذ بالله، وآخرين انفردوا بأنفسهم في مكانٍ ما يفعلون ما يفعلون. فهل هذا كله غلطٌ موجود في الكون، أم صحٌّ موجود فيه؟ هذه الغرائز التي خُلقت وركّبت فينا، الله سبحانه يقول لي: أنا لست ضدها، لكن الدين هو الذي يجعلها تسير في الشكل الطبيعي وتخرج نتيجةً طبيعية. العلاقة بين الرجل والمرأة شهوةٌ في أولها، لكنها إذا اكتملت بالشكل المشروع جاءنا طفلٌ جميل، نصبر عليه حتى يكبر، ونربّيه حتى يصير رجلًا محترمًا، وهو بدوره بعد أن تدور الأيام يأتينا بطفل صغير فنكبّره، وتستمر الحياة. وهذا الطفل الذي جئنا به من حلال سيذهب فيتعلم الهندسة والطب والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا وغيرها، فيكون عالمًا من جيلٍ كان متعلمًا قبله، وهكذا تستمر الحياة إلى يوم القيامة. فلو قضيناها فوضى، يخلّف أي واحد أي طفل فيُرمى في الشارع، وصار كل الأولاد لا يعرفون أبًا ولا أمًّا، واختلطت الدنيا بعضها ببعض، فمن غير الممكن أن يتربى أحد في الشارع ثم يحفظ قيمة المجتمع والحضارة. سيضيع كما ضيّعه أهله، ويضيّع الدنيا التي وجدها، لا يعرف لها أولًا من آخر، لأنه إنسان ضائع من البداية.

الدعوة تكليفٌ على الجميع

وإذ اتفقنا على أن أول المقاصد الدين، فقد أمرنا الله بنشر الدعوة، وأمر النبي ﷺ بالأمر المباشر: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾[6]. وهذه الحكمة والموعظة الحسنة هي الوسائل، أما الأمر والتكليف هنا فهو «ادعُ»، أي أن أوصل دين ربي إلى غيري. فهو تكليف شرعي. ولا يتخيلنّ أحد أن الذين يُطلب منهم إيصال الدين هم المشايخ فقط؛ فهؤلاء المشايخ ناس أكرمهم الله بأن جمع في رؤوسهم التفاصيل، فوضع المادة في رؤوسهم ليوصلوها إلى الناس ويعلّموهم، ثم تبدأ الناس تفعل ماذا؟ أتنام، أم تبدأ تتحرك؟

وسأل الحاضرين: ماذا لو دخلتَ مسجدي أو جئتُك في هذا المكان وبدأنا نتكلم في أمور الدين، فما الخطوة التالية؟ هل أقول: انتهيتُ اليوم عند السابعة والنصف، فسلام عليكم يا جماعة، انتهت جلستنا هذا الأسبوع؟ وماذا يُطلب منكم بعد ذلك؟ أن تقولوا: كانت محاضرة جميلة جدًّا ما شاء الله، شكرًا، وانتهى الأمر؟ لا؛ فالتكليف بالدعوة لم يخاطَب به عدد من الأفراد فحسب. وقد يقول قائل: على فكرة، الله سبحانه يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾[7]؛ فالمطلوب من هذه الآية عدد من الناس فقط. فنقول: ولنقرأ نصًّا آخر في سورة آل عمران: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ثم يقول بعدها: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾[8]. فإياك أبدًا في يومٍ من الأيام أن تقول: أنا ليس لي علاقة، الدين مطلوب مني فقط أن أمارسه. فمن الدين أن تمارس الدعوة، أن تبدأ في تبليغ كلمة الله سبحانه إلى الناس الذين يعيشون حولك.

كيف نبلّغ؟ بقول الحق، وبألّا نشارك في الباطل، وبالقدوة

فكيف نوصل الرسالة؟ ألستَ تشعر أنك لا تقدر أن تقف على المنبر وتقول كذا؟ ولا يُعقل أن تقف على سلّم المبنى الذي دخلنا منه، أو في الدور الثاني، وتنادي كل الطلبة المارّين في الشارع: يا قوم، أسلموا وإلا ذهبتم إلى جهنم! هذا لا يصنع معنى. فماذا نفعل؟ يمكننا على الأقل أن نقول للصحيح صحيحًا وللغلط غلطًا حين يحدث أمامنا شيء. ترون الطلبة مثلًا يدبّرون مؤامرة، يريدون أن يغشّوا في مادة لأنها صعبة، ويريدون أن يعبروها هكذا من غير أن يتعلموا، فيقول أحد: يا جماعة، هذا الكلام غلط. وهنا ضحك الحاضرون جميعًا في وقتٍ واحد، فعلّق المحاضر بأن هذه الضحكة العامة تدل على أن ثمة مصائب تحدث هنا! ثم قال: لعلنا نترك هذا المثال. فقال له أحدهم: يا شيخنا، هذا أسبوع امتحانات وأنت تتكلم عن هذا؟ فأجاب: أنا لم أتكلم عن أحد بعينه. ثم عاد إلى جدّه فقال: على كل الأحوال، إذا حصل خطأ تحت أي مسمى أو أي نوع من أنواع الخطأ، وقلتَ أنت أو قلتُ أنا: يا جماعة، هذا الكلام ليس صحيحًا، فإنك على الأقل بلّغتَ دعوة ربك بشكل من الأشكال.

ومثال آخر: ترى زميلًا أحواله مضطربة في الفصل ولم يعد يركّز معنا، ثم تكتشف فجأة أنه بدأ يتعاطى المخدرات أو شيئًا من هذه الأشياء، فتبدأ تتكلم معه من باب النصح والتوجيه والإرشاد، فهذا نوع من أنواع تبليغ دعوة ربك. وهو يضرب أمثلة عامة جدًّا، ولا يريد الدخول في التفاصيل، فهو يعلم أنها موجودة كثيرًا في داخل المجتمع. المهم أن كل موقف تراه غلطًا فتقول عنه إنه صحيح أو غلط، هو في حد ذاته نوع من تبليغ الدعوة.

فإن لم أستطع أن أتكلم، أو كان كلامي سيجلب ضررًا أكبر، فعلى أقل تقدير لا أشترك مع من يفعلون الخطأ. وحكى المحاضر عن صاحبٍ له قبل أيام قال له إن البنات هن اللاتي أتعبن أنفسهن: يذاكرن من أول الكتاب إلى آخره، ويسهرن الليل والنهار. فقال له: فالناس الأذكياء أمثالك ماذا يفعلون؟ قال: يعرفون ما المطلوب وكيف يخلصونه. وقال المحاضر إن هذا موضوع نسأل عنه في المرة القادمة، لكنه متأكد أن صاحبه لا يفعل شيئًا غلطًا، وإنما يركّز على أشياء معينة. أما لو كان المطلوب فعلًا هو الغش، فهل معنى هذا أنني لأكون «سمارت مان» أفعل مثل الذين يغشون؟ كلا؛ فعلى الأقل إذا لم أستطع البلاغ، ولم أستطع أن أوصل كلمتي وأقول للناس: ما تفعلونه صحيح أو غلط، فلا أكون جزءًا من الخطأ الذي يُمارَس. فحين يقول الناس: هيا يا جماعة نوزّع «البراشيم»، كم نسخة نحتاج اليوم؟ يعرفون من لا يشاركهم في ذلك فيستثنونه من الحساب، ويعدّون النسخ بقدر من يفعل ذلك معهم.

ثم إن وجودك في داخل الفصل أو الجامعة أو بين الناس الذين حولك نموذجًا محترمًا هو في حد ذاته دعوة، وهي ما يسمونه الدعوة بالقدوة: أن تكون إنسانًا محترمًا في وسط الناس.

احفظ الدين في نفسك أولًا

ولما تكلمنا عن حفظ الدين قلنا إنك مسؤول، كإنسان مسلم، أن تشهد لله سبحانه بالألوهية، وللنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأن تحافظ على دين الله. لكن انتبهوا: لن تقدر أبدًا على المحافظة على الدين عند الناس إلا إذا حافظتَ عليه في داخلك أنت. وأضرب لكم مثلًا بسيطًا جدًّا: ربنا سبحانه وتعالى قبل أن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾، أي قبل أن يقول له: هيا، ابدأ الآن، تحرّك لتبلّغ دعوة ربك، كانت قبلها مرحلة. ما هي المرحلة التي قبلها؟ قال له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ۝ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾[9]. فقبل أن تشترك في المصارعة وتطلع على الحلبة وتدخل السباق، لا بد أن تدرّب نفسك. فلا بد قبل أن تنتظر من الناس أن يصلّوا أن تكون أنت أيضًا تصلي. وقبل أن أنتظر ممن حولي أن يمتنعوا عن شيء خاطئ أفعله، لا بد أن أكون أنا محافظًا على هذا الشيء ولا أفعله. فلا بد أن أكون قدوة لمن حولي بالامتناع عن الخطأ قبل أن آمر الناس به، ولن أستطيع أن أحفظ الدين إلا إذا حفظته في نفسي أولًا. فقبل أن أتكلم عن الصلاة لا بد أن أكون أنا مصليًا، وقبل أن آمر الناس بفعل الخير والمعروف لا بد أن أمارسه أنا بطبيعة الحال فيما بيني وبين نفسي.

وقال المحاضر: لن أتكلم أكثر من هذا عن قضية التدين، لكن لنتكلم عن حفظ النفس، وكيف أمر به رب العالمين سبحانه، وقد اتفقنا أن نُنهي اليوم المقاصد الأربعة الباقية في نحو ساعة.

حفظ النفس: قبل الوجود وفي الرحم وبعد الولادة

أراد الإسلام أن يحفظ النفس البشرية، فبدأ بأن حرّم الاعتداء عليها: حرّم الاعتداء على النفس البشرية قبل أن توجد، وحرّم الاعتداء عليها أثناء وجودها في رحم الأم، وحرّم الاعتداء عليها بعد أن خرجت إلى الدنيا. وفي الناس من كان يقتل أولاده من الفقر، فيقتل العيال ويدفنهم في التراب ويتخلص منهم بشكل أو بآخر حتى يستريح من المصاريف، وانظروا إلى هذه العقلية! يقول الله سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾[10]. وفي سورة الإسراء يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾[11].

وسأل المحاضر: أتتخيلون الفرق بين الاثنين؟ كلمة صغيرة وأخرى كبيرة: «من إملاق» أو «خشية إملاق». في الآية الأولى قال: «نحن نرزقكم وإياهم»، وفي الثانية قال: «نحن نرزقهم وإياكم». لماذا؟ أما الأولى فحين يكون الأولاد موجودين فعلًا، فنحن نقتلهم لأنه ليس عندنا مصاريف نصرفها عليهم ونريد أن نرتاح منها، فيقول ربنا: لا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم أنتم؛ فأنتم أصلًا لا تملكون القدرة أن ترزقوا أنفسكم، فكيف بالأولاد؟ هذا ليس شغلك.

قصة الأب الذي حجّ، والبنت، والأمير

وبهذه المناسبة حكى المحاضر قصة ظريفة، قال إنها تُروى: أن أبًا كان يتمنى الحج، مشتاقًا جدًّا إليه، فقال لأولاده: أريد أن أحج. فقالت له امرأته: أنت ستذهب تحج، فمن الذي سيطعمنا؟ والحج في الزمان القديم لم يكن خمسة أيام تذهب فيها وتجيء، بل كان المرء إذا خرج من بلد إلى بلد ركب الجمل ومشى في الصحراء، والله أعلم أيرجع أم لا يرجع، وقد يبقى في السفر شهرًا أو اثنين أو ثلاثة، أو أربعة، وربما ستة أشهر. فقالت: فمتى ترجع، ومن يطعمنا طوال هذه المدة؟ فسألت البنتُ أمَّها: يا أمي، ماذا قلتِ؟ قالت: قلتُ له: ومن يرزقنا ومن يطعمنا؟ فقالت لها البنت: «ما عهدتُ أبي رزّاقًا، وإنما عرفته أكّالًا». يعني أن أبي ليس هو الذي يرزقنا؛ إنه واحد من أفراد البيت الذين يأكلون، فإذا كنا نحن نأكل ومنتظرين من يُطعمنا، فأبي أيضًا يأكل وينتظر من يُطعمه. قالت الأم: لكن أباك هو الذي يخرج يعمل ويأتي بالمال. فقالت البنت: سيرزقنا ربّ العالمين بدون أبينا كما كان يرزقنا مع أبينا. والمسألة منتهية بالنسبة لها؛ هي تفهم أن رب العالمين سبحانه هو الذي يرزق، وأن الأب يعمل ويأتي بالفلوس، أما الله فهو الذي يبعث بالفلوس.

فمضى الرجل مع شدة شوقه إلى الحج، وترك الأولاد وقال لهم: رزقكم على الله سبحانه. وفي أثناء ذلك كان الأمير ماشيًا في البلد، يمرّ من أمام البيوت، فعطش فجأة وقال: أريد أن أشرب ماءً، ليأتني أحدكم بشيء من الماء. وكلما أتوا له بماء ذاقه فوجده ساخنًا، والأمير معتادٌ على ماءٍ معين. فخرجت له هذه الفتاة بكوب نظيف جميل فيه ماء بارد، وسمعت أن الحرس يجرون بسرعة يريدون ماءً للأمير. فشرب الأمير وقال: الله! من أين هذا الماء؟ قالوا: من هذا البيت. فأخرج كيس الدنانير، شيئًا من الذهب الجميل، وألقاه في داخل البيت، وقال لمن حوله: من كان يحبني فليفعل مثلما فعلتُ. وطبعًا من يتقرب إلى الأمير يفعل مثله، فخرج الناس وامتلأ البيت ذهبًا. وصاحبنا في الحج، لو كان موجودًا لدخل عليهم بنصف دينار من تلك الفلوس التي رُميت كلها، لكنه ليس موجودًا؛ لكن الرزّاق سبحانه وتعالى يكفي عباده بما شاء وكيف شاء، لأن له القدرة على الكون وما فيه.

ونرجع إلى أول الكلام الذي كنا فيه: لما نصف رب العالمين سبحانه بصفات الكمال، فهو القادر على أن يفعل كل شيء في الحياة دون أسباب يحتاج إليها، ودون أن يُحوج عباده الذين يؤمنون به إلى أي أمر كان[12].

الإجهاض: الأصل الحرمة ثم الاستثناءات

وأول ما في موضوع النفس أن الإسلام حافظ عليك قبل أن تأتي وأثناء وجودك. فحرّم أن يُعتدى على الجنين في بطن أمه، أي إسقاطه، فهل هذا حلال أم حرام؟ وسأل الحاضرين فأجاب أحدهم: حسب الحال. فقال المحاضر: حين نُطلق الأحكام ونريد حكمًا بدون الاستثناءات، فالأصل في الإجهاض الحرمة أم الحلّ؟ الحرمة. ومتى يحدث غير ذلك؟ حين تكون هناك استثناءات. والأصل في الخمر حرام قولًا واحدًا، إلا إذا وُجد استثناء، فهل تقول لي إنه لا استثناء مع الخمر؟ بل لو أن رجلًا في الصحراء لا يجد ماءً وسيموت ولن يحيا إلا إذا شرب شيئًا من ذلك، فحينها تُقدَّر الضرورة بقدرها. لكن ليس معناه أن نذهب إلى المكان الذي فيه هذه الأشياء وليس معنا ماء فنقول: سنموت من العطش، فلنُرِني فقط، ولنتسلّ، لأحافظ على حياتي أنا رجل متدين! وعلى سبيل المثال: الأصل في الماء الحل أم الحرمة؟ الحل، لكن في حالةٍ من الحالات المرضية، لو شرب أحدٌ كوب ماء لقتله، وقد تدخل قطرة ماء في موضع فيموت، فحينها يكون شرب الماء حرامًا. اتفقنا؟ وعقّب أحد الحاضرين: إذا أُطلق المصطلح العام في الحكم الشرعي فإنه يُطلق على العموم، ثم تأتي الاستثناءات بعد ذلك لاحقة به. فشكره المحاضر.

فاتفقنا على أن الأصل في الإجهاض الحرمة، إلا إذا وردت استثناءات أفتى بها المتخصص، بأن في ذلك حياةً لشيء آخر، أو تترتب عليه المصلحة الأتمّ، أو أن عدم الإجهاض سيتسبب في ضرر، إلى آخره. فعندنا احتمالات كثيرة، والفقهاء ينقشون قضايا تشوه الأجنة الموجودة في بطون الأمهات، وهل من المصلحة أن نُبقي على طفل مشوَّه أم لا، ونسبة التشوه الموجودة، والمصلحة المترتبة والمفسدة المترتبة، ونسبة الحياة المحتملة عند الأم أو الموت المحتمل عند الأم إذا أبقينا الجنين أو أجهضناه. مسائل كثيرة تدور في هذه القضية، ويمكن أن نتكلم عنها بالتفصيل في وقتٍ من الأوقات، ولعله ألمح إليها في العام الماضي حين تكلم عن الموضوع.

وسأل: أرأيتم، أعندنا حرام الإجهاض لو كان الجنين ولدًا، وحلال لو كان بنتًا؟ فيمكن أن نُنزل جنينًا إذا كان بنتًا لأننا لا نريد بنات؟ هذا الكلام غلط. فإذا حافظتُ على الجنين، حافظتُ عليه سواء كان ولدًا أو بنتًا، وليس عندي أي نوع من التفرقة، وأستغفر الله أن أكون من العقلية التي تفكر بهذه الطريقة بوصفها دينًا.

بعد الولادة: الإرضاع، وحرمة النفس، والقتل المعنوي

وأول ما وُلد الجنين: أللأم اختيارٌ في أن ترضعه أو لا؟ وبصياغة أصحّ (وكلامه هنا مضطرب في التفريغ): فإذا وجب على الأبوين أن يُطعماه فلأن حياته مرهونة بفعلهما. فلو أن ذلك الوليد مات بسبب إهمال أبويه في إطعامه لكانت عليهما حرمته، وكانا سببًا في قتله. فالله سبحانه حافظ على النفس البشرية أثناء وجودها في الرحم، وبعد خروجها إلى الدنيا. وهل يمكن أن نقتله، ونحن لم نُنهِ عليه داخل بطن الأم، فنخلّص عليه الآن؟ الجواب: لا، إذا خرج إلى الحياة فهو معدود من الأحياء الموجودين على ظهر الأرض، فيحرم عليه ما يحرم على بقية البشر، فيحرم أن أقتله أو أعتدي عليه.

لكن القضية أكبر من القتل. فالله سبحانه لما حفظ الكيان البشري، ونحن نتكلم عن المقاصد الخمسة، النفس البشرية، حرّم هدم البنيان الآدمي حسيًّا ومعنويًّا. ما معنى ذلك؟ لو أنك تقتل إنسانًا معنويًّا، أي تنتقص من شأنه إلى درجة أن يفقد الثقة في حياته، فهذا يسمى قتلًا معنويًّا. أحلالٌ هذا؟ لا، حرام. حرامٌ أن تدمّر نفسية إنسان بحيث يخرج إلى الدنيا وهو فاقد لهويته الإنسانية، يشعر أن وجوده كعدمه، وأنه إنسان لا لزوم له. من فعل ذلك فقد ارتكب إثمًا، وهنا نفرّق بين من فعله متعمدًا ومن فعله جاهلًا. ولذلك نقول للناس دائمًا: وأنتم تتعاملون مع أولادكم، إياكم أن تدمروهم معنويًّا قبل أن يكبروا، بل أكسبوهم الثقة في أنفسهم حتى يخرجوا إلى الحياة وهم يشعرون بقيمتهم، فيستطيعوا أن يغيّروا الشيء.

وهنا مثال بسيط جدًّا، يقولون إنه كان في مرة فيل كبير جدًّا، عفوًا، فيل صغير جاء به صاحبه وربط رجله بسلسلة في آخرها كتلة حديد. وكلما شدّ الفيل الحديد ليمشي وجدها تحبسه، فهي قوية وثقيلة والفيل صغير. وكَبُر الفيل، وكل فترة يأتي الرجل فيوسّع له الدائرة على قدر حجمه. لكن صاحب الفيل اكتشف بعد فترة أن الفيل لم يعد يحاول أن يشدّ الحديدة أصلًا. لماذا؟ لأنه صار عنده «أتيتيود» في دماغه، قناعة ذاتية أنه غير قادر على شدّها. وكانت المفاجأة أن الرجل احتاج في وقت من الأوقات إلى كمية الحديد هذه ليبيعها، فاضطر أن يضع شيئًا آخر من خشب مكانها، شكلها يشبه الحديد، حتى لو نفخ فيها لطارت، لكنه لم يحاول أن يجرّها ولا حتى بمحض الصدفة. لماذا؟ لأنه صار عنده قناعة ذاتية بأنه كائن عاجز عن فعل هذا. ومن هنا تأتي مهارات بناء النفس من الداخل.

فهل أنت تربّي أولادك على أنهم قادرون على مواجهة المشاكل أم لا؟ وهل تترك أحدًا يسوق العربية وتقول له: سُق، لا شأن لي، أقادر أنت أم غير قادر؟ وهذا مثال على ذلك. وهل قال لك أبوك مرة: تفضّل هذا المبلغ، أنفقه على البيت؟ يا سلام لو فعل! ثم قال ممازحًا للحاضرين: لا تجلسوا في وجهي هكذا. ودعا لهم أن يرضى الله عنهم، وقال: قولوا آمين. ثم سأل: أيعجبك موضوع الفيل أكثر، أم يعجبك أكثر أن يعطيك أبوك المصروف؟ وانتهى النصف الأول بالاستراحة.

مسألة الغش: صوره وحدوده

وبعد استراحة الشاي استأنف المحاضر بالبسملة والحمد والصلاة على رسول الله ﷺ، وقال إن بعض الحاضرين كلّمه في الفاصل أن موضوع الغش الذي جرى الكلام فيه في النصف الأول يحتاج إلى مزيد من التفصيل. فعرّف الغش بأنه استخدام معلومة متاحة وقت الامتحان لم يبذل صاحبُها جهدًا في تحصيلها.

ثم عرض الصور. الصورة التي وصلته: أن يكون عند أحد الطلاب امتحانات قديمة لنفس المادة الدراسية مرّت على الفصل نفسه من قبل مع الأستاذ نفسه، فيذاكرها جيدًا ويقول للناس: هذه نماذج الامتحان. فهل الأستاذ يعرض هذه الامتحانات علنًا أم لا؟ فإننا لا بد أن نفرّق بين شيئين: بين من عنده بنك أسئلة، وهو مخزون يحتفظ به الأستاذ لنفسه، وبين الأسئلة التي يضعها في متناول الناس. وضرب مثلًا من تجربته معلّمًا: أنا أجدد الامتحانات كل سنة، لكن يمكن أن أمزج وأخلط بين الأسئلة وأخرج منتجًا جديدًا من كمية الأسئلة هذه. وأنا أشرح للطلاب، فتخطر لي فكرة أن في هذه النقطة سؤالًا، فأضعه بعد انتهاء المقرر، فيصير عندي بعد الكورس عشرون سؤالًا أو خمسون أو ثلاثون أو أربعون، حتى تكتمل منظومة الأسئلة وتبلغ سبعمائة سؤال. هذا بنكي. فهل سرقتَ بنكي وأخذت أسئلته وخرجت بها إلى الطلبة؟ أم أنني وضعتُ أسئلة السنوات الماضية على موقعي على الإنترنت وقلت: هذه المواد وهذه أسئلتها وهذه الفقرات، فذهبتَ أنت وأخذت من هذا الكلام وذاكرتَه جيدًا وقلت لزملائك: يا جماعة، من لا يعرف فليعرف، هذا الرجل عنده موقع يضع فيه كذا وكذا من الأسئلة؟ في هذه الحالة ليس عندنا وجه حرمة، طالما أن الأمور في متناول أيدي الناس. والله أعلم، لا بأس بذلك، إلا أن تكون الصورة غامضة عندي أنا.

وعرض أحد الحاضرين حالة «التوارث»: أخذتُ الامتحان النهائي معي وانتهى الفصل، ثم ذهبت إلى الفصل الذي فيه صديقي في المادة نفسها فأخبرته بالأسئلة. فقال المحاضر: حبيبي، إذا خرجت الأسئلة من عندي كمدرس إليك كطالب فقد خرجت من حوزتي؛ فصارت بالنسبة لك مشاعًا، وأنت حرٌّ في التصرف فيها، يمكنك أن تأخذ الورقة وتقطعها. إلا إن كنتُ اشترطتُ عليك قبل أن أعطيك الامتحان أني سآخذ منك الورقة مرة ثانية وأنه غير مسموح لك بنقل هذه الأسئلة إلى غيرك؛ فحينها أنت على الشرط، فلا تنقل ما عندك إلى غيرك لأنك على الشرط. وأشار أحد الحاضرين إلى مشاكل كثيرة في ذلك، كأن يكون عند طالب رفيق يعطيه الأسئلة وطلاب آخرون ليس عندهم هذه الطريقة، فتكون ميزة عند واحد دون الآخر. وسأل آخر: قبل أن أدخل لجنة الامتحان أستفيد من زميلي الذي أخذ المادة قبل ذلك؟ فأُجيب بأنه إذا كان الكلام عن أسئلة مطروحة فليس هناك بأس في ذلك. وقال المحاضر: أنت لست مطالبًا بأن تنشر الكتب التي ذاكرت منها أو المراجع التي رجعت إليها لتكمل واجبك. فتخيل أنك تذاكر مادة الفقه مثلًا، وأنا أقول لك إنني أشرح الفقه الحنفي، فذهبتَ إلى كتب كذا وكذا وكذا، وطالب آخر اكتفى بالكتاب الذي حملناه، فجئت أنت في الامتحان وأعطيتني معلومات زائدة. فالرجل الذي أخذتَ منه نسخة الامتحان القديم، إذا اعتبرتها نموذجًا للامتحانات التي يمكن أن تأتي، فهذه الناحية مشروعة، والله أعلم. لكن إذا أخذتها منه على أنها هي التي ستأتي في الامتحان اليوم، فأنت تغشّ مسبقًا وتحفظ الإجابات والأسئلة لتذهب فتكتبها، فهذه قصة مختلفة تمامًا، «ديفرنت ستوري».

وذكر أحد الحاضرين أن المشكلة عند البروفيسور في هذه الحال، لأنه يضع الناس في مأزق، فلو كان يأتي بنفس الأسئلة كل سنة فيُعلم من الواقع بالضرورة أن هذه الأسئلة ستأتي في الامتحانات، فلا يكون ناويًا أن يعلّم الناس أصلًا. ورأى آخر أن الغش في آخر المطاف يعود عليك أنت، تضرّ نفسك. فقال المحاضر: نحن لا نتكلم عن مرحلة الدراسة، وإنما عمّا بعد مرحلة الدراسة والإقدام على الامتحانات. وعندنا هاجس اسمه هاجس الامتحان؛ ناس كثيرون جدًّا يخافون من الامتحان في حد ذاته حتى لو ذاكروا الكتاب كله وكتبًا أخرى، وهذا عمومًا في الطلاب، وإن تفاوتت النسب بين الناس.

ثم ذكّر بأن من أهمل الدراسة لم يؤدِّ واجبه كموظفٍ في مرحلة طلب العلم؛ تأخر عن الكلاس وتغيّب عن المحاضرات. وهذا إخلال بأداء الأمانة، وعلينا أن نأخذ الأمر على أنه وظيفة. فسألهم: أنت تشتغل ماذا؟ ما وظيفتك في الحياة؟ إن قلتَ: لا شيء، أدرس؛ فأقول لك: دراستك هي الوظيفة. فعملك أن تحضر المحاضرات، وأن تجلس مع المدرسين، وأن تذاكر وتؤدي الواجبات؛ وإلا فهذه خيانة منك للعمل الذي تعمله، وهذه وظيفتك في الوقت الحالي. فلما يكون والدك أو أحد من ورائك، أو حتى أنت، تدفع الرسوم الدراسية، فأنت ملزم بأن تؤدي ما تستوجبه هذه الدفعات. فمن يضيّع وقته، أو يلعب في شيء، أو يجلس مع الناس بدل أن يدخل المحاضرة أو الكلاس، فأنا أعتبر ذلك في حد ذاته نوعًا من الخيانة، والله تعالى أعلم.

ثم عرض أحد الحاضرين سيناريو: نحن جالسون في الامتحان، ولاحظتُ أن زميلي كتب الرقم سبعة وهو خطأ. فقال المحاضر: نفرّق في هذه الحالة بين طالب مجتهد وطالب غير مجتهد؛ فواحد يعرف الموضوع ولكنه سهى، وآخر لا فكرة عنده عن الموضوع. فإذا كان الرقم المقصود هو رقم حل المسألة مثلًا فتعطيه إياه، فهذا غش. أما أن يكون صاحبك مثلًا بدل أن يكتب سبعة كتبها ثمانية من باب الخطأ، فتنبهه، فهذه مسألة إصلاح، ليست جريمة، وليست مما سأسميه غشًّا، لأنك تعرف من صلاح حاله وحرصه على الدراسة والتزامه ما يحملك على أن تعينه. فأنت لا تحضر عنده معلومة، وإنما تصوّب له سبق قلم أو سبق يد. وقد يقول لك بعض الناس: لا، ربنا كاتب له كذلك، ولو أراد الله أن يكتب سبعة لكتبها صحيحة، وأنت بهذا تعدّل في ما قدّره الله. لكن لا بد أن نميّز بين الحالات. ولاحظ المحاضر أن بعضهم يبدو معترضًا على هذا الكلام.

ثم قال: والله تعالى أعلم، فالأمور يا شباب تُقدَّر بقدرها، وكل حكم في مثل هذه المسائل قد تسمع من المفتي فيه شيئًا مختلفًا عن الآخر، بسبب الحالة والشخص وظروف الشخص وأحواله والنسبة المتاحة له، إلى آخره. وفتح باب الأسئلة: هل عندكم تعليقات حول هذه المسألة، أو محتاجون فيها إلى أسئلة قبل أن نكمل؟

حفظ العقل: الوعاء الذي يستوعب الشريعة

وعاد بعد ذلك إلى المقاصد: رقم واحد الدين، ورقم اثنين النفس، ورقم ثلاثة العقل. وقد قلنا قبل ذلك إن العقل هو الوعاء الذي يستوعب الشريعة. فحين قال رب العالمين سبحانه: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، كانت الأمور بمنتهى البساطة: سأقف، ثم أركع، ثم أقف، ثم أسجد، ثم أقعد، ثم أسجد. ونسبة العقل التي أحتاجها لأصلي قد تكون عشرة بالمئة وقد تكون تسعين؛ فهل شخصان يصليان جنبًا إلى جنب يؤديان الحركات نفسها؟ نعم، متفقون على هذا. لكن هل مهمة مثل القضاء وإسقاط الأحكام الشرعية على الأشخاص تحتاج إلى نسبة ذكاء عشرة بالمئة؟ فكم من الذكاء تحتاج؟ وهل نسبة الذكاء التي نحتاجها لنصلي هي التي نحتاجها لنخترع سفينة فضاء؟ وهل اختراع سفينة الفضاء من العبادة؟ هكذا نمازح: قد يكون من يفعل ذلك يريد أن يصعد القمر، وسواء صلى ركعتين فوق أو في الطريق، فهي صلاة قصر، لكن هذا ليس موضوعنا؛ بل أنت صاعد فوق فتجد نفسك قريبًا من ربنا سبحانه. على كل الأحوال هذا على سبيل المداعبة.

ولكن دعونا نسأل حالًّا: هل اختراع شيء جديد في عالم الحياة مما ينتفع به البشر نوع من العبادة أم لا؟ ونسبة الذكاء التي نحتاجها لنخترع شيئًا جديدًا ليست هي نسبة الذكاء المطلوبة في طفل سيقف يصلي لله أربع ركعات في العصر أو العشاء أو الظهر. بل لو كان واحد إمكاناته العقلية محدودة وحياته كلها أن يضرب بالفأس الأرض فيخرج منها الزرع، فهذا كل ما هو موجود؛ لا يُطلب منه كمية من الذكاء العقلي تنتج عنها اختراعات. إنه يعرف الطريقة، عنده «المانيوال» فيمشي عليه، واحد اثنان ثلاثة أربعة، ويخرج لك الإنتاج آخر السنة. فإذا كان هناك اختلاف في العقل المطلوب لممارسة أعمال الحياة، فكذلك هناك اختلاف في نسبة العقل المطلوب لاستيعاب تكاليف الشريعة.

ولما نريد أن نطبّق هذا الدين فأين سنطبقه؟ قلنا: ونحن نصلي. فهل الصلاة كل شيء، وليس بعدها شيء نتكلم فيه في الدين؟ لا، عندنا أشياء كثيرة. فما رأيكم في عالم الاقتصاد؟ البورصة والأسهم والتجارة الدولية والتجارة على الإنترنت؟ هذا الكلام يحتاج إلى عقول أم إلى عجول؟ يحتاج إلى عقول تفكر فيه وتفكر في نسبة تواؤم هذه التصاريف المالية مع أوامر الشريعة أو اختلافها معها. وبناء على ذلك أحكم، فيأتي النص من رب العالمين سبحانه: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾[13]. وإذا قال لي قائل: ما الفرق بين البيع والربا؟ حضرتك ذهبتَ لتشتري سيارة واشتريتها بنسبة ربوية، ثلاثة ونصف بالمئة مثلًا... فالموضوع يحتاج إلى عقل يقول: هذا حلال وهذا حرام، هذا بيع بالأجل وهذا بيع بربا صافٍ محض؛ يحتاج إلى من يميّز بين الاثنين، فمن الذي يميّز؟ العقل البشري.

فالله سبحانه لما جعل العقل في الإنسان جعل العقل محلّ التكليف. ومعنى محل التكليف أنه بدون العقل لا تكليف؛ فهذه الشريعة كلها بدون عقل لا تكليف. ولذلك يقولون: من شروط التكليف البلوغ والعقل؛ أن يبلغ الإنسان مرحلة التحول من طفل إلى أن يصير رجلًا أو امرأة، فيكون عنده الصلاحية لذلك. والأمر الثاني المهم جدًّا هو العقل. وحين نتكلم عن العقل فنحن نتكلم عن مستويات مختلفة من التكليف؛ فمن العقل ما يستوعب أن يكون الإنسان مصليًا، ولا نحتاج لذلك إلا إلى قدر يسير من العقل فيصلي وخلاص، ومن العقل ما يُطلب لتولّي أعمال إدارة الحياة والكون. وأنتم تدرسون علم الهندسة أو علم الأحياء أو أي علم من العلوم، علم الطب أو غيره، فتحتاجون إلى كمية كبيرة جدًّا من العلم.

طريقة التفكير المقاصدي: التجارب الطبية على الحيوان

والأسئلة التي كنا نتكلم فيها من قليل: هل التجارب الطبية على الحيوانات حرام أم حلال؟ ما رأيكم؟ وإن قلتُ لك: ليس عندي عقل لأجيبك عن هذا، فكيف أقدر أن أجاوبك إذا كان عندي عقل يستطيع التفكير في مثل هذه الأشياء؟ فلنبحث معًا في هذه المسألة. فتعالوا نسمّي الله ونبحث.

رقم واحد: ما الحيوان الذي تريد أن تجرّب عليه؟ ورقم اثنين: ما نوعه؟ ثم نقول: ما المصلحة المترتبة على هذه التجربة، ومن المستفيد الأول والأخير منها؟ بناء على منظومة كبيرة جدًّا تسمى منظومة المصالح والمفاسد، تقدر أن تقول لي هل هذا حلال أم حرام. فلو تخيلنا أن هذه التجربة ستُجرى على كلب عقور، أو كلب مسالم جدًّا قاعد أمام الباب، وأعطيناه حقنة لنجرّب عليه شيئًا، وكان من ضمن الاحتمالات أن يتحول هذا الكلب إلى أسد يأكل القاصي والداني ويؤذي الناس، فهل منطقيًّا أن يقول أحد: هذا الكلام حلال؟ أم أننا نحتاج إلى ضوابط واحتياطات في الموضوع؟ فقال سائل: لا يا شيخنا، ربنا يكرمك، أنا لا أسأل على هذا المستوى، وإنما أسأل: أنعمل أصلًا أم لا نعمل؟ فقال المحاضر: قبل أن تسأل، ما وجه الحرمة؟ ما المانع؟ فقيل: المانع أنه حيوان، وأن له حقًّا في أن يعيش عيشة حلوة، «فايف ستار» كبقية الخلق. فقال: وإلى متى نترك الفأر في الجحر؟ لا بد أن نجيء به وندلّعه! أنتم تعرفون. فأنا بمنتهى البساطة أجاوب: ما المصلحة المترتبة على فعل ذلك؟ والناس الذين يقولون إنه حيوان ومن حقه أن يعيش جيدًا، أتأكلون لحمه أم أنتم نباتيون؟ فيقولون: لا، نحن نأكل لحمه «هوبر» كالكبار. فنقول: ممتاز، من أين جئتم به؟ جئنا به من حيوان مذبوح. وما فعلتم به لتجيئوا منه باللحم؟ ذبحناه. فهل ذبحتموه مرة واحدة وأكلتم لحمه؟ هذا حلال، وليس من حقه أن يعيش. فلما ذهبتم وعملتم تجربة لتفيدوا البشرية وتزيدوا من عافية هؤلاء الخلق ليزدادوا طاعة لله سبحانه، ويُعمّر الكون بكذا وكذا وكذا، فهي مسائل مترتبة على بعضها: من يفكر في الموضوع من الأول بالسلب يخرج بنتيجة سلبية، ومن يفكر فيه بإيجابية من البداية يخرج بنتيجة إيجابية. وكيف تقدر أن تفكر في الموضوع؟ يمكن أن تقول لي: كل الكلام الذي قلتَه غلط، فأقول لك: آمين، ما عندي مشكلة، أخرِج لي عقلًا آخر يفكر بشكل مختلف ونمشي معًا ونصل إلى الصواب في أي احتمالاته، والله تعالى أعلم. وأنا لا أقول الآن حلال أو حرام؛ نحن نتبادل طرق التفكير معًا في كيفية توجيه المسائل وتحليلها.

وسألت إحدى الحاضرات: هل هناك فرق إذا كان ما نفعله يضر الحيوان؟ فقال: في بعض الأحيان يضر وفي بعضها لا، وما النتيجة المترتبة على وجود هذا الحيوان في حد ذاته؟ فهل عندنا فرق بين وجود الفأر ووجود الكلب ووجود القطة والأسد والغزال وغيره؟ هل في وجود أصناف هذه الكائنات في حد ذاتها فرق من حيث الكثرة والقلة، ومن حيث القوة والضخامة، ومن حيث النفع المتبادل بينه وبين البشرية؟ وهل النسبة المستعملة في التجارب مؤثرة على وجود هذا الكائن الحي، فنقول: لو عملنا هذه التجربة لانقرض؟ أم أن عدده كثير جدًّا؟ وما هي النتيجة المترتبة على هذا الاختبار في حد ذاته؟ هل نحن نتسلى؛ ليس عندنا شيء نفعله فنلعب قليلًا فنعذب حيوانًا؟ ساعتها ندخل في دائرة تعذيب الحيوان، والنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الطفل الذي يلعب بالعصفور قال له كذا. أم أننا نعمل شيئًا مفيدًا؟ فالهدف من وراء العمل، والنتيجة المترتبة على العمل، والوسائل المستعملة في خلال العمل: أعتقد أن هذه ثلاثة مقاييس مهمة نقيس عليها هل ما نفعله صحيح أم غلط.

فأنا الآن أجري تجربة على فأر، صغير جدًّا أو كبير جدًّا بهذا القدر، والنتيجة المترتبة: الدواء الذي أصنعه قد يجعله رب العالمين سبحانه سببًا في أن يُعفى كثير من الخلق من مرض السكري مثلًا. فالنتيجة المترتبة على التجربة مع عمّنا الفأر هذا نتيجة تؤدي إلى حياة جيل أو أجيال آتية من البشر. فالمصلحة المترتبة أقوى أم المضار الموجودة، أن الفأر يشتكي؟ فنقيس بقضية المصالح والمفاسد، فأجد المصلحة المترتبة في إحياء البشر مرة أخرى وسعادتهم وإعفاء أبدانهم من هذه الأمراض أكبر بكثير جدًّا من أن الفأر يشتكي مرة أو مرتين أو ثلاثًا؛ لأنني عملت حقل تجارب في المعمل، بشرط ألا تكون النية من وراء ذلك إهانة هذا الحيوان أو الازدراء من شأنه أو نحو ذلك.

وتدخل أحد الحاضرين بسؤال عن مستحضرات التجميل، أتُجرَّب على الحيوان قبل أن توضع على بشرة الإنسان؟ فقال المحاضر: ما الفائدة المترتبة على العقار الذي أعطيته لهذا الفأر لأجرب تجربة لمرضى السكري؟ فوائد عظيمة أم قليلة؟ وأنا أعمل فيه تجارب لأقيس نسبة هذا الدواء في خفض ضغط الدم عند البشر أو ارتفاعه، أو من أجل فيروس سي، لأنقذ البشر. أما التجميل فما القصة؟ فقال أحدهم: ليس بالضرورة تجميلًا، قد يكون مثلًا لوشن. ثم قيل: كل ما يترتب عليه في الأصل مصلحة مباشرة للإنسان فالأصل عدم الحرمة بالمقاييس التي تكلمنا عنها (ولا يتبيّن من التفريغ هل هذا من كلام المحاضر أم من أحد الحاضرين). وقال المعترض: لكن إذا وُجد مخلوق على الأرض فليس من حق أحد أن يؤذيه، وهو حتى وإن كان من الفواسق... فقال المحاضر: في الأصل هو مخلوق وكائن حي، وهذه الفواسق لما أُمرنا بقتلها أُمرنا بقتلها لضرر يلحق بنا؛ فلست مطالبًا أن تخرج تدور في الشارع وتلف في الدنيا كلها لتبحث عنها وتقتلها، لكنك وجدتَ في البيت شيئًا سيضرك، فأنت تتخلص من الأذى الملحق ببيتك وبثيابك وبشقتك وبزوجتك وبعيالك؛ فأنت لا تريد طفلًا صغيرًا تجده خارجًا يحمل ذيل فأر ويمشي به. لكن سؤالنا الآن، بغض النظر عن الفواسق أو غيرها: هذه النقطة، كائنٌ حي، أأعمل عليه تجربة أم لا؟ لماذا أعمل عليه تجربة؟

وقال أحدهم: ولماذا خلق ربنا الخنزير أصلًا؟ هو محرَّم في أكله ولا نستعمل منه شيئًا، وحالته كلها كذا من أولها إلى آخرها. قال المحاضر: هو عمومًا مخلوق، نحن أُمرنا بعدم أكله ولم نُؤمر بتدميره. فأنا لا أعلم، وقد يعلم غيري شيئًا آخر، لا أعلم أن عندي نصًّا في الشريعة الإسلامية يقول لي: كل ما تلقى خنزيرًا فاقتله. هل صادف أحدكم شيئًا من هذا الكلام من قبل؟ لا؛ بل أنا مأمور بعدم أكله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾[14]، فهذه جملة المحرمات في الطعام، وأهم ما فيها أنه لا يدخل جوفي بأي حال من الأحوال، لكني لم أُؤمر بقتله. فهل يمكن أن ينسحب ذلك مع بقية الحيوانات في مسألة حقول التجارب أم لا؟ فقال أحد الحاضرين إن الخنزير يخرب المناطق المدنية والزراعة ويخرب كثيرًا. فقال المحاضر: القتل هنا ليس لذات التعنت مع الكائن الحي، وإنما قتلٌ لسبب آخر ترتب على وجوده معي أنا، بناء على الحالة التي تقولها؛ فالقتل تم لمضارّ أكبر من وجوده، حتى لو كان لا يخرب، إذا كانت فيه مضرة محتملة. فهذا من تأويل الفاعل؛ كما أني حين شلتُ المناديل من هنا، فأصل وجودها حلال معي، لكن لما ترتب على وجودها في هذا المكان ضرر رفعتها من هذا المكان إلى مكان آخر، أو رفعتُها من قيد الحياة إلى الموت، بشرط ألا تكون محروسة في ذاتها بنص شرعي، والله تعالى أعلم.

وذكر أحد الحاضرين أن القانون عندهم يتناول نوعًا من هذه الحيوانات، وسُئل: أمسموح قتله أم واجب؟ فقيل: مسموح. فقال المحاضر: فإذا قابلني هذا والقانون يبيح قتله، فأنا شخصيًّا لن أفعل ذلك، ولا أنصحك أن تفعله. والله تعالى أعلم. ثم قال: ممتاز، ما شاء الله، وبارك الله فيكم.

ما يضرّ بالعقل: الإدمان بأنواعه

ثم قال إنه سيكمل بمنتهى البساطة والسرعة: إن رب العالمين لما أراد أن يحفظ العقل حرّم كل شيء يضرّ بهذا العقل. فمن ضمن هذه الأشياء المحرمة أن تشوّش على عقلك. وأحيانًا يأتي ما يسمى الإدمان. فما الذي يدخل في الإدمان؟ قال الحاضرون: تليفونك، المخدرات، القهوة. فقال: كل ما يمكن أن يؤثر على العقل، سواء كان محرمًا في ذاته، أو كان مباحًا في ذاته لكن الزيادة منه تؤثر على العقل، فالأصل فيه المنع. لماذا؟ لأني أريد أن أُبقي عقلي على المستوى المطلوب. ولا يقل لي أحد: لكن صاحبنا إذا ضرب سيجارة مروانة صارت دماغه في السماء، فهذا كلام فارغ. وكذلك المنشطات البدنية: ناس يأخذون منشطات ليقوى جسمهم، فهل هي مفيدة أم مضرة؟ مفيدة الآن، وبعد خمس دقائق يصير مثل الأسد يضرب خصمه ويجري ويسابق، لكن بعد سنين... فكل ما يُحتمل منه الضرر عاجلًا أو آجلًا فالأصل فيه المنع. فاكرون لما كنا نتكلم عن موضوع السجائر؟

وليس الإدمان على المواد وحدها؛ فقد يكون في ناس تدمن المسلسلات والأفلام والفيديو، أي الشاشة، إلى درجة أنها تأخذ منهم العقل وتسحب منهم التركيز. ومن هنا يفكر بعض العلماء في مسألة الألعاب الخاصة بالأولاد الذين يصلون إلى مرحلة من مراحل الإدمان، فهل هي في ذاتها حلال أم تنسحب عليها الحرمة في مرحلة من المراحل؟ يعني إذا وجدت ابني دخل في مرحلة أنه صار مدمنًا ولا يستطيع أن يعود إلى الوراء، فهل يمكن أن أمنع هذا عن الولد للمصلحة أم لا؟ حرام وحلال ربما تكون كلمة صعبة على الناس شيئًا ما، لكن على الأقل أين تسير المصلحة التي تحفظ عليّ عقلي وتحفظ عليّ اتزاني؟ ذلك ما أريد التركيز عليه.

وأضاف مثالًا عمليًّا في ولدٍ دخل وقت الصلاة وهو قاعد على التليفون، فتقول له: قم يا ابني صلِّ. فيقول: حاضر، جاي معك، ثم يقف في آخر الصف، فإذا قلتَ أنت: الله أكبر رجع خطوة إلى الوراء (وبقية عبارته في هذا الموضع مضطربة في التفريغ فلا تتضح نقطته). ثم اشترط أن يعود الولد فيكمل صلاته قبل أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله، بحيث يكون قد بدأ معك وختم معك فيأخذ الثواب كله. ثم صلّى على الهادي البشير.

وقال: رقم اثنين، من أهداف حفظ العقل استخدام الطاقة العقلية في عمارة الكون، وهو من الأهداف التي شدّ الإسلام من خلالها على بقاء هذا العقل الإنساني.

حفظ المال: وسيلة لا غاية

وأخيرًا حفظ المال. المال وسيلة أم غاية؟ فقال أحد الحاضرين: غاية. فسأله: كيف؟ فقال: هو لأنك تجيب المصاري. فقال: ولماذا تجيب المصاري؟ أنت لا تشتغل لتجيب مصاري؛ العملة التي في الوسط، الشيء الذي بين شغلك وبين تحقيق الهدف هو الفلوس. فأنت تشتغل لتجيب فلوس، وتجيب فلوس لماذا؟ لتدفع إيجار البيت. فأنت لا تشتغل للفلوس، بل لإيجار البيت. والذي سيسدد إيجار البيت هو الفلوس. وأنا أشتغل لآكل في الآخر، فالفلوس هي التي ستجيب لي الأكل، فاشتغلتُ لأجل فلوس تحصل من خلالها المنفعة المترتبة. فالمال في عرف الإسلام وسيلة لتحقيق غايات أكبر منه.

وقد اشترط الله على المسلمين في موضوع المال شرطين: الأول أن يأتي المال من حلال، والثاني أن يُنفَق المال في حلال؛ فلا تكسب من حرام، ولا تصرف فلوسك في حرام. والنبي ﷺ يقول بالنص الواضح: «لا تزول قدمُ عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع»، ثم يذكر ﷺ: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه»[15]. فلا يقل لي أحد: كسبتُ المال من حلال وسأذهب أبني به مسجدًا؛ لأنك لن تُسأل عن الإنفاق وحده، بل سُتسأل عن المصدر أيضًا. ولا يقل أحد: جلبتُ فلوسي من الحلال فأفعل فيها ما أشاء، فأشتري مخدرات أو أصرفها على شيء غير طيب. لا، بل: من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه.

والمال لما كان وسيلة للتعامل بين الناس أمرنا الله ألا نستخدمه في استغلال الناس، ولذلك حُرّم ما يسمى بالربا. وما علة تحريم الربا؟ أنك تستغل احتياجات الخلق. فأنت تذهب لأنك لا تملك، فتأخذ خمسة أو ما قيمته خمسة، ثم حين ترجعها ترجعها سبعة أو خمسة عشر، وإن لم تملك مرة أخرى اضطُررتَ إلى تأخير الدفعات، فصارت تسعة وصارت ثلاثة عشر وصارت سبعة وعشرين وصارت تسعين، حتى تجد نفسك إما مفلسًا أو أنك ذاهب إلى السجن. فحرّم الله سبحانه أن يُكتسب المال من حرام، وأن يُنفق في حرام، وألا يُستخدم في استغلال البشر بأي وسيلة من الوسائل. وحينها سترى من لوازم هذه القواعد ما يسمى بالأمانة، وصيانة حقوق الناس المادية والمعنوية، والوفاء بالعهود فيما بين الناس، إلى آخر المنظومة الأخلاقية المرتبطة بقضية الأعمال أو الأموال كلها. فالموظف يؤدي حقه لأنه يتقي الله فيما يكتسب، والموظف يعطي الموظف حقه وزيادة لأنه يتقي الله فيما ينفق، وهكذا تدور الدائرة: أنا ذاهب لأعمل خدمة عندك فسأدفع لك ثمنها، لأنني خائف أن يسألني ربنا سبحانه فيقول: أنت فيما أنفقتَ مالك، أو لماذا لم تنفقه في كذا وكذا، إلى آخر هذه المنظومة من التفكير. والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

خاتمة: ما أردناه من اللقاءين

وقال المحاضر: تقريبًا نكون بهذا قد عملنا تغطية شبه مختصرة حول هذه الأشياء. وطبعًا كل مادة من هذه المواد، أو كل موضوع من هذه المواضيع، لو أردنا أن نتكلم فيه عشر ساعات فقد لا نوفيه حقه من خلال النصوص القرآنية والنبوية الواردة، لكننا إنما نعمل إلمامة. والهدف عندي من هذا اللقاء ومن اللقاء الذي قبله أن نقول إن إسلامنا ليس دينًا عشوائيًّا، وإن له غايات في المجتمع، وإنه متوافق مع الحياة البشرية بشكل كبير، بل هو الأصل في قيام الحياة البشرية على مستوى ناضج ومحترم. ثم نضيف بعد ذلك أن أعمال الناس ليست هباءً منثورًا، وإنما أعمالك مرتبطة بالقواعد الشرعية المرتِّبة للحياة. فالناس والمنهج، إذا سار الاثنان على ما يرام، نقدر أن ننمّي المجتمع ونرتقي به؛ ولو اختل الاثنان أو أحدنا انهدم المجتمع.

والخلل الموجود في حياة المسلمين الآن أنهم لا يؤمنون بالفكر المقاصدي، فلا أحد ينظر ما الذي سيترتب على الفعل. وهذا الذي قلناه في موضوع التجارب على الحيوانات وغيره، لم نقل فيه كلمة حلال وحرام وانتهينا؛ أنا أعطيتكم فكرة كيف نقدر أن نفكر في الموضوع بشكل ما، حتى لو لم نخرج بنتيجة. نحن نفكر في الموضوع كيف: ما المصالح المترتبة على وجود هذا الشيء في حياتنا؟ وما الفائدة التي ستعود على البشر؟ وما الأضرار التي يمكن أن تُحتمل خلال هذه التجارب؟ وما السلبيات التي ستنتج للمجتمع؟ هذه الأسئلة كلها تطلع عندي منتجًا في الآخر اسمه: حلال أو حرام، يصح أو لا يصح، جائز، مكروه، حرام، مندوب، واجب، إلى آخره. والله تبارك وتعالى أعلم.

ثم ختم بقوله: جزاكم الله تعالى خيرًا، ورضي الله عز وجل عنكم، وسلمكم الله تعالى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية 181. ذكر المحاضر مضمونها على أجزاء ولم يسمِّ السورة. [2]: توثيق المحرر: سورة المؤمنون، الآية 115. وقد وقف المحاضر عند «عبثًا»، وتتمتها: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية 30. ذكرها المحاضر بمعناها ولم يسمِّ السورة. [4]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية 97، وتمامها في المصحف: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. نطق المحاضر بها بصيغة قريبة («ولله على الناس … لمن استطاع إليه سبيلًا») ولم يسمِّ السورة. [5]: توثيق المحرر: سورة الأنبياء، الآية 18. وقف المحاضر عند «الباطل». [6]: توثيق المحرر: سورة النحل، الآية 125. قال المحاضر إن «بالحكمة والموعظة الحسنة» هي الوسائل، وإن موضع الأمر هو «ادعُ». [7]: توثيق المحرر: سورة التوبة، الآية 122. [8]: توثيق المحرر: سورة آل عمران، الآية 104 وسمّى المحاضر السورة، ثم قال بعدها «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا» وهي في الآية 105 من السورة نفسها. [9]: توثيق المحرر: قوله تعالى «قُمْ فَأَنذِرْ» في سورة المدثر، الآية 2، وما بعده في سورة المزمل، الآيات 2–5. لم يسمِّ المحاضر السورتين. [10]: توثيق المحرر: سورة الأنعام، الآية 151، وقد سمّى المحاضر السورة. [11]: توثيق المحرر: سورة الإسراء، الآية 31، وقد سمّى المحاضر السورة. وشرح المحاضر الفرق بين الآيتين في الأولى فقط ثم انتقل إلى القصة، ولم يشرح الثانية في التفريغ. [12]: توثيق المحرر: القصة رواها المحاضر بقوله «بتقول ان…» دون عزوٍ إلى مصدر، فتُنقل كما رواها حكايةً لا أثرًا ثابتًا. والعبارة المنسوبة إلى البنت وردت في التفريغ بصيغة قريبة مما أُثبت. [13]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية 275. نطق المحاضر بها «أحلّ الله البيع وحرّم الربا»، وهي في المصحف بواو العطف في أولها: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. [14]: توثيق المحرر: سورة المائدة، الآية 3. ذكرها المحاضر بقوله «حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير». [15]: توثيق المحرر: رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه بنحو هذا اللفظ، وتمامه: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه». والمحاضر اقتصر على الأربع إجمالًا وفصّل المال.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque