A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

«غافر» وحملة العرش

خاطرة الفجر | د. أحمد أبو سيف | 23 يوليو 2026 — «غافر» وحملة العرش

Dr. Ahmed Abouseif•٢٣ يوليو ٢٠٢٦•5 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 23 يوليو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

في سورة غافر: «غافر»، كلمةٌ تعبّر عن قدر ما تتلقّى من الله، وأول ما تتلقّى من الله رحمتُه، ومن تمام رحمته مغفرة ذنوب العباد والعفو عنهم. والرجل الكريم لا تكتمل مروءته إلا إذا صار فوق الناس أو فوق أخطائهم، فلا ينظر إلى صغائر ما يصنع الناس بقدر ما ينظر إلى إشفاقه عليهم وتلطّفه بهم ورحمته في وسطهم.

والمثال الأبسط: لو أن كل والد عاقب أبناءه على كل خطأ يفعلونه، أترون بيتًا قائمًا؟ ترون البيوت كلها متهدمة، لأن النفوس صغيرة والعقول لا تستوعب أبعاد التصرفات. ففي مرحلة الصغر تغلب الأولادَ شهوتُهم وتميل بهم نزواتهم في صغائر الأمور وسفاسفها. ما الذي يحرّك يد طفل أن يخطف لقمةً من أخيه في البيت؟ حصل هذا أو لم يحصل؟ طفلٌ خطف لقمة من أخيه، فتقول له: بس يا حبيبي، معلش، سأجيب لك غيرها، لا يصح هذا. لكنك لو عاقبت كل واحد منهم على كل شيء يفعله فسيبقى معك قسرًا إلى أن يشبّ ويكبر، فإذا تمكّن خرج لا يلوي عليك ولا يسأل عنك مرةً أخرى. لماذا؟ تلك نتيجة القسوة.

ثم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾[1]: لو يؤاخذ الله الناس على كل شيء يفعلونه لم يترك على ظهر الأرض أحدًا، لأننا نخطئ كثيرًا جدًّا؛ قصدنا أو لم نقصد، متعمدين أو غافلين أو متنبّهين أو مقصّرين، احتمالات لا حصر لها ولا عدد.

غافر الذنب وقابل التوب

فتأتيك «غافر»، وأنا أتخيل هذا الربط وأتصوره بين ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ وما بعد قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾، وهو مشهدٌ يصفه لنا ربّ العالمين ويُلحقه بالمشهد الآخر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.[2] هذا المشهد وذاك يمثّلان حقيقة التقابل بين أهل المعصية والكفر والجحود والكنود، وبين أهل الطاعة والبرّ والتلطّف يوم القيامة.

ومن المشاهد الرائعة جدًّا أن أهل الجنة حين يجلسون فيها يتساءلون: ما الذي أتى بك إلى هذه المنزلة؟ كيف وصلت إلى هنا؟ من أين جئت؟ ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾.[3] ما معنى مشفقين؟ أي نتجاوز عن صغائر الأمور وسفاسفها، ولا نعالج إلا ما يستحق، ونتوقف عند ما يستوجب. وقد يكون في الأمر ما هو بسيط، فلدى الإنسان عقلٌ وقدر من الفهم والاستيعاب يحمله على التصرف بحكمة. وإن أدّب فثمة فارقٌ بين التأديب والعقاب؛ فنحن نؤدّب فقط.

فيأتينا قول الله «غافر الذنب»، متجاوزٌ عن عباده عن أخطائهم، بشرط أن تحمل في قلبك أو في نفسك قلبًا سليمًا ونفسًا الأصل فيها أنها زكية، وعقلًا يطمح إلى ما عند الرحمن، وألا تكون ممن يبيّتون السوء.

حال الذين كفروا

والذين كفروا وُصفوا في هذه الآيات التي تُليت بوصفين. لماذا يقول: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾؟ يقول ربنا سبحانه: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فما الصفة التي عندهم؟ المجادلة، والأخذ والردّ، وهذا تعنّتٌ في عقليةٍ مقيتة. ثم عندنا أمثلةٌ سبقت: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.[4] ما رأيكم؟

والصفة الثانية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾. هل من سبيل؟ لا. ولماذا لا، وهو غافر الذنب؟ ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾؛ فالنفسية في الأصل غير سليمة، والمكوّن الأساسي غير مستقيم.

فاستقم كما أُمرت

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾[5]: هذه الجملة التي خوطب بها رسول الله ﷺ يحتاج كلٌّ منا أن يتفكر فيها وأن يتذكرها، فالعَوَج الذي يحصل في حياتنا في كل يوم لا يُستثنى منه أحد. وللناس في أخطائهم مقامات؛ كلٌّ منا يبرز منه من السيئات ما لا يليق إلا به ولا يصدر عن غيره. خذ الإمام المحترم الكبير الذي يؤمّ الناس في الصلوات ويخطب فيهم ويتحدث؛ أيكون الشيطان ساذجًا؟ لن يجيء إليه فيقول: تعال انظر إلى هذه المرأة، فهذا الإرشاد لا طائل تحته. لكنه يُريه ذاته فيعجب بنفسه، وتلك أخطاءٌ فادحة قاتلة بين يدي الله يوم القيامة. أو يغريه بذاته: أنه حكم بين اثنين وفصل بينهما فاعترض أحدهما، فكيف يعترض على حكمي أنا الإمام؟ اهدأ يا عمّ الحاج. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ يخاطب بها ربّ العالمين رسوله ﷺ، وربنا سبحانه يحكي لنا من تجارب الأنبياء والمرسلين ما يرينا أمثال هذا المستوى من الهَنات التي تحصل هنا وهناك.

ومن الناس من يستقيم في بيته محافظًا على أهله ملتزمًا بعياله، لكن عينه تزوغ بين الحين والآخر، أو يتطلع، أو يكذب كذبة، أو يميل بهواه يشتهي شيئًا ما. فإذا بربنا يقول «غافر». لمن؟

الذين خُصّوا بدعاء الملائكة

لأولئك الذين خُصّوا بدعاء الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.[6] هذه خصائص الملائكة، ولكن أي ملائكة؟ حملة العرش. وما صفاتهم؟ كم مهمة لهم؟ ثلاث: يحملون العرش، وهذه مهمتهم، ويسبّحون ويؤمنون، وهذا لهم فيما بينهم وبين الله، والثالثة: ويستغفرون للذين آمنوا. وانظر إلى صيغة الدعاء الحلوة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، ثم إدخالهم الجنات، ثم ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾.

هؤلاء يناسبون «غافر الذنب»، بل ويجدون لتحصيل المغفرة أعوانًا سمتُهم وصفتُهم أنهم ملائكة، وليسوا كبقية الملائكة وإنما هم حملة العرش بين يدي الرحمن سبحانه وتعالى. وعندنا ثلاث آيات وراء بعضها في منتهى الإثراء لذاتك ونفسك؛ فالتمسوا في القرآن الكريم هداية النفوس واستقامتها وصلاح العقول وانتفاضتها على كل هذا التراكم من الشرور الصغيرة، لكنها بين يدي الله يوم القيامة كبيرة.

أسأل الله العلي القدير أن يلهمنا التسبيح، وأن يجعلنا ممن حصّلوا المغفرة، وأن يجعلنا في جملة من تخصّهم الملائكة بالدعاء.

--- [1]: توثيق المحرر: فاطر: ٤٥، وقد أوردها المتحدث في سياق الحديث عن مؤاخذة الناس بما كسبوا. [2]: توثيق المحرر: الزمر: ٧١ و٧٣، وغافر: ٣ لقوله «غافر الذنب وقابل التوب»؛ وأوردهما المتحدث مجزأتين، وأُثبتت الآيتان بقدر ما أورد. [3]: توثيق المحرر: الطور: ٢٦. [4]: توثيق المحرر: غافر: ٤ و٥، ثم ١٠–١٢ لقوله «إن الذين كفروا ينادون…»، وأُثبتت الآيات بقدر ما أورد المتحدث. [5]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث الجملة دون عزو؛ وهي في سورة هود: ١١٢ والشورى: ١٥، وليست في سورة غافر. [6]: توثيق المحرر: غافر: ٧، وتتمة الدعاء في ٧–٩.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque