الاعتراف بنعمة الرزق
خاطرة الفجر: من قارون إلى صور الشكر
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 20 مايو 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
اللهم لفلسطين وأهلها لطفًا وعفوًا ورضوانًا ونصرًا وتأييدًا ومددًا، اللهم كن لهم نصيرًا ومؤازرًا، اللهم أعنهم على ما بين أيديهم والطف بهم وارحم ضعفهم يا أرحم الراحمين، وكل مستضعف في الأرض وكل سائل إياك يا ذا الجلال والإكرام.
وبعدُ، ففي قضية الرزق نرى جملة مهمّة جدًّا.
الله إذا أعطى طلب الاعتراف
الله تبارك وتعالى عندما يعطي، يطلب ممن أخذ الاعتراف بعطائه عز وجل؛ فقط أن تقول لله: أنا معترف بأنك صاحب الإنعام. وهذا الاعتراف له صورته الأولى، وهي قول: الحمد لله.
قارون: المثال الواضح
والمثال المضروب الواضح جدًّا عندنا في القرآن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.[1] هذا الكلام لمن وُجِّه؟ لقارون. كم كان عند قارون؟ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾، ورب العالمين سبحانه وتعالى يحدثنا أنه ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾[2]؛ أي كميةٌ من المال لا حدّ لها ولا حصر لآخرها ولا إحصاء، شيءٌ فوق توقعات البشر.
فما الذي طُلب من قارون؟ التكليفات المطلوبة هنا، على لسان الناس الذين عندهم وعي: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ في قصورك وسياراتك وطائراتك التي تريدها، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾. هذان هما التكليفان الموجودان فقط، أما ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فمضمَّنة بطبيعة الحال. ولو أن قارون قال فقط: الحمد لله، أكان ما أصابه من الخسف يلحقه؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾.[3]
الله لا يعبأ بالدنيا
يظن كثير من الناس، والعياذ بالله، أن ما جمعوه من المال لا يمكن أن يذهب، وأن الله لا بد حافظٌ لهم ما بنَوه. وربّ العالمين سبحانه وتعالى لا يعبأ بهذه الدنيا ولا بما فيها. وكثير من الناس يتصور أنه لو بنى إمكانات مالية كبيرة فمستحيل أن تذهب. ورب العزة سبحانه وتعالى يحدثنا بقوله عز وجل في آخر الفرقان: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾.[4] أرأيتم هذا النص؟ ويستنبط المتحدث منه قيمة الكلمة الطيبة، كلمة الحمد لله. فلو أن قارون قال: الحمد لله، عندما ذكّروه بالله تبارك وتعالى، لكان في أمان، هو وماله وأهله وكل ما يملك. لكنه لم يفعل، فكان ما أخبر به رب العالمين من الخسف به وبداره.
الغنى المزيف
التجبّر في اللفظ، واستشعار الغنى بما يملك الإنسان، شعورٌ مزيّف يقذفه الشيطان في نفس الخلق حتى يستشعروا عزّةً دون عزة الله، ومنعةً دون حماية الله، وسلطانًا دون سلطان رب العالمين سبحانه وتعالى. فيخزيهم نفسيًّا، يُشبعهم بشعور مزيّف فيقولون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.[5] هذا شعار؛ شعار قارون: قال إنما أوتيته على علم عندي. ويحدث رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وستجد حولك مَن يُغري بهذه الحالة. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.[6]
الصورة الثانية: الإحسان
وصورة العمل الصالح الذي يعبّر عن شكر العبد لرب العالمين سبحانه وتعالى هي ذلك الإحسان. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ثم: ﴿وَأَنفِقُوا﴾.[7] هذه هي الصورة الثانية من صور الحفاظ على النعمة.
نحن اتفقنا من الأول: هل يسهل على الله عز وجل أم يصعب أن يمنح الخلق؟ ما رأيك؟ سهلٌ على الله عز وجل أن يعطي الواحدَ من المال ما شاء مهما عظم؛ هذا أهون ما في الكون. فهل المطلوب صعبٌ على ربنا سبحانه وتعالى؟ أن يعطيك ذكاءً تستطيع من خلاله أن تخترع وتبتكر وتجلب الأموال؟ المطلوب شيء بسيط جدًّا: أن تعبّر لله عن امتنانك، يا رب أنا أشكر ما بين يديّ من نعم.
صور الشكر
قلنا إن الشكر له صور. الصورة الأولى أن تعبّر عن ذلك فتقول: الحمد لله. وتذكرون الحديث الذي كررناه كثيرًا، في معنى أن الله يغفر للعبد يأكل الأكلة فيحمده عليها.[8] وذنوبه هذه متضمّنة كلمات وأفعالًا وتصرفات وأحوالًا ومشاكل وخصومات. فكلمة الحمد في حد ذاتها كانت مؤهِّلًا قويًّا جدًّا أن يغفر الله تعالى له ذنوبه. وكلمة الحمد لله على المال الذي تجنيه هي أكبر اختبار نفسي، لأن الناس أمام الرزق في حالتين.
الحالة الأولى: كثرة الأموال المُطغِية. والحالة الأخرى: قلّة الأموال التي تجعل العبد يتساءل: ما الأمر؟ أنا عندي إمكانات وعندي قدرات! فينظر إلى الداخل، فإما ناظر لنفسه على أنه أكبر مما أُعطي، وإما ناظر لنفسه على أنه يستحق أكثر مما أُعطي. نفهم المسألة هذه: واحد يقول لك: إمكاناتي أعلى من ذلك، لماذا رزقي قليل؟ وآخر يقول: أنا أستحق أكثر من ذلك.
قبل أن يأتي أحدكم الموت
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.[9] والحديث القدسي، يحدّث به رسول الله ﷺ عن ربّ العزة سبحانه وتعالى وهو يقول: «أنفقْ أُنفقْ عليك».[10]
الناس تغترّ بما آتاها الله لدرجة نسيان أهل الجوع، ونسيان المرضى، ونسيان المحتاجين، والنظر إلى أحوال المسجونات. ولنقف عند هذه الجزئية الصغيرة: أحد أصدقائنا كتب منشورًا على فيسبوك يتكلم فيه عن نسبة المسجونات؛ نتكلم عن نساء في السجن بسبب ماذا؟ بسبب أنها تزوجت فتركها زوجها ومضى، الله تعالى أعلم إلى أين ذهب، فاضطرت أن تشتري أغراضًا للبيت، أو تشتري أشياء للأولاد، أو تدفع مصروف المدرسة. من أين أتت بذلك؟ بدَين، والدَّين عليه إيصال، والإيصال أُخذ إلى الشرطة، والشرطة تطبّق القانون، فحبستها؛ حُبست في مبالغ زهيدة. تخيّل إنسانًا محبوسًا في مبلغ تافه لمدة سنة أو سنتين بتهمة التبديد! تخيّل الكلمات الكبيرة هذه: التبديد، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو التحايل أو الغش أو التزوير أو النصب والاحتيال، كل ذلك بسبب أشياء من هذا القبيل.
وتخيّل أنك تقرأ هذه الجملة، وتجد قبلها خبرًا أن امرأة سُرق من بيتها فقط كذا من الذهب وكذا من الأموال الطائلة. ما معنى هذه المفارقة كلها؟ الشاهد في القول أن الناس عندما أُعطوا أموالًا نسُوا، ذهب عن أذهانهم أصحابُ الحاجات، وخصوصًا الذين هم في ضيق لأسباب تافهة. فيقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.
مَن يطالع الناس إلا حين يأتيه الموت
لمّا يأتي الموتُ ابنَ آدم ويطالع من حوله من الموتى، فتخيّل؛ سأضرب مثالًا بسيطًا جدًّا: واحد دخل السجن، وهو جاء من الخارج في سيارته وبدلته وماركاته. دخل السجن فوجد العاطل والنصّاب واللص، ووجد أصحاب الفكر وأصحاب النُّكر، وأصحاب الفخامة وأصحاب المذلّة. هؤلاء الناس كلهم، ما كان يراهم. لماذا؟ لأنه يعيش في منطقته، في فقاعته، فيسير في وسط مجموعة من الخلق لا يتجاوزهم لا إلى الأعلى ولا إلى الأدنى.
فتخيّل أن الإنسان يأتيه الموت، فإذا هو يطالع كل من حوله، فيرى من ماتوا من الغني والفقير والذي كان لصًّا، وسائر الناس. فيقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾؛ السبب أن النجاة الوحيدة بالنسبة له أن يعطي مرة أخرى ﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.[11]
الطيبات والشكر
ربنا سبحانه وتعالى يأمر الناس أن يتحرّوا في معايشهم الحلال، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، ونفس الأمر يأمر به المؤمنين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.[12] كيف نشكر الله؟ كلمة شكر لرب العالمين معبّرة عن نفسية صاغها الإيمان، فحملتها على تكسّب الحلال، وحملتها على شكر الله باللفظ، وحملتها على منح بعض ما أعطت في سبيل رب العالمين سبحانه وتعالى.
لا تحرموا أيديكم العطاء كما لم يحرمنا الله عز وجل الأخذ، ولا تحرموا أنفسكم عون الناس كما لم يحرمكم الله العون من لدنه. وانظروا إلى أن كثيرًا من الخلق أنتم أسباب الرزق إليهم، كما أن الله جعل بين أيديكم أسباب الرزق. المعادلات الموضوعة من قبل رب العالمين محسومة، فلا تؤخرنّ عطاءً، ولا تدّخرنّ جهدًا، ولا تمسكنّ مالًا؛ فإنما عند الله تعالى خير وأبقى.
أسأل الله تعالى أن يصلح لنا قلوبنا، وأن يهدي لنا نفوسنا، وأن يطوّع لنا أبداننا، وأن يحفظ علينا عافية نفوسنا وقلوبنا وصدورنا. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: القصص: 77. [2]: توثيق المحرر: القصص: 76، وقد جاء فيها قوله تعالى ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾ قبل الجزء المذكور. [3]: توثيق المحرر: القصص: 81. [4]: توثيق المحرر: الفرقان: 77. وتفسير «دعاؤكم» بكلمة الحمد هو من استنباط المتحدث في سياق خاطرته، وأكثر المفسرين على أنه الدعاء والعبادة؛ فيُراجع. [5]: توثيق المحرر: القصص: 78. [6]: توثيق المحرر: القصص: 79-80. وقد نقل المتحدث الجزء الأخير بصيغة «يقولون»، وأثبتُّ نص الآية على ما هو في المصحف. [7]: توثيق المحرر: المنافقون: 9. [8]: توثيق المحرر: لفظ صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها»؛ وجاء في الحمد بعد الطعام مغفرة الذنوب في حديث آخر عند أبي داود والترمذي. ولم يعيّن المتحدث لفظ الحديث ومصدره، فنُقل معناه دون علامات اقتباس. [9]: توثيق المحرر: المنافقون: 10. [10]: توثيق المحرر: ورد معناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «قال الله: أَنفِقْ أُنفِقْ عليك». [11]: توثيق المحرر: المنافقون: 10-11. [12]: توثيق المحرر: المؤمنون: 51، والبقرة: 172.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.