الهوى في القرآن
حين يُتَّخذ الميل إلهًا
مجلسُ قضاءٍ في الأرض، وخصمان بين يدي رجلٍ جعله الله خليفةً، وحقٌّ ينتظر من يقوله، وميلٌ خفيٌّ في القلب لا يراه الخصمان ولا يسمعه الحاضرون. وفي هذه اللحظة بعينها ينزل النداء: ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِيفَةً فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (٣٨:٢٦). لا يعنينا هنا ما رُوي في سبب هذا الخطاب، فالذي يعنينا النداء نفسه: يُخاطَب به داود عليه السلام، صاحب الملك والنبوة، ويُحذَّر في هذا الموضع من شيءٍ واحد اسمه «الهوى». وكأن القرآن يقول إن أخطر ما يتهدّد صاحب الحكم ليس أن يقف الخصم أمامه، بل أن تميل نفسه وهو جالس. وهذه الكلمة التي وقف عندها النداء الإلهي لها في القرآن شأنٌ لا يشبه شأن غيرها من ألفاظ النفس: فهي في الغالب لا تُذكر إلا ومعها اتّباعٌ أو اتخاذٌ أو نهي، وكأنها خصمٌ دائم يقف في مقابل الحق والعلم. فما الهوى في القرآن؟ وكيف جاء استعماله على هذا النحو الفريد؟
ثمانٍ وثلاثون مرة، وسبعٌ وعشرون منها لمعنى واحد
يرد جذر «ه و ي» في القرآن ثمانيًا وثلاثين مرة[1]، في خمس صيغ: ثماني مرات فعلًا ثلاثيًّا («هوى» و«تهوى» و«تهوي»)، ومرةً واحدة على وزن الاستفعال «استهوته» (٦:٧١)، وسبع عشرة مرة «أهواء»، وإحدى عشرة مرة «هوى» أو «هواء»، ومرةً واحدة «هاوية» (١٠١:٩). غير أن هذا الرقم يخفي انقسامًا في المعنى حسبناه من قوائم المواضع نفسها[2]: فسبعٌ وعشرون مرة (الأهواء السبع عشرة، وعشرة مواضع من «هوى») بمعنى ميل النفس، وهو موضوع مقالنا؛ وثلاث مرات فعل «تهوى» مقترنًا بالنفس (٢:٨٧، ٥:٧٠، ٥٣:٢٣)؛ وست مرات بمعنى السقوط والانحدار والانجذاب (١٤:٣٧، ٢٠:٨١، ٢٢:٣١، ٥٣:١، ٥٣:٥٣، ١٠١:٩)؛ و«استهوته» مرة؛ و«هواء» بمعنى الفراغ مرة (١٤:٤٣). والمجموع ثمانٍ وثلاثون.
وفي السبع والعشرين ملاحظة تستحق الوقوف: اثنتان وعشرون منها تقترن بفعل الاتّباع، ست عشرة من سبع عشرة في «أهواء» (والاستثناء ٦:١١٩ «يضلون بأهوائهم»)، وست من عشر في «هوى» (٤:١٣٥، ٧:١٧٦، ١٨:٢٨، ٢٠:١٦، ٢٨:٥٠، ٣٨:٢٦). أما الأربعة الباقية فهي التي تحمل أغرب التراكيب: «اتخذ إلهه هواه» (٢٥:٤٣، ٤٥:٢٣)، و«ينطق عن الهوى» (٥٣:٣)، و«نهى النفس عن الهوى» (٧٩:٤٠). وعند هذه المواضع نقف.
جذر واحد يتّجه إلى أسفل
يضع المعجم أمامنا جذرًا واحدًا ذا وجهين. يقول الراغب الأصفهاني: «الهوى: ميل النفس إلى الشهوة. ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوي: سقوط من علو إلى سفل»[3]. فجمع تحت المادة الواحدة ميل النفس والسقوط من علوّ، وجعل التسمية (على قولٍ ذكره) مأخوذة من الثاني، أي أن صاحب الهوى يهوي به هواه. ويفسّر «استهوته» (٦:٧١) بأنها «حملته على اتباع الهوى». أما لسان العرب فأوسع: «الهوى العشق، يكون في مداخل الخير والشر»، ومما نقله عن أهل اللغة: «الهوى محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه»[4].
فاللغة تقول إن الهوى محبةٌ تغلب على القلب، قد تقع في الخير وقد تقع في الشر. والقرآن اختار منها وجهًا واحدًا. فقد تتبّعنا مواضع الاسم السبعة والعشرين فلم نجد بينها موضعًا يُمدح فيه الهوى؛ ونقل القرطبي عن ابن عباس قوله: «ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه»، ولم يسنده[5]، فنذكره شاهدًا لا حجة. ويبقى أن الجذر نفسه لا يُذمّ كله: ففي دعاء إبراهيم عليه السلام أن يجعل الله أفئدةً من الناس «تهوي إليهم» (١٤:٣٧)، وفسّره الطبري عن قتادة بأنها «تنزع إليهم»[6]، وهو ميلٌ محمود في سياق الدعاء. فالذمّ إذن في قراءتنا ليس لازمًا لغويًّا للكلمة، بل هو استعمال قرآني للهوى الذي يُتَّبع من دون هدى.
«أفرأيت من اتخذ إلهه هواه»: حين يصير الهوى معبودًا
﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً﴾ (٤٥:٢٣). لم يقل «اتّبع هواه»، وهو التركيب الغالب، بل قال «اتّخذه إلهًا»، فنقل الهوى من مرتبة الدافع إلى مرتبة المعبود. وقد اختلف المفسرون في وجه ذلك. روى الطبري أن بعضهم قال: «أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه»، وقال آخرون: «بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء»[7]. ونقل القرطبي القول الأول عن ابن عباس والحسن وقتادة، وعن عكرمة أنه الذي «جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه»، وعن سعيد بن جبير: «كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر»[8]. فهما قراءتان: الهوى مرجعًا يُشرَّع به الدين، والهوى استحسانًا يتبدّل به المعبود. أما الزمخشري فجمع المعنى في تشبيه: «هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه»[9].
وفي الآية لفتةٌ نقرؤها على أنها قراءتنا لا قولٌ منقول: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ تُنبّه إلى أن الهوى لا يكون جهلًا فحسب؛ فقد يجتمع مع علمٍ حاضر، لكنه علمٌ لا يقود صاحبه لأن الإله المتبوع في القلب غيره. ثم تنزل بقية الآية كسلسلة من الإغلاق: ختمٌ على السمع والقلب، وغشاوةٌ على البصر، وكأن من جعل هواه معبوده فقد أغلق على نفسه منافذ الهداية الثلاثة، ثم يأتي السؤال الذي لا جواب له إلا الاعتراف: السؤال عمّن يهديه من بعد الله. وما يُراد هنا أن الهوى المعبود لا يُرى معبودًا، فصاحبه يظن أنه حرٌّ يختار، وهو أسير ما يشتهي.
«ولا تتبع الهوى»: الهوى في ميزان القضاء
نعود إلى مجلس داود عليه السلام. قال الطبري في تفسير الآية: «ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحق»، وقال القرطبي: «لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله»، و«فيضلك عن سبيل الله» أي «عن طريق الجنة»[10]. فالهوى هنا ميلٌ في القضاء لا كفرٌ ولا شرك، وقد خوطب به نبيٌّ خليفة. وإلى المعنى نفسه يعود قوله تعالى للمؤمنين في الشهادة: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلۡهَوَىٰ أَن تَعۡدِلُوا۟﴾ (٤:١٣٥). فالهوى في الموضعين يقف في وجه العدل: في الحكم، وفي الشهادة، ولو على النفس والوالدين والأقربين. وعلى هذا فالنهي عنه ليس وعظًا عامًّا، بل حارسٌ على أخطر مواضع الأمانة.
«وما ينطق عن الهوى»: الوحي مبرّأ من الميل
ثم تنقلب الصورة في سورة النجم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٌ يُوحَىٰ﴾ (٥٣:٣-٤). ههنا يُنفى الهوى عن أعلى مقام يمكن أن يتكلم فيه بشر، ويكون نفيه دليل الصدق. وقد وقف المفسرون عند حرف الجر: روى القرطبي عن قتادة: «وما ينطق بالقرآن عن هواه»، وعن أبي عبيدة أن «عن الهوى» بمعنى «بالهوى»، ثم نقل عن النحاس: «قول قتادة أولى، وتكون "عن" على بابها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل»[11]. وفي هذا الخلاف على دقته فائدة: سواء قلنا «عن» أو «بـ»، فالقرآن يجعل الهوى النقيض المقابل للوحي في أصل الكلام: إما وحيٌ يُوحى وإما هوى يُنطق به.
«ونهى النفس عن الهوى»: النهي لا الاستئصال
وفي سورة النازعات مشهد الميزان الأخير، بين رجلين: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ (٧٩:٣٧-٤١). المقابلة هنا دقيقة: في الجهة الأولى طغيانٌ وإيثارٌ للدنيا، وفي الثانية خوفٌ من مقام الرب ونهيٌ للنفس عن الهوى. وفسّر الطبري: «ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالف هواها إلى ما أمره به ربه»، وقال القرطبي: «زجرها عن المعاصي والمحارم»، ونقل عن سهل: «ترك الهوى مفتاح الجنة»[12].
والفعل «نهى» يستحق التأمل: لم يقل «أزال النفس من الهوى» ولا «قتل هواها»، بل «نهاها». فالهوى حركةٌ تصدر من النفس تبقى ما بقيت النفس، والمطلوب أن تُنهى وتُزجر وتُخالف. وهذا ما نقرؤه من الآية، وهو متسقٌ مع أن القرآن لم يأمر بإلغاء النفس، بل قرن الهوى بها في أربع آيات (٢:٨٧، ٥:٧٠، ٥٣:٢٣، ٧٩:٤٠). وقد تناولنا في مقالٍ سابق وصف النفس بـ﴿إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (١٢:٥٣) في «النفس الأمّارة بالسوء في القرآن»[13]. وفي قراءتنا أن الأمّارة هي الأصل الذي يأمر، والهوى هو الحركة التي يظهر بها أمرها، وقد عرّفه الراغب بأنه «ميل النفس إلى الشهوة». فالنفس تأمر والهوى يميل، وبينهما يقف الإنسان.
رجلٌ آتاه الله آياته فأخلد إلى الأرض
وللمفهوم صورة بشرية في القرآن: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِي ءَاتَيۡنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا﴾. ثم يقول: ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَث﴾ (٧:١٧٥-١٧٦). قال الطبري في «أخلد إلى الأرض»: «سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض ومال إليها، وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة، واتبع هواه». وروى أن المقصود بلعام، لكنه نبّه إلى أن في خبره اختلافًا بين أهل العلم، وفي القرطبي أقوال في الذي اتّبعه هواه: أنه ما زيّنه الشيطان، أو أن هواه كان مع الكفار، أو أنه رضا زوجته[14]. ولذلك نتحفّظ في التسمية ونقف عند ما سمّاه القرآن: رجلٌ أوتي الآيات، ثم انسلخ منها. وأقسى ما في الصورة التشبيه: لا ينفك عن اللهاث حُمل عليه أو تُرك، كأن الهوى حاجةٌ لا تشبع. وتأمل أن الآية تقول إن الله لو شاء لرفعه بالآيات، لكنه أخلد إلى الأرض، فالمعنى مقابلة بين الارتفاع والإخلاد، وهي الصورة التي تتسق مع ما قاله الراغب في أصل الجذر: سقوطٌ من علو إلى سفل.
لو اتّبع الحق أهواءهم
وللهوى بُعدٌ كوني في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَاءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (٢٣:٧١). اختلف المفسرون فيمن «الحق» هنا: قال القرطبي: «هو الله سبحانه وتعالى، قاله الأكثرون»، ثم ذكر قولًا بأنه القرآن، وقولًا بأنه ما يهواه الناس فيبطل نظام العالم «لأن شهوات الناس تختلف وتتضاد»[15]. وعلى أي الأقوال فالمعنى واحد: لو دارت الدنيا على أهواء الناس لما استقامت. ويتكرر في القرآن النهي عن اتباع «أهواء» الآخرين بعد مجيء العلم، ومنه ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَاءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَاءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ (٢:١٢٠). وفي المائدة (٥:٤٨) نهيٌ عن اتباع أهوائهم بدل ما جاء من الحق، وفي الجاثية (٤٥:١٨) أمرٌ باتباع الشريعة ونهيٌ عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون. والمقابلة في هذه المواضع لافتة، ويبدو لنا منها أن الهوى لا يُقابَل بالعقل، بل بالعلم الذي جاء من الوحي والحق الذي أُنزل. وقد أشار الراغب إلى دلالة الجمع في هذا التعبير حين قال: «فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيهًا على أن لكل واحد هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى، فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة»[16]. فالحق واحد، والأهواء كثيرة متضادة، ومن ترك الواحد ضاع في الكثير.
حين تجتمع المواضع
إذا جمعنا هذه الخيوط ظهر لنا ما ينفرد به القرآن في هذه الكلمة. فالهوى يُتَّبع فيقابله الحق والعلم، ويُتَّخذ فيقابله الإله الواحد، ويدخل مجلس الحكم فيقابله العدل، ويُنفى عن النطق فيقابله الوحي، ويُنهى عنه فتقابله خشية المقام. وفي هذه المواضع يقف الهوى في صفٍّ والوحي في صفٍّ آخر، وكأنه لا ثالث بينهما. وهذا ما يجعله مفهومًا قرآنيًّا متميّزًا عن «الشهوة» و«الرغبة» و«الميل» في معناها العام؛ فهو الميل حين يصير مرجعًا.
حديثٌ يضع الهوى في مكانه
وفي السنة ما يؤكد هذا المعنى، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»[17]. لاحظ التعبير: لم يقل «حتى لا يكون له هوى»، بل «تبعًا». فالهوى يبقى، لكنه ينتقل من موقع المتبوع (كما في ٤٥:٢٣) إلى موقع التابع. وفي هذا قراءةٌ لطيفة نراها منسجمة مع «نهى النفس»: ليس المطلوب أن يموت الميل، بل أن يُنكَّس رأسه أمام الوحي، فيصبح المحبوب محبوبًا لأن الله أحبّه.
ما يعنيه هذا لنا اليوم
يبدو الهوى في زماننا أنيقًا. لا يأتي في صورة صنمٍ من حجر، بل في صورة رأيٍ نحبّه فنبحث له عن دليل، وموقفٍ ننتصر له لأنه موقفنا لا لأنه الحق. ولعل سؤال الآيات لكل واحد منا هو: هل أطلب الدليل لأتبعه، أم أطلبه لأبرّر ما اخترته؟ والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من «يتبع الحق» ومن «اتخذ إلهه هواه». وهو سؤال يصلح للنقاش والخصومة، وللفتوى والتدريس، وللبيت أيضًا، حين يغدو الغضب أو الكبرياء أو الرغبة في الظهور هي التي تختار الرأي ثم تستدعي النصوص لتشهد له.
وللمربّي والإمام والمعلّم والقاضي والأب والأم موضعٌ خاص من الآيات، فهم أصحاب كلمةٍ تُسمَع، ومن كانت كلمته مسموعة كان الميل في قلبه أخطر من غيره، كما كان في مجلس داود. وأولى الوقاية أن نُدرّب أنفسنا على الحكم بين من نحب ومن نكره بميزانٍ واحد، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا (٤:١٣٥)، وأن نقبل ما جاء به الوحي حين يخالف ما نشتهي. ولتعليم الناشئة معنى آخر: أن الإيمان ليس كبتًا للميول، بل تربيتها، فالله لم يأمر بقطع النفس، بل بنهيها. فنعلّمهم أن يسمّوا ميولهم بأسمائها، وأن يسألوا قبل القرار: لمن أميل الآن، ولماذا؟ فمن عرف ميله لم يعد الميلُ يقوده من حيث لا يدري. ونعلّمهم كذلك أن الخوف من مقام الرب (٧٩:٤٠) هو الذي يعطي النهيَ قوّته، فمن لم يستحضر وقوفه بين يدي الله صعب عليه أن يزجر نفسه عمّا تحب. وفي أثرٍ ينقله القرطبي عن ابن مسعود دون إسناد: «أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق فنعوذ بالله من ذلك الزمان»[18]. ولا نجعله حجة، لكنه يصف حال من يقلب الأمر فيجعل الهوى قائدًا والحق تابعًا.
خاتمة
يضع القرآن في كفّةٍ واحدة الهوى، وفي الأخرى الحق والعلم والوحي، ثم يسأل: أيّهما تتبع؟ وإن في جذر الكلمة لإشارةً تُغني عن كثير من الشرح: فهو جذر السقوط، والسقوط لا يحتاج إلى دفعٍ، يكفيه أن نترك أنفسنا. اللهم اجعلنا ممن خافوا مقامك ونهوا النفس عن الهوى، ولا تجعل إلهنا ما تهواه أنفسنا، واجعل أهواءنا تبعًا لما جاء به نبيك ﷺ، وثبّتنا إذا مالت بنا الأهواء، وردّنا إليك ردًّا جميلًا، واجعل الجنة مأوانا يوم نلقاك.
الهوامش
- بحسب مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، مادة «ه و ي»: ثماني مرات فعلًا ثلاثيًّا، ومرة بصيغة الاستفعال، وسبع عشرة مرة «أهواء»، وإحدى عشرة مرة «هوى/هواء»، ومرة اسم فاعل «هاوية»؛ المجموع ثمانٍ وثلاثون. [2]: التفصيل بين معنى ميل النفس ومعنى السقوط، وإحصاء اقتران الأهواء بفعل الاتّباع (اثنتان وعشرون من سبع وعشرين)، من حساب الكاتب على قوائم المواضع في صفحة المدوّنة المذكورة، لا من نصٍّ فيها. ولم نعدّ «هواء» (١٤:٤٣) من ميل النفس لأنها بمعنى «خالية». [3]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «هوى». [4]: ابن منظور، «لسان العرب»، مادة «هوا»؛ والعبارة الأخيرة منسوبة فيه إلى أهل اللغة (عن التهذيب)، والأولى إلى ابن سيده. [5]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الجاثية ٢٣. نقله بلا إسناد، ولم نقف على إسناده. [6]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير إبراهيم ٣٧، وفيه أيضًا عن ابن عباس أن إبراهيم سأل الله أن يجعل ناسًا يهوون سكنى مكة. [7]: الطبري، «جامع البيان»، تفسير الجاثية ٢٣. [8]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الجاثية ٢٣. [9]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الجاثية ٢٣. [10]: الطبري، «جامع البيان»؛ والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير ص ٢٦. [11]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير النجم ٣. [12]: الطبري، «جامع البيان»؛ والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير النازعات ٤٠. [13]: انظر مقالنا «النفس الأمّارة بالسوء في القرآن: الذات التي تحتاج إلى رحمة» في هذه السلسلة. وربط الهوى بالنفس الأمّارة قراءةٌ للكاتب لا نصٌّ منقول. [14]: الطبري، «جامع البيان»، والقرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير الأعراف ١٧٦. وقد أشار الطبري إلى اختلاف أهل العلم في خبر الرجل. [15]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير المؤمنون ٧١. [16]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «هوى»، في بيان دلالة الجمع في «أهواءهم». [17]: «الأربعون النووية»، الحديث ٤١، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ وقال النووي: «حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب “الحجة” بإسناد صحيح»، كما هو مثبت في موقع sunnah.com. وهذا حكم النووي كما وقفنا عليه. [18]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير النازعات ٤٠، نقلًا غير مسنَد.↩
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.