في ظلال الهجرة النبوية المباركة
خاطرة الفجر
المناسبة: خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 30 يونيو 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
يحتفل الناس بهجرة النبي ﷺ، ويتساءل المرء أمام هذه المناسبات: لماذا نفعل ذلك؟ لماذا نحتفل بهجرة النبي ﷺ؟ والجواب أن النبي ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة، فيُسأل: بأي شيء تحتفل؟
الهجرة فراقٌ لا فرح فيه
الهجرة لم تكن في صورتها إلا فراقَ النبي ﷺ لبلده ووطنه وأهله وماله وناسه وذكرياته وتراثه وخبراته وحياته. وهذه مسألة لا يفرح بها كثير من الناس؛ أن يضطر الإنسان إلى أن يهجر بلدًا إلى بلد آخر، أو أن يُخرَج منها، مسألة محزنة. فلماذا نحتفل؟
لقد خرج النبي ﷺ من مكة إلى المدينة بعد ضغطٍ نفسي ومعنوي وجسدي وحسي وعقلي، بعد ضغط من كل الجوانب التي يمكن أن يتلقاها إنسان. ويُروى أنه ﷺ وقف على مكة وخاطبها بمعنى أن أهلها لولا أنهم أخرجوه ما خرج. فهو ﷺ مضطرٌّ إلى الخروج. فلماذا نحتفل إذن؟ أنحتفل لأنه خرج من مكة إلى المدينة فوجد حياةً مطمئنة سعيدة؟ ما الحكاية؟
نحتفل بما أتى لا بما كان
أهل العقول المتفكرون في مثل هذه المسائل يقولون: نحن نحتفل لا بما كان، وإنما بما أتى. فما الذي أتى؟ بدأت مرحلة الإنجازات الحقيقية في حياة الدعوة المسلمة، حين بدأ النبي ﷺ إنشاء هذه الأمة. فتراه ينتصر في بدر وفي أحد وفي الخندق، بل قبل ذلك ينتصر حين يصنع أول دستور رسمي في عالم الحياة لمدينة مدنية، يتحدث فيها القانون بلغته. والقانون المستمد من قوانين السماء هو أعظم أنواع القوانين؛ القانون الذي يجمع بين نص الوحي وتطبيق هذا النص في حركة البشر وحيثيات الحياة هو أعظم دستور في العالم.
فكان أول إنجاز للنبي ﷺ في المدينة صناعة هذا الدستور الذي يجمع بين الفئات المتنوعة والعرقيات المتباينة والنفسيات المختلفة، بل وما يُزعم أنه أديان مختلفة؛ هناك يهود، وهناك عرب، وهناك إسلام ومسلمون، فجمع النبي ﷺ هذا كله في صياغة قانونية.
وتراه ﷺ ينتصر حين يبدأ استشعار الحرية في حركة الدعوة، فيراسل من حوله ويتكلم مع الناس، لا على المستوى المحدود داخل مكة، وإنما على مستوى إقليمي أكبر؛ يخاطب هذه القبيلة ويراسلها ويستقبل زعماءها. فرأيناه ينتصر في صناعة الأساس، وفي حرية الدعوة، وفي تعليم الناس كيف تعيش الحضارات المؤمنة على أرض الواقع: فلا توجد مشكلة إلا ولها حل، ولا توجد هزيمة إلا والمجتمع كله يستشعر ألمها ويبكي لأثرها، ولا توجد لقمة في المجتمع إلا وهي تعلم أين تذهب وكيف تُقسَّم بين أفراده، بقدر ما يبذل الناس من جهد وبقدر ما يستحقون من أخذ. معادلة عظيمة جدًّا صنعها رسول الله ﷺ في هذه البلاد بهذا الدستور وبهذا التوزيع العادل بين الأفراد جميعًا.
ورأيناه ينتصر بصناعة مجتمع لا يختلف الناس فيه فيما بينهم إلا إذا وُجدت الآفات. ومن ذلك اليهودي الذي ذكّر الأوس والخزرج بما كان بينهم من حروب، فأقام بعضهم على بعض، فتواعدوا جميعًا ليقتل بعضهم بعضًا، فإذا بالنبي ﷺ يحذّر هؤلاء الناس بأنهم يهدمون ما تم بناؤه إلى الآن، ويذكّرهم بدعوى الجاهلية وهو بين ظهرانيهم؛ كأنه ﷺ يقول لهم: أتريدون هدم كل ما بُني من إسلام الناس، وتريدون أن تعيدوا جاهليتكم مرة أخرى؟
وهكذا تُرى انتصارات النبي ﷺ في ترسيخ مفاهيم القرآن الكريم في عقول الخلق. عنده الحرية الدعوية، وعنده مسجد مفتوح، وعنده خطبة جمعة، وعنده لقاءات عامة مع الناس، وعنده حرية التنقل، وعنده القدرة على تبليغ رسالته. هذا مناخ وُجد في المدينة تستطيع الدعوة من خلاله أن تنمو وتكثر وتعظم، ولم يكن هذا المناخ في مكة المباركة.
وماذا عن مكة؟
أفتكون مكة إذن خالية من الإنجازات؟ لا؛ فهناك إنجازات مجتمعية، وهناك إنجازات فردية. والذي حصل في مكة هو بناء النبي ﷺ لشخصيات الأفراد الذين حملوا الدعوة إلى المدينة. فلو لم يكن مصعب بن عمير لما وُجدت الدعوة في المدينة بهذه الكثافة العظيمة. وكذلك أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان، وهؤلاء الأكابر الأعاظم الذين جمع الله تعالى لهم بين خيري الشخصية واستيعاب الإسلام، فكانت شخصياتهم عظيمة، وكان استيعابهم للإسلام عظيمًا، بل أعظم من أصالة نفوسهم الأولى. فصنع النبي ﷺ في مكة على مدار ثلاثة عشر عامًا أشخاصًا أنشأهم بهذه الدعوة، فنَمَوا فيها وبها، وعاشوها وعاشوا بها وعاشوا لها، فلما خرجوا إلى المدينة كانوا خير الأعوان لرسول الله ﷺ على أداء هذه المهمة العظيمة.
أين إنجازاتنا نحن؟
أتساءل الآن، بعد هذا الاستعراض: أين الإنجازات التي حققناها نحن بعد هجرتنا من بلادنا إلى هذه البلاد؟ لا بد، حتى لو لم نجد جوابًا صريحًا وواضحًا، أن يسأل كل واحد منا نفسه عن نسبة الإنجازات التي حققها بعد هجرته من بلاده إلى هنا. وعندنا مجموعة من المقاييس.
الإنجاز المادي. من الفطرة البشرية أن يستشعر الواحد منا الإنجازات المادية، وهذا لا يُعاتَب عليه أحد. لكن هل فعلًا حققنا إنجازات مادية؟ هل هذه البلاد تتركنا نكسب ونُحوِّش حتى يكون لنا رصيد كبير حسن؟ أقول للناس دائمًا: في بلادنا يتصور الشباب أننا هنا نلتقط المال من الشارع. وفي النكتة أن واحدًا قالوا له: أول ما تنزل أمريكا ستجد فلوسًا في الشارع، فنزل صاحبنا المطار فوجد واحدًا مسكينًا ضربه وأخذ منه ما معه. والخلاصة أن هذه البلاد تعرف كيف تعطيك، وتعرف كيف تأخذ منك، فلا يكاد يهدأ أحد آخر العام بشيء بين يديه وإن حقق كمًّا من الإنجازات. وثروتنا الوحيدة، وهذا الكلام أركّزه في نفسي منذ اللحظة الأولى التي جئت فيها إلى هذه البلاد: «تحويشتك» الوحيدة في عيالك؛ إذا استطعت أن تستثمر في عيالك فتلك التحويشة العظمى، وما دون ذلك فلا تسأل عن بقية مال يبقى في يديك.
الإنجاز المعنوي. هل الناس لما جاؤوا أمريكا تحسّنت نفسياتهم وارتفعت معنوياتهم واستقروا نفسيًّا وعاشوا حياة سعيدة راغدة؟ بالعكس؛ تسعة وتسعون في المئة من البشر الذين تراهم، للأسف الشديد، محطَّمون نفسيًّا.
الإنجاز الأسري. هل نجحنا على المستوى الأسري؟ هل استطعنا أن نلمّ شملنا، وأن نحفظ عيالنا، وأن نُبقي زوجاتنا، وأن نكون لعيالنا مطمئنين والحياة مستقرة؟ أم أننا فقدنا أجزاء كبيرة من الاستقرار النفسي والمعنوي؟
الإنجاز الدعوي. وكل ذلك يكون في جنب، ويبقى الإنجاز الدعوي في جنب: ما الذي حققه كل منا من إنجازات دعوية؟ هل ساهمنا في نشر دعوة الله تبارك وتعالى؟ أتساءل، كما سبق أن ذكرت: لو كان لي جيران أعيش في وسطهم خمسة أو عشرة أعوام ولم يتعرف أحد منهم عليّ ولا على شخصيتي ولا على طريقتي ولا على إسلامي، فكيف ألقى الله سبحانه وتعالى بهؤلاء الناس؟ كيف ألقى الله عز وجل يوم القيامة وعندي جيران لم يعرفوا عن الإسلام إلا الصوت العالي الذي يخرج من البيت، والخصومات ليلًا ونهارًا؟ والأصل أننا نراهم هم يفعلون ذلك؛ لكن سبحان الله، في المنطقة التي أعيش فيها الآن، منذ نحو خمسة أعوام لم أرَ الشرطة دخلت بيت أحد بسبب مشكلة بينهم، وما سمعنا صوت أحد يزعق إلا صوتي أنا. (وأمزح بالطبع.)
الخلاصة
إذا كنا نريد أن نحتفل بالهجرة على أنها هزيمة فليس لنا مسوِّغ في ذلك، وإذا كنا نحتفل بالهجرة على أنها إنجاز فلا بد أن نسأل أنفسنا: أين إنجازاتنا في حياتنا هذه؟
أسأل الله تعالى أن يحقق بنا دينه، وألّا نُهزم أمام أنفسنا، وألّا نكون عبرةً بين يدي الأمم يوم القيامة، وألّا نكون عبئًا على الإسلام وعلى ديننا. أسأل الله أن يمكّن الإيمان من قلوبنا، وأن يحفظ التقوى في نفوسنا، وعافية قلوبنا وأبداننا، وأن يجعلنا سببًا لنصرة هذا الدين وعونًا لأهله. اللهم آمين.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.