الهجرة انتزاعُ نفسٍ وتجديدٌ للنية
مع رأس العام الهجري: الهجرة انتزاعُ نفسٍ، وتجديد النية في البقاء
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٦ يونيو ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
مع بدايات العام الهجري الجديد نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله عام رشد وهداية للأمة، اللهم آمين.
الهجرة ليست انتقال مكان فقط
يتحدث الناس دائمًا عن الهجرة بأنها انتقال من مكان إلى آخر، وهي بالفعل كذلك في الصورة الخارجية، فترى أناسًا يخرجون من موطن إلى موطن. لكن ادخل إلى أعماق هؤلاء لترى أنهم ينتزعون أنفسهم من مكان، ثم يبدأ الإنسان رحلة جديدة في البحث عن موطن يضع فيه ذكرياته وأحلامه وآماله وطموحاته ومعارفه وعلاقاته وخبراته، موطن يلجأ إليه. ونسمّي ذلك لجوءًا، لكنه لجوء حسّي، يستوعب البدن ويعطي الجسد حقوقه المادية: الأسفلت ناعم، والشارع جميل، والشجر مهذَّب، والمنظر حسن.
أي المهاجرين نحن؟
لكن من الداخل، فالمهاجرون أنواع. من هاجر من دنيا إلى دنيا فلا يشعر بفراغ كبير. ومن هاجر من دنيا إلى دين فهؤلاء يشعرون بإنجاز عظيم. ومن هاجر من دين إلى دين فالدنيا عندهم صورتها متشابهة، وليسوا متأثرين بهذا كثيرًا. أما أولئك الذين هاجروا من دين إلى دنيا فهؤلاء هم أصحاب التعاسة، والعياذ بالله. فأي أنواع المهاجرين نحن، حين خرجنا من بلادنا وأتينا إلى هذه البلاد؟
وقد كان عندي بالأمس لقاء مع أحد الناس، كان عنده موعد وجلس مع الإمام يشكو أن رجلًا أتى إلى هذه البلاد من زمن، وكان رجلًا متدينًا صاحب تقوى وصاحب معرفة، ليس علمًا كثيرًا لكنها معرفة، وبدأ نشاطًا إسلاميًّا وتحرك الناس بين يديه وقام المسجد. فإذا نحن نتعامل الآن مع أحفادهم وهم على غير الطريق مطلقًا، ليسوا على الطريق بالكلية. لقد خرجوا إلى حيث لا يريد الله سبحانه وتعالى. فنتساءل: إلى أين نحن نمضي؟ ولنا في هذا كلام طويل، لكن الصورة العامة: لو أن واحدًا من الناس خرج لأجل الدين وعلم الله تعالى صدقه، فواللهِ الذي لا إله غيره لن يضيّعه ربُّه في أولاده ولا في أحفاده. الأساس عندك أنت: ما الذي تنويه؟ ما الذي تريده؟ لماذا أتيتَ إلى أي موطن؟ وما الذي تتمناه بعد موتك؟
ما لا يُبنى متأخرًا
نقول مرة أخرى: الهجرة انتزاع للقلب والذاكرة والعقل والفؤاد من موطن إلى موطن آخر، يبدأ الإنسان فيه البناء من جديد.
سمعتُ أحد المتحدثين في عالم التخسيس والحمية يتكلم عن خطورة أن يخسر الناس وزنهم فجأة، فهم يخسرون عضلاتهم. وخسارة الدهون مكسب جيد جدًّا، أما خسارة العضلات ففيها مشكلة، وقد لفت نظري قوله إن العضلات تُبنى مع مراحل العمر، فإذا وصلتَ إلى مرحلة ما فلا قدرة لك على أن تبنيها من جديد. فإذا أخذنا هذه المعلومة الطبية الظريفة، إن صحّت، ونقلناها إلى واقعنا، فهناك أشياء لا تُبنى وأنت كبير، وأشياء لا تحسن أن تبدأها وأنت في الأربعين، وأشياء لا تحسن أن تبدأها وأنت في الخمسين. الأشياء التي خرجنا بها ونحن نجري في وسط الغيطان والحقول، ونداعب هذا ونتحرك في هذا الجو، يستحيل أن تجده مرة أخرى بعد أن هاجرت، ولا تستطيع أن تزرعه في أولادك، ولا تحسن أن تتركه ثروةً لمن يأتي بعدك. هناك أشياء خاصة تركتها لما هاجرت تركًا تامًّا وراء ظهرك. فإذا كتب ربُّ العالمين سبحانه ورجعتَ إلى البلد وتنسّمتَ عبير الأثر الذي يعبّر لك عن التاريخ، أدركتَ ما فاتك.
لا هجرة بعد الفتح
وحين نتكلم عن الهجرة وفضل المهاجرين، فقد قال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح».[1] أي بعد فتح النبي ﷺ لمكة انتهت المسألة: لم يعد هناك انتقال من مكة إلى المدينة نسميه هجرة، وصارت الدنيا أمانًا. أما الانتقال من موطن إلى آخر فصار جهادًا ونيّة، بمعنى أن تنظر أين تعبد الله، وما نيتك في الإقامة؛ تنظر أين تعبد الله. وهذه هي المجاهدة، أن تجاهد نفسك لتبقى حيث تصلح.
وأذكر قبل أكثر من عشرين سنة، حضرتُ مؤتمرًا وكنت في زيارة هنا قبل الإقامة الطويلة، والتقيتُ أحد أهل العلم وسألته، فقال لي: يا بني، الموطن الذي تحسن أن تعبد فيه الله هو أرضك وسماؤك، فلا تلتفت إلى المسميات.
جددوا النيات
فاستوصوا بأنفسكم خيرًا، وجددوا النية مع هذه التواريخ التي تمر على الناس على أنها تواريخ، وهي بالنسبة لنا محاور تتغير عندها سلوكياتنا في الحياة، والفواصل التي ننتقل منها من موطن إلى آخر، لكن بنيّتك. فما الذي نريده؟ إن أفقر الناس هنا يعيشون حياةً يتمناها أناس في مواطن أخرى، وإن أبسط مكونات الحياة في هذه البلاد أعلى بكثير في صورتها. والناس طبعًا تظن، كما قلنا قبل ذلك، أننا زارعون شجرًا يطلع دولارات وراء البيت! الله المستعان.
والشاهد: مع هذه المناسبات جددوا نياتكم. لماذا البقاء هنا؟ وما الذي نرجوه وما الذي نؤمّله في أولادنا وأحفادنا؟ وما الذي نرتّب له كمسلمين يعيشون على هذه الأرض؟
أسأل الله سبحانه أن يحيينا على طاعته وأن يميتنا على طاعته، وأن يكتبنا من السابقين إلى مرضاته. وأسأله تبارك وتعالى ألا نموت ونخلّف من ورائنا ذرية لا تعبده عز وجل، وأن يجعل كل من يخرج من نسلنا عبادًا له وحده لا يشركون به شيئًا، ولا يحيدون عن مسار النبوة.
--- [1]: توثيق المحرر: الحديث متفق عليه، وتمامه «ولكن جهاد ونية»؛ وقد ذكر المتحدث معناه في شرحه.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.