A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

جامع العلوم والحكم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»

من «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: حديث «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»

Dr. Ahmed Abouseif•١٣ سبتمبر ٢٠٢٦•5 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

مع الحديث السابع عشر من كتاب «جامع العلوم والحكم»،[1] وهو حديث أبي يعلى شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، وليُرِحْ ذبيحته». رواه مسلم،[2] وله روايات مختلفة؛ منها ما خرّجه الطبراني من حديث أنس عن النبي ﷺ: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسنٌ يحبّ المحسنين».

من قضاء الحاجة إلى التعامل مع الأشياء في ذاتها

هذا الحديث برواياته المختلفة ينتقل بالمسلم إلى مستوى أعلى بكثير من مستوى الناس حوله. فالغرض عند الناس من الأشياء قضاءُ مصالحهم: يريد أن يقضي حاجته فحسب. فإذا أخذ كوبًا من الماء شرب منه ما يريد ثم ألقى البقية؛ وإذا أُحضر بين يديه طعام نال منه ما يشتهي وترك الباقي. أما نبيّنا ﷺ فينتقل بك إلى مستوى التعامل مع الأشياء في ذاتها، وكأنها كائنٌ حيّ تخاطبه ويخاطبك. فإذا كلّمت إنسانًا فأنت لا تأخذ منه جزءًا من ذراعه وتترك الباقي؛ وإذا سلّمتَ عليه رددتَ يده كما استلمتَها، لا تأخذها معك وتنصرف. فكأن النبي ﷺ ينقل المسلم من التعامل مع ذاته حين يتناول الأشياء إلى التعامل مع الأشياء ذاتها، فيحدّثنا عن مقام الإحسان.

الإحسان حتى في القتل

وقد ضرب لهذا المقام مثلًا بالذَّبحة. فإذا ذبح أحدُنا ذبيحة فقد أُمر شرعًا أن يُحسن إليها، وفي كتب الفقه آدابٌ كثيرة جدًّا في الإحسان حال الذبح: إراحة الذبيحة، وحدّ الشفرة، والتسمية عليها، وسقيها الماء قبل أن تُذبح، وغير ذلك.

غير أن قبل الذبح مسألةً أخرى هي مسألة القتل: «إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة». فإذا كان الذبح في محلّه — فهو مشروع لإقامة الحياة الإنسانية في ذلك الجسد وبقاء الإنسان حيًّا، لأنه يُطعِم ليقتات، ويقتات ليتعبّد، ويتعبّد ليلقى الله سبحانه — فما بالنا نرى كلمة «القتل»؟ وأيُّ قتلٍ هذا المنشود في الحديث؟

وكأن النبي ﷺ يحدّثك أنك إذا تعاملتَ مع الأشياء والأشخاص في أوقات الرضا أو السخط فلا بدّ أن يكون التعامل صادرًا من مبدأ الإحسان. فحتى لو كان الذي أمامك عدوًّا يستوجب القتل، أو عاصيًا معصيته تستوجب الحدّ، فإن التعامل بالإحسان مبدأٌ لا يتجزأ ولا ينخرم، ولا يتجاوز الإنسان حدودَه في التعامل مع الناس بحالٍ من الأحوال.

الإحسان في الواجبات والمنهيات والمباحات

وننتقل بالإحسان إلى مجموعةٍ أخرى من المبادئ: فهناك إحسانٌ في التعامل مع الواجبات، وإحسانٌ في التعامل مع المنهيات، وإحسانٌ في التعامل مع المباحات.

المباحات. ضربنا لها مثالًا: أن تأكل جزءًا من الطعام ثم تلقي الباقي؛ ليس هذا إحسانًا. أو أن تشتري شيئًا فترتديه مرةً ثم تلقيه، ولا تدري أيّ ألوانٍ تتكرر عندك وأيّ مقاساتٍ تختلط عليك. كنّا في مجتمعٍ ربما يأتي الواحد منّا فبدلًا من أن يغسل قميصه يشتري غيره أرخص، في أوقات التخفيضات، فيكون الغسل أشقّ عليه من شراء واحدٍ جديد، وإن كان هذا قد خفّ اليوم عمّا كان. والشاهد أن النفسية التي تتعامل بهذه العقلية المفرِطة ليس لها مكان في دين ربّ العالمين سبحانه.

الواجبات. فالصلاة التي أمر الله بها: هل نتعامل معها بمبدأ الإحسان، والإتقان في كل شيء؟ فيُتقن الإنسان طهوره في خلائه، ويُتقن وضوءه حال وقوفه أمام الماء، ويُتقن ختام هذا الوضوء واستقبال الصلاة؟ هل نُتقن ما بين أيدينا أم نتجاوز؟ فالنبي ﷺ يوقفك في هذا الحديث أمام ضميرك: أنت تقف أمام ضميرك حين تتعامل مع الأشخاص والأشياء، فبأيّ لغةٍ وأيّ منهجٍ تتعامل؟

وفي الصيام تحديدًا نتحرّى تمامًا أوقات بدء الصوم وأوقات ختامه، وفيما بينهما نتجاوز: لغطٌ وكذبٌ وألفاظٌ سيئة، وأحيانًا غشٌّ أو سرقةٌ أو احتيال. أما وقت البدء ووقت الختام فنعظّمهما غاية التعظيم، فلا يتجاوز أحدُنا أذان الفجر بشربة ماء ولا بلقمة في فمه، لكنه قد يتجاوز حدود الله خلال النهار — والعياذ بالله. فأين الإحسان في هذا؟

وكذلك في الحج: ترى الناس متشدّدين جدًّا في وقت البدء، يرتجف الواحد وهو يتكلم معك: أين سأُحرم؟ وما الذي سألبس؟ وكيف أنام، وكيف أغطّي وجهي أو لا أغطيه؟ هوّن عليك، فما هو إلا تدريبٌ ميسَّر لحياةٍ تأتي بعد ذلك يُطلب فيها مزيدٌ من الدقة في الأداء والتصرف. اهدأ قليلًا، فإننا مع بقية الحياة نتجاوز.

المحرمات. وإذا قلنا إن هناك إحسانًا في الواجبات فهناك كذلك إحسانٌ في التعامل مع المحرّمات. فقد اشتهر في هذه المراحل — والعياذ بالله — أمرٌ فاجع في المحارم، حتى ترى الرجل لا يأمن على أهل بيته من أخيه أو ابن أخيه أو خاله أو عمّه، بل ترى في بعض البيوت من يتعدّى على قريبته. ونعوذ بالله العليّ القدير من سماع هذا فضلًا عن مشاهدة آثاره، ونسأله السلامة والعافية. وقد جاء الجاهلي يتحدّث أنه إذا تبدّت له جارته غضّ طرفه لأنها جارته ولها حرمة؛ ثم تأتي اليوم لترى الواقع المعيش فيندى له جبين المرء الحرّ.

المقدور. وهناك الإحسان في الصبر على المقدور: ما الذي قدّره الله تعالى لك؟ وأيُّ إحسانٍ يعتري نفسك وقلبك حين تتعامل مع قضاء الله عز وجل وقدره؟

قلوب تستوعب حقوق الأشياء

وكأني بالنبي ﷺ في ختام الكلام يربّينا على أن تكون في نفوسنا قلوبٌ مستوعبةٌ لحقوق الأشياء المحيطة بنا. وهو يعلّمنا درسًا مهمًّا جدًّا: من آداب الطريق ألا ترى فيه وسخًا، فإن رأيتَ فيه وسخًا فعليك أن ترفع هذا الأذى؛ يحدّثك النبي ﷺ أن رفع الأذى عن الطريق صدقة.[3] وهو ليس مهمّتك وحدك، بل هو مهمة الجميع؛ وليس سببًا في تعطيل وقتك، فوقتك أثمن من ذلك؛ وليس مسؤوليتك، فهناك رئيس بلدية أو حارس للمكان. لكن النبي ﷺ يصنع منك ضميرًا لا يراقب فحسب، بل يراقب ويتصرّف، وتصرّفه في المكان المناسب: فلا ترفع هذا الأذى من هذا المكان لتضعه في مكان آخر من الطريق، وإنما ترفعه لتضعه في موضعه المناسب.

إنها مرحلة بناء العقلية، وترميم الضمائر، وتربية الأجساد. إنها عقلية اليد المشتركة بين أفراد المجتمع كله، تحمل الخبث وتأتي بالطيّب، وترفع الضرر وتأتي بالعافية؛ لا تترك ثغرةً من ثغرات الفساد في المجتمع ولا في الأرض إلا سدّتها بقدر ما تملك، ولا منفذًا من منافذ الخير إلا جلبته بقدر ما تملك.

نسأل الله سبحانه أن يعلّمنا وأن يفطّننا إلى مواطن الخير والهداية، اللهم آمين يا ربّ العالمين.

--- [1]: توثيق المحرر: ورد في التفريغ «الحديث السابع عشر» ثم «نمبر ١٦»؛ والمثبت ما نطق به المتحدث أولًا. [2]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح مسلم من حديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه. أما رواية الطبراني عن أنس فنقلتُها كما أوردها المتحدث دون تحقيق لثبوتها. [3]: توثيق المحرر: أصل المعنى في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة»، وقد أورده المتحدث بالمعنى.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque