خاطرة [ اختيار الإمام لموضوع خطبة الجمعة 2 ] | د. أحمد أبو سيف | 11 سبتمبر 2020
اختيار الإمام لموضوع خطبة الجمعة (٢): بين الوعظ والخطاب العقلي والإخباري، وسؤالٌ مفتوح للمتابعين
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 11 سبتمبر 2020م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بدايةً، شكرًا جزيلًا لكل من علّق على الفيديو الذي عملناه الأسبوع الماضي، في هذا التوقيت نفسه، حول اختيار الإمام لموضوع خطبة الجمعة. وتكلمنا المرة الماضية عن أنواع الجمهور: النائم، والصاحي، والصاحي الذي جاء ليسمع، والصاحي الذي جاء ليقضي وقتًا أو ليُسقط الفريضة عن كاهله. واليوم نريد أن نقول: ماذا نقول للناس من حيث ما يناسب احتياجاتهم الفعلية؟
حاجة الناس إلى الطمأنينة
عند بعض الناس تكون الحاجة الأساسية هي تعبئة نفوسهم، والهدوء والاستقرار. والمشاكل التي تواجه الناس ليلَ نهار مشاكلُ حقيقية لا تنتهي، وهذا من طبيعة الدنيا. فالله سبحانه وتعالى لما خلق الإنسان لم يخبر الناس أنهم سيكونون سعداء في هذه الدنيا على الإطلاق، وإنما حدّثنا عن بعض الأسباب التي تطمئن بها القلوب، ومنها القرآن الكريم، حين قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.[1]
لكن على الجانب الآخر نرى أن رب العزة سبحانه وتعالى أخبر قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾،[2] ففهمنا من الآية الكريمة أن الكدح في الحياة والتعب والمشقة سيبقى إلى يوم لقاء الله تبارك وتعالى. والآية الأخرى التي نرددها دائمًا قوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾،[3] فأخبر سبحانه أن الإنسان في مشقة متوالية دائمة، وتلك طبيعة الحياة، وجزء من اختبار الله تبارك وتعالى لنا في هذه الدنيا التي نعيشها. فمسألة أن يوجد الناس على قدر كبير من السعادة مسألة غير محتملة بشكل كبير، وإلا لرأينا أقرب الناس إلى رب العزة سبحانه وتعالى في سعادة تامة، وهذا لم يكن حقيقةً من حيث أسباب الحياة ومسبّباتها؛ بل وجدناهم يتعبون ويكدحون ويُبتلَون ويُصابون ويبكون ويتأثرون ويُجرحون، حتى إن دم النبي ﷺ سال أمام أعدائه.
ثلاثة أنماط من الخطاب
فإذا كنا نكلّم الناس خطباءَ، فهل نكلّم نفوسهم وأرواحهم فقط، باعتبار أنهم يحتاجون هذا النوع من التهدئة النفسية؟ فيكون الإمام أو الخطيب في هذه اللحظة بمثابة الطبيب النفسي الذي يداوي نفسيات الناس، ويُهدّئ من رَوعهم، ويطمئن بالهم، ويجعلهم يستقرون نفسيًّا بنسبة ما.
والنوع الآخر هو الخطاب العقلي المحض: أن أتكلم عن مسألة علمية لها مقدمات ونتائج واستنتاجات وحوار عقلي، كأنها مناظرة بين الإنسان ونفسه على المنبر، فيتكلم في قضية عامة أو قضية خاصة. وثمة نوع ثالث هو الذي يتحدث عن مجموعة من الحقائق أو ينقل مجموعة من المعلومات. فالخطاب إما وعظي لطمأنة النفوس، وإما عقلي لمناقشة قضية ما، وإما إخباري لإفادة الناس بالمستجدات الحياتية التي يواجهونها في حياتهم، فيكون الإمام أو الخطيب بمثابة المُعلِن لجمهور الناس عن الأخبار التي تواتيه ليل نهار.
ولو نظرنا في خطاب النبي محمد ﷺ لوجدناه يجمع هذه الثلاثة في وقت واحد. لكن أين هذا الخطيب الذي يستطيع أن يقدّم للناس خطابًا متكاملًا بهذا الشكل؟ ولو نظرنا إلى الخطاب القرآني أيضًا لرأينا أن الله سبحانه وتعالى إنما يكلّم الناس بهذه المنظومة المتكاملة.
وقضية الوعظ تختلف عن قضية الخطاب العلمي. فالوعظ، كما أشرنا إليه ربما في الأسبوع الماضي، قد يُنسى مع خروج الإنسان من المسجد. والخطاب العقلي في الغالب يكون بمثابة حوار عقلي لا يؤثر على القلب. فكيف نقدر أن نجمع بين الخطاب العقلي والخطاب الوعظي؟ أعتقد أن هذا موضوع يستحق أن نناقشه، وأتمنى أن أجد تعليقات من إخواننا وأخواتنا المتابعين الكرام: كيف يستطيع الإمام أن يجمع بين هذه الأنماط من الخطاب، العقلي والوعظي، في وقت واحد؟ وأنا أعرف أنني أتكلم مع المتخصصين شيئًا ما، لكن ثقتي في خبراتكم، خطباءَ كنتم أو مستمعين، تجعلني أطلب هذا الطلب بشكل مباشر، وأن نتابع التعليق في هذه المسألة.
ماذا يقول الخطيب اليوم؟
سألتُ اليوم أحد أصدقائي بعد صلاة الفجر: عن أي شيء ستخطب الجمعة؟ فكانت الإجابة المباشرة جدًّا: يا شيخ، الدنيا أكلت قلوبنا، نريد أن نرجع قلوبنا مرة أخرى. فجعلني ذلك في حَرَجٍ من أمري! فعندنا مشاكل كثيرة جدًّا على الساحة اليوم. هناك خطاب في أمريكا كلها حول الحادي عشر من سبتمبر والجرائم التي حصلت، وهو خطاب عام قد يحتاج المجتمع إلى مثله. وهناك الأحداث الحاصلة في السودان، حيث ارتفع مستوى النيل ارتفاعًا لم يحدث منذ أكثر من مئة سنة، والناس بيوتها غارقة ومصالحها كلها مهددة، وحياتها تقريبًا مهددة. وهناك الأحداث في لبنان. مشاكل كثيرة جدًّا في العالم ليلَ نهار، ولا أدري كيف يستطيع الخطيب أن يعالج كل هذه القضايا في وقت واحد دون أن يفقد شيئًا منها، وفي الوقت نفسه يكلّم كل المستويات العقلية؛ لأن المسألة مسألة تلقٍّ أيضًا. فالجالس يسمعني ليس كل الناس عنده على حدّ سواء، وليس كل الناس لديهم القدرة على الفهم والاستنباط والاستنتاج بالقيمة نفسها والقدر نفسه. فكيف نستطيع أن نجمع بين هذا وذاك؟
لعلنا نستكمل ذلك إن شاء الله تعالى في لقاء آخر. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم الستر والعافية والسلامة، ورضي الله عنكم، والسلام عليكم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة الرعد [28]. [2]: توثيق المحرر: سورة الانشقاق [6]. [3]: توثيق المحرر: سورة البلد [4].
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.