A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
El Corán y la Civilización

عيد الاستقلال وشعارات القرآن

الاستقلال نبضٌ في قلب كل مواطن قبل أن يكون عامًا يمضي

Dr. Ahmed Abouseif•٥ يوليو ٢٠١٩•6 min de lectura
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت بتاريخ 5 يوليو 2019مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وبعد:

بالأمس ترددت كلمات التهنئة لأمريكا بعيد ميلادها، معلنةً أن البلاد إنما تحققت باستقلالها. وتلك حقيقة، فالإنسان الذي يعيش تحت سلطان غيره ليست حياته حياة، وعبودية الشعوب تحت وطأة المحتل موتٌ معجَّل. وهذا الاحتفال يعبّر عن فطرة بشرية ترفض الإذلال والاستغلال.

ما معنى الاستقلال؟

هذه الفطرة هي التي حملت أهل المستعمرات التي كانت بريطانيا تعدّها ملكًا لها على أن يرفضوا الحال: الناس من هنا والقوت من هنا والخراج من هنا، وهم يؤخذون كأنهم رعايا. فانتفضوا رافعين لواء الحرية. وبعد أن كانت ولاية ماساتشوستس وحدها هي التي تتصدر المشهد، صارت ولايات أخرى، وبعد أن كانت الأوامر تأتي من بريطانيا لتُنفَّذ، صار للبلاد دستور يحكمها، وشعر الناس بأنهم أصحاب قرار.

هذا الاستقلال يُحتفل به كل عام، وقد كان الاحتفال هذا العام أبذخ من غيره، لكننا نتكلم عن المفهوم. هل له معنى؟ هل له دلالة؟ هل له ثمن؟

معناه أن تكون صاحب قرار ولست عبدًا، وأن تفعل ما تشاء في ظل ضوابط تحكم الجميع دون استثناء، فلا ضابط يرتفع على مواطن ولا مواطن يرتفع على موظف. دلالته أن تشعر بالملك لما هو لك، وأن تخطط للمستقبل بما تريد في بلادك، وأن تحدد بنفسك مصير أولادك، وأن تشعر بالسيادة لا بالعبودية. وأما ثمنه فما يُبقي أولادك على ظهر الأرض مرفوعي الرأس، وما يفتدي ذريتك من أسر الإذلال والاعتقال، وما يحفظ الأرض والعِرض.

فهل لهذه المفاهيم أصل في الإسلام؟ ألم يُشر القرآن إلى شيء منها؟

الإسلام ثورة تبدأ من النفس

وجدتُ أثناء الإعداد تعريفًا اجتهد فيه بعضهم، يرى أن الإسلام ثورة تحريرية شاملة تنطلق من أعماق النفس والعقل والإرادة، لتمتد إلى كل ركن من أركان الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكنها تثور في النفس أولًا. وبناء على هذا التعريف نفهم لماذا حارب الإسلام عبودية الأوثان؛ لأنه أراد أن يحرر العقل من محدودية التعبّد لما لا يفهمه، إلى حرية الفهم والاستيعاب للكون وما فيه، ومن الاتكال على كائن آخر إلى التوكل على خالق السماوات والأرض. ونفهم لماذا حارب الخمر؛ لأنه لا يريد لعقلك أن يذهب عن غرضه، ولا أن تكون أسيرًا لشهوة أو لكأس.

وإذا نظرنا في القرآن وجدنا أن لكل نبي هدفًا محددًا جاء يعالجه كمرض محدد في مجتمعه: فمنهم من جاء يحارب الفساد الاقتصادي، ومنهم من جاء يحارب الفساد السلوكي، ومنهم من جاء يحرر الشعوب من بطش فرعون وهيمنته واستعباده للخلق: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]. وكان موسى عليه السلام جاء لأجل هذه العبارة: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 17]. مهمته أن يأخذ هذا الشعب ليمنحه حرية يتنفسها.

بنو إسرائيل والعجل: حين يشتاق المرء إلى القيد

لكن في القصة نفسها ما يؤلم. فبعد أن نجّاهم الله وأغرق فرعون وحررهم من الذل، اختاروا لأنفسهم أول عجل يعبدونه. فنتعلم أن الاستقلال ليس لمحةً من الزمن ولا عامًا يمضي، وإنما هو نبض قلب في قلب كل مواطن، واستقلال كل نفس.

ونُذكّر دائمًا بأن الصف في الصلاة لا يستقيم إلا لأن كل واحد قام بذاته وتهيأ بنفسه وتوفرت لديه الإرادة. تسمع «استقيموا يرحمكم الله» مرة واحدة من الإمام فيستقيم الصف: لا صوت ولا حركة ولا خلل، والكل متقيد بالنظام، لأن كلًّا وجد من نفسه الإرادة لذلك. وهكذا الذين يريدون الحرية والاستقلال، لا بد أن يكون ذلك من داخلهم. أما بنو إسرائيل فلم يريدوا ذلك، واستلذّوا أن يكونوا أذلّاء بين يدي من يحكمهم، ولو كان عجلًا غير عاقل.

دستور المدينة وحقوق الناس

ولما جاء النبي ﷺ إلى المدينة وضع للناس دستورًا. لم يدخلها بلغة الغازي المستعمر الذي يهيمن على مقدراتها، ولم يُخرج اليهود منها من أول يوم، ولم يتعدَّ على شيء من حقوقهم، ولم يسلبهم شيئًا مما يستحقونه كمواطنين، ولم يلتفت إلى أن هذا الحق يأخذه مسلم ولا يستحقه غير مسلم. سوّى بين الناس لأنه من البداية يرفع شعار الاستقلال.

وكان من عادة البشر أن يخضعوا لمن يعلو عليهم، فلم يُرد ﷺ من البداية أن يخضع الناس له. ويُروى، على ما ذكره الخطيب، أنه كان إذا لقيه واحد من المسلمين فبادر إلى يده ليقبّلها نزعها ﷺ وقال ما معناه: لا تزيدوني، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد[1]. وفي المعنى نفسه يقول الخطيب: أنا رجل بسيط، ليس لي هذا السلطان، لا تعطوني هذه الهيمنة. فتأليه الحاكم ورفعه عن مستوى البشرية صنيعُنا نحن، نحن الذين نمجّد البشر حتى نجعل منهم آلهة بعد الله، وذلك شأن الضعفاء في كل وقت.

الإكراه ليس مصطلحًا إسلاميًّا، ودعوى الاستضعاف ليست عذرًا

والقرآن يشير إلى أن الإكراه ليس مصطلحًا إسلاميًّا، ولو كان في الدين: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، ويخاطب نبيه ﷺ: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].

والأشدّ من ذلك أن القرآن يتوعّد توعّدًا شديدًا السلبيّين الذين يسمّون أنفسهم مستضعفين. اسمع الحوار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ …﴾ [النساء: 97].[3] «فيم كنتم؟» ما الذي صبّركم على الذل الذي كنتم فيه؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. وكثيرًا ما يقول المرء إذا امتثل لأمر رئيسه: أنا عبد المأمور يا فندم. وهذه الجملة سبب مباشر لخطاب الملائكة. لماذا يتوعدهم ربنا بالعقاب؟ لأنهم استسلموا وقنعوا، ولم تكن لديهم إرادة من داخلهم تخرجهم عن إطار ما اعتادوه على مرّ أجيال من الذل والعبودية.

وفي المقابل يرفع القرآن شأن مؤمن آل فرعون ويرفع شأن أصحاب الأخدود، لأنهم حاربوا هذا الإذلال ورفعوا أصواتهم في وجه حاكم ظالم. ويحدّثنا النبي ﷺ أن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر[2]. تلك فلسفة ديننا.

فيمَ نشغل أنفسنا؟

وحين نرى هذا التعبيد للخلق بأنواعه وأنماطه، ونرى انشغال الناس بالتوافه على صفحات الإعلام ووسائل التواصل، ندرك أنها قضية في منتهى الخطورة. ينشغل الناس بأخبار أميرة فلانة وابنة الملك فلان، وماذا فعلت وأين ذهبت. وهذا خلل في ترتيب أولويات الحياة. بماذا نشغل وجداننا وحياتنا؟ كم واحدًا منا، نحن المسلمين في الغرب، يجلس ليتفكر فيما يمكن أن يفعله؟ كيف نعالج المشكلات الموجودة في المساجد؟ كيف نتحدى العقبات التي تواجه أولادنا؟ كيف نرسم خطة للمستقبل نمضي معها في سلم مع الناس والأرض والدين في وقت واحد؟

والله إني لأعجب من شعوب تدّعي أنها مسلمة وتعيش دون استقلال، وأعجب من أناس لا ينتسبون إلى دين ولا إلى هوية، لكنهم يحترمون إنسانية الإنسان، ويعترفون باستقلاله في اتخاذ قراره، ويعترفون به آدميًّا. وقد قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: 70].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. اللهم إنا نعوذ بك أن نَذِلّ أو نُذَلّ، ونسألك أن تحفظنا من كل ما يضر ديننا ويؤذي البشر من حولنا.

--- [1]: توثيق المحرر: جاء قريب من هذا المعنى في سنن ابن ماجه أن النبي ﷺ قال لرجل أخذته الرِّعدة هيبةً له: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ». أما نزع يده من الذي يقبّلها فمما ذكره الخطيب ولم يُوقف له على مصدر. [2]: توثيق المحرر: رواه النسائي بنحو هذا اللفظ، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بلفظ «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر». والمثبت هنا معنى ما ذكره الخطيب. [3]: توثيق المحرر: يعقب الآيةَ استثناءُ المستضعفين حقًّا الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا (النساء: 98-99)؛ والخطيب يقصد من اتخذ الاستضعاف ذريعةً للاستسلام مع قدرته على التغيير.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque