A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

خاطرة من كتاب «خلق المسلم»: باب القصد والعفاف

حلقة من حلقات قراءة كتاب «خلق المسلم» للشيخ محمد الغزالي، بين يدي رمضان

Dr. Ahmed Abouseif•١ مايو ٢٠١٨•7 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 1 مايو 2018م بين يدي رمضان المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ونبيّه ورسوله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لا تزال حلقاتنا متواصلة مع كتاب «خلق المسلم» للشيخ محمد الغزالي رحمه الله تبارك وتعالى. ولا أزال أقول في كل مرة إن هذا الكتاب سِفرٌ عظيم في عالم الأخلاق، جمع الله على لسان مؤلفه بين كلمات أهل الفلسفة وعلم النفس وعلم الأخلاق، وبين الصياغة الربّانية لكلمات رب العالمين سبحانه، والصياغة الإلهية التي صاغ بها كلمات النبي محمد ﷺ، الذي حدّث عن منطقه عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾.

واليوم نلتقي مع عنوان عظيم جدًّا هو «القصد والعفاف». وقد آثرتُ أن أتحدث عنه بين يدي رمضان، لما في حياة الناس من سلوكيات الإسراف أو التفريط أو الإفراط، أيًّا كانت المصطلحات المعبّرة عن أحوال كثير منهم، فقد لا تناسب الشهر الكريم وما أراده فيه رب العالمين من عباده المؤمنين. ولا أريد أن أخوض في سلوكيات الناس في رمضان بقدر ما أريد أن أركّز على ما قاله الشيخ في قضية القصد والعفاف، ثم نربط بين هذا وذاك بإذن الله.

الجمع بين مطالب الجسم والنفس

يقول الشيخ رحمه الله: إن الإسلام يقرن بين مطالب الجسم والنفس في تعاليمه، ويكفّ طغيان أحدهما على الآخر. أي إن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية جمعت بين مطالب النفس ومطالب الجسم. وهناك دائمًا صراع بين متطلبات النفس ومتطلبات البدن ومتطلبات الروح؛ فالروح تريد دائمًا أن تسمو إلى الله سبحانه، والنفس ربما مالت إلى شهواتها، والبدن مخلوق من ذلك التراب الذي يركن إليه بين الحين والآخر. فهناك روح تستنفر همّة البدن وتحاول مقاومة الشهوة في داخل النفس، وهناك نفس تريد أن تثور على هذه الروح وتلبّي غرائزها ومتطلباتها، وهناك بدن يريد أن يكسل عن أداء المهام ويفرّط فيما هو مطلوب منه.

ثم يقول: ويرى الإسلام في تنسيق حاجاته عونًا للمرء على أداء رسالته في هذه الحياة. والمطلوب من المسلم خلاصتُه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.[1] وهذه العبادة تستلزم عمل قلب وعمل عقل وعمل بدن: تستلزم نيّةً خالصة لله سبحانه محلُّها القلب، وتستلزم سجودًا وقيامًا وركوعًا وتسبيحًا وذكرًا، وتستلزم خلوّ القلب من الطغيان والحقد والكره والكراهية والحسد وكل ما شابه ذلك، وتستلزم أيضًا حركة وفاعلية في الحياة. فالعبادة بمفهومها العام الشامل هي حركة بيع وشراء، وهي إنتاج في مصنع، وهي سعيٌ وضرب في الأرض، وهي تعليم للخلق، وهي إنقاذ للنفس من سلبيات موجودة. عملٌ متكامل تشترك فيه كل الملَكات التي تكوّن ذلك البنيان العظيم الذي هو بنيان الله، أي الإنسان.

والتنسيق بين هذه الملَكات كلها وتلبية احتياجاتها كلها في الوقت نفسه مسألة رأى كل الفلاسفة تقريبًا أنها معقّدة، خاصة أن النفس البشرية، التي لا يعلم أسرارها إلا خالقها سبحانه، مركّبة بقدر يعسُر معه الفهم إلا على من أنصت إلى القرآن الكريم، فرأى فيه دلالة واضحة تعبّر عن أساس ما خلق الله، فطرةِ الله التي فطر الناس عليها ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. ثم نستمع إلى قول رب العالمين وهو يحدّث عن هذه النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.[2] معادلة في منتهى البساطة واليسر.

ثم ترى تكميل هذه القاعدة التي وضعها رب العالمين في وصفه للنفس في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾.[3] فهناك نوع من المقاومة لأصل ما تميل إليه النفس، واستجابة لما تصبو إليه الروح: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾. وهذا في منتهى البساطة، ربما يكون هو التوصيف الأمثل لهذه النفس التي خلقها الله: الأصل فيها صلاحيتها لفعل الخير وفعل الشر، ثم يبذل العبد ما يستطيع بين هذه المتطلبات. فيجمع القرآن الكريم، وتجتمع قواعد الإسلام، ملخِّصةً عمل هذه النفس.

حياة المؤمن وحياة الكافر

وننتقل إلى موطن آخر من كلمات شيخنا رحمه الله، يقول: وينبغي أن نذكر حقيقة حاسمة في هذا الشأن، هي أن حياة المؤمن المصدّق بالدار الآخرة ليست كحياة الكافر الذي يعتبر عمره فوق ظهر الأرض هو دنياه وآخرته معًا، وهو فرصته الوحيدة والأخيرة لقضاء لُبانته وإدراك غاياته.

فالمؤمن في تصوراته للدنيا والآخرة غير الكافر في تصوراته لهما. هذا الكافر يتصوّر أنه هنا وهنا فقط، ومن ثَمّ يريد أن يجمع أكبر قدر من المال، وأكبر قدر من الشهوة، ويحصّل كل ما يريد وكل ما تصبو إليه نفسه في هذه الدنيا. أما المؤمن فإنه يترك الحلال الذي أحلّه الله له في بعض الحين طلبًا لما عند الله من الجنة. والصوم في رمضان إيمانًا واحتسابًا فيه تركٌ للحلال، وليس لترك الحرام فقط؛ فالرجل يمتنع عن أهله وعن طعامه وشرابه الذي اكتسبه بكدّه وتعبه وهو بين يديه، فلا يقترب منه. لماذا؟ لأنه صائم. ولماذا؟ لأنه يريد ما عند الله من الجنة، يريد أن يدخل من باب الريّان، باب الصائمين الذي لا يدخل منه غيرهم. هذا القصد وهذا التصوّر وذلك الإيمان هو الفارق بين الكافر والمؤمن.

يقول الشيخ رحمه الله: وأكثر الذين يفقدون عفّتهم ويتّبعون نزواتهم ويعيشون للمتع وحدها هم من الفريق الأخير أو منتهون إليه، ما لم يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيّهم. مستشهدًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، هذا مصير المؤمنين. ونستكمل الآية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾.[4] ذلك هو الفارق. ويقول رب العزة سبحانه في موطن آخر: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.[5] سوف يعلمون الحقيقة التي أدركها المؤمنون بإيمانهم ويقينهم في الله من البداية، فأعفَوا أنفسهم من هذه المساءلات كلها.

قسمة الآمال بين المعاش والمعاد

أما المؤمن فهو يقسم آماله ورغائبه على معاشه ومعاده، ويطلب الخير لنفسه في يومه وغده. وقد علّمنا القرآن أن التطلّع إلى النعمة والسعادة في الحالتين من أكبر الذكر لله سبحانه. نستمع إلى قول رب العزة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.[6] وقال سبحانه في موطن آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.[7]

وهناك مثال صاغه القرآن لنا على أرض الواقع، مثال قارون الذي حفّه قومه من حوله، وصاغوا إليه نصيحة بعبارة سهلة سلسة، قال رب العالمين على ألسنتهم في نصيحتهم لقارون: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.[8] إنها علاقة متكاملة بين نظرته لما يريد هنا وما يريد هناك، وبين تقييمه لما أُوتي وما أعطاه الله تبارك وتعالى، وما حظي به من نعيم وما يمكن أن يؤول إليه من نعيم في الآخرة، بشرط أن يعطي كل ذي حق حقّه.

ثم خلاصة صفات المسلم: ألّا يكون عبدًا لبطنه، وألّا يكون عبدًا لشهوته، وألّا يكون عبدًا لدينار ولا لدرهم. المسلم هو الذي يحرّم على نفسه الحلال امتثالًا لأمر الله في رمضان، وهو الذي يعلم أن من ماله ما لا يحلّ له لأنه زكاة لأولئك الفقراء. ذلك المؤمن هو الذي يصوغ حياته كما يريدها رب العالمين سبحانه، مكتفيًا بما أعطاه الله عز وجل من المزايا في هذه الحياة الدنيا، مستمتعًا بها على أعلى درجات الاستمتاع، دون أن ينقص النفس حقّها، ولا أن يفقد العقل ميزته، ولا أن يُطمَس للروح معالمها. ذلك هو المؤمن الذي من خلال إيمانه تكتمل بنيته وصورته، ويسمو بين يدي رب العالمين سبحانه.

أسأل الله العلي القدير أن يبلّغنا رمضان، وأن يرزقنا من ذلك الصيام جنّةً في الدنيا قبل جنّة الآخرة. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: سورة الذاريات، الآية 56. [2]: توثيق المحرر: سورة الشمس، الآيات 7–10. [3]: توثيق المحرر: سورة الليل، الآيات 1–10. [4]: توثيق المحرر: سورة محمد، الآية 12. [5]: توثيق المحرر: سورة الحجر، الآيتان 2–3. [6]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآيات 200–202. [7]: توثيق المحرر: سورة الحشر، الآية 18. [8]: توثيق المحرر: سورة القصص، الآية 77.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque