نداءات الإيمان ٤: القصاص صمّام أمان في نسيج النداءات
النداء الرابع: القصاص صمّام أمان في نسيج النداءات
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء أُلقيت بتاريخ ٥ أبريل ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نتناول الليلة النداء الرابع من نداءات الإيمان في سورة البقرة، وفيه يقول ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ﴾[1]. نسأل الله أن يهدينا إلى أحسن القول وأحسن العمل.
المراد العام، وسؤال الرابط
المراد العام في الآية حكم الله بالقصاص فيمن قتل قتلًا عمدًا متعمّدًا بنيّة، وسنأتي إلى ذلك. لكن قبل بيان الآية وفائدتها نسأل: ما الرابط بين النداءات الإيمانية من أول السورة إلى هذا الموضع؟ مرّ بنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، ثم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. فكيف نصنع من هذا نسيجًا؟
هذه من المسائل المهمة التي نحتاج أن نتعلّمها: كيف نربط بين الآيات في أي موطن من القرآن الكريم، خصوصًا إذا تشابهت في جزء منها، سواء في أول الآية أو في آخرها. فالكلمات المتشابهة في القرآن لا بدّ لها من نسق عام تسري فيه وتمضي معه لتفيد دلالة خاصة وتربية محدّدة، في شخصية المسلم أو في بناء هيكل المجتمع. فالمتشابهات في القرآن ليست عشوائية مطلقًا، ونعوذ بالله أن يكون من كلامه شيء من ذلك؛ بل كل متشابه فيه مرتبط بغيره، وإذا جمعتَه أفاد معنى كاملًا.
تسلسل النداءات
فتعالوا ننظر في بداية النداءات. المراد من ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ — كما اتفقنا سلفًا — احترام المرجعية والتأدّب بين يديها وعدم التجاوز في اللفظ أو الفعل أو التقدير. ففيها تسليم النفس لمرجعية، وهذا التسليم في ذاته يستوجب صبرًا، وهو ما نتناوله في الآيات التالية: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، ثم النهي عن القول لمن يُقتل في سبيل الله، إلى آخر الآية. ثم نأتي إلى مجالات التعبّد والاحترام والتقدير.
فهذا الاحترام الذي يُستعان عليه بالصبر ليس في مجال واحد، بل في مجالات متعدّدة. وأول ما يُبدأ به: من أين يأكل الناس؟ فأول ما يشغل الناس في حياتهم أن يسعوا على مطاعمهم؛ كل الناس تجري وراء «أكل العيش»، وراء رغيف الخبز. وهذا — وهو أول ما يهمّهم — قد يكون سبيلًا إلى التناحر بينهم حتى يبلغ مرحلة القتل، فيحدّثنا ربنا عن القصاص. فعندنا تقدير للمرجعية يُستعان عليه، وأول مجالاته مسألة المطعم والمشرب، وقد تقود إلى تناحر في مرحلة من المراحل، فيأتي حكم الله في هذه الآية.
سياق الآيات قبلها وبعدها
لكن أكثر ما يحتاج إلى بذل الجهد هنا هو ربط الآية بسياق ما قبلها وما بعدها. فأنت أمام قول رب العالمين: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقبلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وقبلها ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، وقبل ذلك ما تعدّى به بنو إسرائيل. فكأن رب العالمين يحدّثني في سياق الآيات عن قوم لا يبتغون إلا وجه الله، ولا يقع منهم تعدٍّ بأي نوع؛ فإذا وقعوا فيما يسمّى بالخطأ الذي يتجاوز إلى مرحلة القتل، فإنهم يجعلون الفداء لأنفسهم من يد رب العالمين سبحانه. وهذا ما يحدث في قضية القصاص.
لماذا «كُتِبَ عَلَيْكُمْ»؟
ولماذا عبّر بلفظ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾؟ وهل لها شواهد أخرى؟ هل تذكرون شيئًا آخر أمر الله فيه بـ«كُتب عليكم»؟ الصيام. وعندنا أيضًا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فإذا جمعنا بين هذه الثلاثة — وقد اتفقنا أن كل تشابه يستدعي أن نبحث عن الروابط التي بين هذه المواضع — فماذا نجد؟
القصاص حقّ لله وحقّ للعباد. لمن من العباد؟ للأحياء أم للأموات؟ للأحياء. فالناس عندنا في مصر يقولون عند أخذ الثأر لقتيل: الليلة يستطيع أن ينام في رقدته. وهذا كلام لا يصحّ؛ فالميت قد ذهب إلى ربه سبحانه بما قدّم، وبقيت النفوس المتعلّقة بالثأر، تريد أن تُثأر لما حدث بين يديها. فالقصاص يُرضي الأحياء، ويمنعهم من الاعتداء على ذلك الشخص — بل لعلّ العائلة كلها تذهب في ذلك.
وأما ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فهو تدريب على منع النفس عن الحلال حتى لا تمتدّ إلى الحرام: لا في قتال، ولا في سرقة، ولا في غشّ، ولا في غير ذلك. وأما الوصية فهي للجيل التالي، لمن يأتون بعد الموت، للورثة. فكأن رب العالمين يربط بين هذه الفئات المختلفة، ويضع صمّام أمان من خلال هذه الجمل التي جاء فيها «كُتب عليكم».
القصاص والثأر
نحن أمام تشريع من رب العالمين، وعندنا عبارتان: القصاص والثأر. القصاص حق لله قبل أن يكون حقًّا لأحد، وفيه حماية وصَون للمجتمع من أن يتعدّى بعض أفراده على بعض. أما الثأر فليس حقًّا، وإنما نزعة بشرية عند من يريدون حفظ كرامتهم في وسط الناس: كيف يُقتل منا ولا نَقتل منهم؟ فالقصاص عدل، والثأر شهوة. وأيّهما يُعتبر في ميزان التشريع؟ العدل بين يدي رب العالمين جلّ في علاه.
وقوله ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ يعني الذين تحقّق قتلُهم لا مجرّد موتهم؛ فاشترط العلماء أن يكون المقتول مقتولًا بتعمّد ونيّة مسبقة، ووضعوا شروطًا كثيرة جدًّا حتى يتوفّر شرط القصاص فيما سيأتي من أحكام. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتصّ، وإما أن يفدي، وإما أن يعفو. ولذلك يحدّثنا رب العالمين في ختام الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وهذا الختام نفسه جاء مع الصيام، وهكذا نربط بين الآيات في أوائلها وأواخرها[2]. الله أكبر.
الصيام وتقديس الحدود
وقد اتفقنا أن في آيات الصيام عزمًا عليّ أن أمتنع عن كل خطأ مهما كان، لأني أمتنع عن الصواب اختيارًا في أوقات يحدّدها لي رب العالمين؛ أو نقول: أمتنع حتى عن الصواب بمحاذير ومحدّدات يحدّدها لي رب العالمين. فهل أنا في مسألة الصيام أحترم قضية الأكل والشرب في وجوده أو عدمه، أم أحترم حدود رب العزة سبحانه؟ تخيّل أنك تتسحّر وفي يدك اللقمة أمام فمك، تستطيع أن تضعها، لكن الله أكبر، يُؤذَّن الفجر، فتنظر إليها وتضعها. سبحان القدير!
كنتُ في رمضان على سفر طويل، نحو سبع عشرة ساعة على الطريق، فتسحّرتُ قبيل الفجر في مكان وقفتُ فيه وأكلتُ الطعام الذي معي، وأذّن الفجر. ولمّا وصلتُ كان ذلك قبل المغرب بساعة، والطعام بجانبي، وعيني تقع عليه كلما التفتُّ حولي أو نظرتُ في المرايا، مع أنه أمام عينيك. سبحان القدير! وعندك عذر ورخصة، وإذا أفطرتَ لستَ مجرمًا لا أمام نفسك ولا أمام الله سبحانه، ولا يعيب عليك أحد. ومع ذلك لم يخطر على بالي أن هذا متصل بالجسد فيمكن أن يُكتب عليه شيء[3]. فما الذي حدث؟ إنه تقديس حدود رب العالمين سبحانه؛ صرتَ تحترم الحدّ في ذاته.
بنيان الله
ولذلك، حين نتكلم عن قضية القتل نرى نصوصًا كثيرة جدًّا تحذّرك منها. ويُروى عن النبي ﷺ أن الإنسان بنيان الله، وأن من هدم بنيان الله ملعون[4]. فبالله عليك، كيف يجرؤ العبد أن يمدّ يده على بنيان الله؟ وحرمة الدماء البشرية أشدّ حرمة عند الله من حرمة الكعبة. أنت تتمنى أن تذهب إلى الكعبة لتنظر إليها فقط، فما بالك بصنعة الإنسان الذي أمامك؟ سبحان الخلّاق العليم؛ إنه أعظم في الإبداع وأمتع في الخلق والتكوين من كل شيء سواه. ومن أجله — هذا الإنسان الذي لا يعجبك، الذي تكرهه أو ضايقك أو وقف منك موقفًا — سخّر الله السماوات والأرض وما فيها، ومن أجله حرّك الأزمان بالأيام والليالي، ومن أجله كانت القيامة يومًا ما، وكانت الدنيا يومًا ما.
خلاصة القول
ولا أطيل عليكم، فنحن لسنا هنا لنشرح الفقه، وعندنا أنواع من القصاص وتفصيلات، لكننا لسنا في موطن شرح الفقه. وخلاصة القول: القصاص حق لله أولًا، ثم حق للآدمي يراعيه ويتابعه، وله في نفسه تعلّق به، فيقدّر الله عز وجل هذا التعلّق عند الحي كما هو معتبر عند ذاته سبحانه. فنحن إذًا أمام صمّام أمان في الحياة: حين نتكلم عن القصاص بتفصيل فقهي نرى كيف وضع الله تعالى محاذير لعدم التجاوز والاعتداء في ذلك القصاص.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا الجمع، وأن يديم الألفة بين قلوبنا، وأن يحفظ علينا وحدتنا، وأن يرزقنا حسن الفهم.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٧٨. وما تلاه المتحدث من النداءات السابقة في البقرة: ١٠٤، ١٥٣، ١٧٢. والآية المشار إليها في السياق: ١٧٧ (ليس البر)، و١٧٤ (الكاتمون)، و١٦٨ (كلوا مما في الأرض)، والوصية ١٨٠، والصيام ١٨٣. [2]: توثيق المحرر: ذكر المتحدث أن ختام آية القصاص هو نفسه ختام آية الصيام، ولم يُتمّ الجملة في التفريغ (انقطعت عند «لعلكم»)، فلم تُكمَّل في المتن. [3]: توثيق المحرر: العبارة في التفريغ مضطربة قليلًا؛ ويظهر أن المقصود أن امتناعه لم يكن بدافع الخوف من حكم أو مؤاخذة، بل تعظيمًا للحد. ولم يُجزم بتفصيل المعنى. [4]: توثيق المحرر: أورد المتحدث هذا القول على أنه من كلام النبي ﷺ ولم يعزه، ولا يثبت بهذا اللفظ فيما نعلم؛ وهو مما ذكره بعض أهل العلم في الأحاديث الضعيفة، فنُقل «يُروى» بلا علامات اقتباس نبوية. أما تعظيم حرمة المؤمن فصحّ فيه ما في سنن ابن ماجه من حديث ابن عمر في حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، ويُراجع قبل النشر.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.