مَثَل الحياة الدنيا: ماءٌ من السماء لا تملك منه شيئًا
خاطرة الفجر | 19 يوليو 2025
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ١٩ يوليو ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
مثلٌ يتكرر مرتين
في قول رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ يتكرر هذا التمثيل مرتين في القرآن الكريم؛ الأولى في سورة يونس، والثانية في سورة الكهف.[1] ويلفت النظر أن الله يضرب هذا المثال للحياة الدنيا: ماءٌ أنزله من السماء فاختلط به نبات الأرض، ثم يكبر وينمو ويترعرع ويزدهر ويثمر، ثم يصير هشيمًا ويموت. سبحان القدير.
بعد عشر سنوات
وفي المواقف التي تحدث بين الناس، وتتردد فيها الشجارات والنقاشات والخلافات، تأمّل: بعد عشر سنوات قد يكون صاحب الموقف تحت التراب. وحين كان صوته مرتفعًا، أو حماسته زائدة، أو نقاشاته حادّة، ما كان يتخيل أبدًا أنه بعد قليل من الزمن سيُطوى تحت الأرض.
صاحب الجنتين
وكأني برب العالمين سبحانه وتعالى يعقّب بهذا على قصة صاحب الجنتين؛ إذ يقول أحدهما: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾.[2] انظر كم من الافتخار بالذات، وكم من النشوة في نفسه، والشعور بالانتصار الذاتي؛ كان كله منتفخًا منتفشًا ممتلئًا معتزًّا مغترًّا، يعبّئ نفسه حتى يرى نفسه ملء الأرض والسماوات، بل يرى نفسه صاحب حق على الله حتى يوم القيامة: ولئن رُددتُ إلى ربي فمكانتي أكبر من أن أكون في وسط بقية الناس، فلأجدنّ خيرًا منها منقلبًا. سبحان الله القدير! تخيّل إلى أي حد يرى نفسه صاحب مكانة في الدنيا وفي الآخرة، ويرى أنه يستحق النعيم في هذه وفي التي تليها.
ثم ترى الآخر يقول له، كأنه يقول له: على رِسلك قليلًا: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. هناك من ينظر إلى الأسفل، وهناك من ينظر إلى الأعلى؛ هناك من يبذل جهده لذاته، وهناك من يبذل جهده لطاعة ربه. والفارق بينهما أن الأول مكبوت على نفسه مكلوم فيها، وأن الآخر أساريره منشرحة إلى الحد الذي يبلغ السماء التي يتطلع إليها؛ فذلك المحتسب لعمله عند الله سريرته منشرحة إلى حدّ السماء، فأين ينقبض؟ ومتى يضيق؟ لا يضيق أبدًا، إلا في اللحظة التي يستشعر فيها عدم استجابة الناس لما هو عليه من الخير: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.[3]
يونس عليه السلام
والشاهد في هذا أن يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، الذي ورد المثل في سورته أيضًا، بلغ في دعوته الحدّ الذي يئس فيه من الناس فتركهم وانصرف، لكن رب العالمين أعاده مرة أخرى فبقي فيهم حتى آمن قومه أجمعون. نحن نتكلم دائمًا عن النسبة والتناسب لأعداد المسلمين مع كل نبي، وأعلى نسبة تحققت من المتّبعين كانت مع يونس: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾.[4] تخيّل أنه عاد إلى قومه فآمن الناس كلهم، مع أنه منذ قليل يئس منهم وظنّ أنه لا فائدة ولا جدوى من وجوده في وسطهم. وكأني برب العالمين سبحانه وتعالى يخبرنا أن الهداية ليست بأساليبكم ولا بقدراتكم، وإنما هي بالله تبارك وتعالى.
عندي سؤال مهم جدًّا تعقيبًا على هذا: كيف نرى أن النسبة التي اتبعت يونس أكبر من النسب الأخرى؟ نحن نتكلم عن النسبة والتناسب، لا عن العدد؛ لا أتكلم عن كم مليون، بل عن النسبة المئوية. فتسأل: وكيف لا يكون ذلك مع محمد بن عبد الله ﷺ؟ ويأتيك الجواب: لو آمن كل من حول محمد ﷺ ما أطاق أحدنا أن ينظر في وجه كافر، وما كان هناك محلٌّ للدعوة. ومسألة أن يؤمن الجميع إنما هي أن هناك صفحة تُغلق وسوف تُفتح ما بعدها؛ فهل صفحة النبي ﷺ أُغلقت إلى الآن؟ لا. وهل ستُغلق إلى يوم القيامة؟ مستحيل؛ لن تُغلق إلا عندما يُنفخ في الصور ويكون الناس جميعًا في قبورهم موتى، النفخة الأولى، ثم بعد ذلك يُحشر الناس إلى يوم القيامة. فهمنا المعادلة؟
فما قيمة الدنيا؟
وشاهدنا في هذا الكلام أن الله تبارك وتعالى يعيننا على أن نعيد تقييم الحياة الدنيا بما فيها: فما قيمتها؟ ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. المثال المضروب هنا يجعل العبد ينظر إلى السماء يرقب الماء النازل منها. من أول ما ينزل المطر من السماء إلى أن ينزل إلى الأرض، ما الذي تملكه منه؟ ما رأيك؟ أتذكرون قديمًا كانوا يأخذون الأواني الكبيرة جدًّا فيضعونها على السطح، وفي الطرقات، لتتلقى ماء المطر؟ لكن افتح يدك: هل حصّلتَ من ماء المطر شيئًا بقدرتك أم لا شيء؟ فما الذي تستطيع أن تحصّله بقدرتك وذاتك؟ لا شيء.
ثم أين يذهب ماء المطر؟ عندما ينزل إلى الأرض فينبت به نباتًا أو يثمر ثمرًا، أو يختبئ في أعماق الأرض، أو ينحدر حتى يكون في نهر جارٍ أو بحيرة. فمن الذي أمسكه حتى بقي هناك؟ ومن الذي ساقه إلى مواطنه؟ وكيف تصرّف هذا الماء بعد ذلك؟ وإلى ما تحوّل حين يتحول في يوم ما إلى لقمة خبز تأكلها فتدخل جوفك فتدّخر بها جهدًا في بدنك وعافيتك؟ من الذي يحوّل تصاريف الكون؟
والمال كذلك: ليس لك، ليس ملكك، لا تستطيعه ولا تقدر على ضريبته. نفهم هذا. وإنما المال الذي عندي أمانة ادّخرها الله عندي حتى أؤديها لغيري. فمن ظنّ أنه يملك فقد خاب ظنه؛ ومن ملك واستشعر قدرته على ما يملك فقد خاب في تقدير قدراته، وأساء الظن بالله سبحانه وتعالى.
فرصة لتقيّم ذاتك
عندما يضرب الله لنا مثل هذه الأمثلة فإنه يعطيك الفرصة أن تقيّم ذاتك؛ فأنت أغلى وأثمن وأثمر من الدنيا وما فيها. فانجُ بنفسك وفِرّ منها، فعسى الله عز وجل أن يجعل لنا بين يديه قبولًا. ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾؛[5] لا بمال، ولا بجاه، ولا بمنصب.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بنواصينا إليه، وأن يدبّر لنا أمر ديننا وأمر دنيانا، وأن يسيّرنا إلى مواطن هدانا، وأن يكتب نجاتنا بين يديه. أسأل الله العلي القدير ألّا يُبقي في نفوسنا أثرًا من الرياء أو الشرك، وأن يجعلنا صادقين في ادعائنا الإيمان، وأن يبرئ أسقام قلوبنا كما يبرئ أسقام أبداننا. اللهم عافِ عقولنا، ولا تبتلنا بسوء الظن بك ولا فيما وعدتَ به يا رب العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: الآية المنقولة من سورة الكهف (٤٥)، وجاء التمثيل بنحوه في سورة يونس (٢٤): ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. اقتصر المتحدث على صدر المثل في الموضعين. [2]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآيتان ٣٥ و٣٦؛ والمنقول بعدها من الآية ٣٩. [3]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآية ٦. [4]: توثيق المحرر: سورة الصافات، الآية ١٤٨، في الحديث عن قوم يونس عليه السلام، وانظر أيضًا سورة يونس، الآية ٩٨. ذكر المتحدث الجزء المنقول فقط. والمقارنة بين نسب المتبعين تقدير المتحدث نفسه. [5]: توثيق المحرر: سورة الكهف، الآية ١١٠. قال المتحدث إنها آخر السورة.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.