A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

الرزق بين الأرض والسماء

نفثٌ في الروع: لن تموت نفسٌ حتى تستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب

Dr. Ahmed Abouseif•٢١ مايو ٢٠٢٤•33 min de lectura
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في لقاء من لقاءات «نادي الكتاب العربي» بتاريخ ١٩ نوفمبر ٢٠١٧م، بمشاركة الدكتور فيصلالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

بدأ المجلس بخاطرةٍ من حادثة اليوم: ذهبنا فدفنّا أخًا كريمًا من الجالية، في الأربعينات من عمره. كان توأمًا لأخٍ آخر توفي قبل عشرين سنة، وكان قد أوصى أن يُقبر في المقبرة نفسها التي فيها أخوه. والعائلة كبيرة، والوالدان في الثمانينات، فاختار الله اثنين من أصغر أفرادها. سبحان الله! ليس هناك قانون يقول لأحدٍ: أنت صغير فلن تموت، أو أنت كبير فدورك الآن. ويتكلم الناس عن الموت طويلًا، لكن الشاهد هنا أن الله يختار، وأن لكل أحدٍ وقتًا معلومًا.

وسألتُ الله أن يديم جمع هذه القلوب على ما يرضيه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يحيينا على طاعته ويقبضنا على ما يرضيه من الإيمان به واليقين فيما عنده، وأن يجعل أحسن أيامنا أواخرها وخير أعمالنا خواتيمها.

تقديم الضيف

كان معنا في ذلك اللقاء ضيفٌ كريم هو الدكتور فيصل، ولم أكن قد رأيته منذ أعوام، فقدّمته بقولي: إنه عندي من الدعاة المخلصين إلى الله. فالمسألة في قضية الدعوة لا تعتمد على كثرة المعلومات بقدر ما تعتمد على الإخلاص فيما يخرج من اللسان ويوصله الله إلى قلوب الخلق. فقد تجد رجلًا عاميًّا بسيطًا في عباراته وألفاظه، لكنه إذا تكلم بلغ ما يريد إلى الناس، وقد تجد إنسانًا عنده من العلم ما تعجز عن حمله الكتب، ولكن كلامه لا يتجاوز لسانه؛ يتكلم ثم تنتهي المسألة، ولا يصل إلى قلوب الناس شيء مما تحدّث به.

وما زلت أذكر له جملته المشهورة التي يرددها في كل مكان تقريبًا ويصرّ عليها: «أنتم رُسُل رسول الله ﷺ». استمعتُ إليها منذ سنوات، فلما تفكرتُ فيها كأني لم أخبر هذا الأمر من قبل: كيف أننا حقًّا رسلٌ لرسول الله ﷺ، وهل نحمل الهمّ نفسه والأمانة نفسها، وهل قلوبنا متألمة لعجزنا عن تبليغ الرسالة أو لعدم قبول الناس لها، وهل نستحق أن نصل إلى مقامٍ يخاطبنا فيه ربّ العالمين يومًا بقوله سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾[7]؟ نسأل الله العفو والعافية.

وقلت إني سأتكلم قليلًا، فأنا مشتاق أن أسمع من شيخنا وأستاذنا. وكان قد قال لي مازحًا: لماذا تفعل بي هذا؟ فقلت له: هذا في عُرف المشايخ يسمّى «فقه التدبيس». وسيقول هو في آخر اللقاء ممازحًا إنه هو الذي وقع في الدَّبسة.

ما الذي نقصده بـ«أرزاقنا بين الأرض والسماء»؟

اتفقنا أن نتحدث عن أرزاقنا بين الأرض والسماء. وسئلتُ: ما الذي قصدتَه بهذا العنوان؟ فقلت: قصدتُ أن كثيرًا من الناس يدخل في سلوكهم الحياتي عِوَج. وما صورته؟ تراه يكذب، فلماذا يكذب؟ لأنه يريد أن يحصل على مال. وتراه يغشّ أو يزوّر أو يدلّس أو يداهن أو يمالئ، إلى آخر هذه الأمراض السلوكية المجتمعية التي تنخر في عقول الأمة وقلوب أفرادها. لماذا يفعلون ذلك؟ لأن يقينهم في قضية الرزق ليس يقينًا تامًّا. ولو تيقن كل واحد منا أن رزقه بيد الله تبارك وتعالى، فلا يعنيني مع من أتعامل بقدر ما يعنيني ماذا أفعل وماذا أؤدي. فدوري في الحياة هو ما سيسألني عنه ربّ العزة، وصدقي مع الخلق هو الذي سأحاسب عليه بين يدي الملك سبحانه، وإتقاني لعملي هو محل رزق الله عز وجل. لكنك ترى مع ذلك إنسانًا يغضب ويثور ويجادل بالباطل في محاولة للحصول على رزق قد لا يكون له أصلًا.

حديثٌ لمفترقات الطرق

وأحب في هذا المضمار أن أكرر حديثًا للنبي ﷺ، أكرره كلما كانت بين يديّ في حياتي مفترقات للطرق؛ حين أتساءل: أبقى هنا أم أذهب هناك؟ لأن اتخاذ القرار مسألة تحتاج إلى دعمٍ رباني. قال ﷺ: «إن روح القدس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّ أحدَكم استبطاءُ الرزق على أن يطلبه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته»[1]. صدق رسول الله ﷺ.

ثم مضينا مع الحديث كلمةً كلمة. ومعناه ببساطة أن جبريل عليه السلام جاء فنفث في رُوع النبي ﷺ، أي أودع في داخله، أنه لن يموت أحدٌ في الدنيا إلا وقد استوعب أجله كاملًا ورزقه كاملًا. فلن يموت أحدٌ ناقصًا، ولا ينقص من عمره شيء ولا يوم. (وقد قلتُها بالمصري لمن كان معنا من المصريين: محدش هيموت ناقص. والمعنى واحد وإن اختلفت اللكنات.)

لكن الإنسان أحيانًا يحتاج إلى تذكير، فيقول ﷺ: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»؛ أي لا تطلبوا أرزاقكم بمذلّة ولا بمعصية ولا بخيانة، إلى آخره. وفي بعض الأحيان يطلب الناس أشياء لا تأتي في الوقت الذي يتوقعونه، ثم تأتي بعد قليل، وهذا هو «استبطاء الرزق». كأن أقول: طلبتُ من ربي أن يبعث إليّ اليوم خمسة آلاف ولم تصل بعد، فماذا أصنع؟ هيّا نسرق وننهب بأي طريقة. فيقول النبي ﷺ: لا يحملنّكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإذا تأخر الرزق عنك فاحذر أن يحملك تأخره على أن تقول: ما دام لم يأتِ فسأجيء به بأي طريقة. «فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته». إن أردتَ ما عند ربنا فلن تأخذه إلا بطاعة ربّ العالمين سبحانه وتعالى.

لماذا ذكر النبي ﷺ الملَك؟

ولو أن النبي ﷺ قال: اتقوا الله وأجملوا في الطلب، أو قال: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، لكان الكلام تامًّا. فلماذا قال: «إن روح القدس نفث في روعي»؟ أتوقف عند هذه الجملة لأقول: إن النبي ﷺ ذكّرنا بوجود الملَك ليفتح آفاقنا إلى أن وراء ما نرى عالمًا آخر لا نراه. فنحن حين نقدّر الأرزاق من وجهة نظرنا نقدّرها بحسب ما تطلع عليه عيوننا وتدركه حواسنا، ونظرُنا قاصرٌ جدًّا. فلو اعتبرتُ أن الرزق هو ما أراه فقط، فأنا الآن لا أرى ما وراء هذه الجدران. ولو اعتبرتُ أن البشر هم من أراهم فقد حصرتُ البشرية في عدد هؤلاء الموجودين من رجال ونساء وأطفال.

لكن النبي ﷺ، لأن قضية الرزق من القضايا الملحّة في عالم الحياة، يفتح آفاقنا إلى ما وراء طبيعة ما نرى، فيذكّر بوجود عالم آخر. ومن أساسيات ما نعلمه عن هذا العالم أن الملائكة ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ…﴾[8]. فلما أتذكر الملائكة أتذكر القاعدة الملازمة لهم؛ ومجرد تذكّر الملائكة تذكيرٌ مني لنفسي ألّا أعصي الله تبارك وتعالى، وأن أفعل ما أُومَر به في حياتي، لا الدنيوية فقط بل الإيمانية، التي ستضبط بطبيعة الحال الحياة الدنيوية. اتفقنا؟

إذن «روح القدس» يفتح آفاق دماغك لتفكر في عالمٍ آخر ربما كان بعيدًا عن الواقع الذي نعيشه. والمشكلة عند الناس أنهم يتخيلون أن الواقع هو ما بين أيديهم فقط، أن الواقع هو فقط ما يرونه. فكما نقول: البيوت في الدنيا كلها هي بيتي أنا، همّي بيتي، كأنه لا توجد بيوت غير بيتي. فقد أقتل نفسي لأجل جدران أربعة، وأتصور أن العمل الذي أعمله هو الميدان الذي أقاتل الناس لأجله. فتجده مثلًا في وظيفة والناس تضرب بعضها بالمقالب والخناقات، ويعصي الله في سبيل ذلك، لتصوره أن هذه الوسائل ستحفظ له مكانه ومكانته.

أربع حقائق ننساها

وننسى في الغالب مجموعة أمور.

الأول: أن الذي جلب لي الشغلانة الأولى قادرٌ على أن يجلب لي غيرها. أقادرٌ هو أم لا؟ بل هو قادر أن يجلب لي ما هو أحسن منها. فلو أني تيقنتُ بذلك، بيقيني بالغيب وبما وراء هذه الطبيعة، من خلال التذكير بوجود الملَك، وتيقنتُ أن الله قادر أن يبعث لي أحسن مما أنا فيه، فلن أكذب، ولن أدلّس، ولن أظلم نفسي، ولن أرتشي، ولن أخادع، إلى آخر هذه الآفات. ولو تيقنا أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى لهانت علينا أعين الناس وألسنتهم، ولحسبنا كل ما يقوله الناس ضدنا في ميزان سيئاتهم، لا في ميزان التأثير على معنوياتنا وأنفسنا. وكم تسمع كلمة فتبيت صاحيًا بسبب أن فلانًا قال لك كذا، ويقصد ماذا، وترى ينوي على ماذا، فيظل الإنسان طول الليل في هذا؛ فما لك أنت وهذا؟ إن الذي ألهمه أن يتحدث بذلك إنما جعله سببًا في إنفاذ قرارٍ، فهل هو قرارٌ أرضيٌّ أم سماوي؟

لا بد أن نفهم أنه قرارٌ سماوي. كل شيء يحدث في حياتنا: قرارات أرضية أم سماوية؟ هو سماوي. فلنذهب إلى أمثلة أخرى: حتى أبغض كلمة إلى النساء، التي لا يحبون أن تجري على ألسنتهم، كلمة الطلاق؛ فالذي أنطق اللسان بها إنما هو ربّ العزة. وحين تُطرد من عملك — والكلمة التي سُمعت في التسجيل «فاير»، أي: طردناك من العمل — فما قالها من قالها إلا بقرار سماوي أراده الملك، وسينفذه فلان. وفي الجانب الآخر، حين تُمنح مكافأة، فهذا قرار سماوي قبل أن يكون قرارًا أرضيًّا. فالبشر يا إخواني منفّذون.

وتشبيهي البسيط لذلك كالصرّاف القاعد على الخزنة. رئيس مجلس الإدارة يرفع سماعة الهاتف فيقول له: سيأتيك فلان في الطريق، أعطه شيكًا بكذا. فيقول: حاضر يا فندم، تمام يا فندم. ويغلق الهاتف فيبدأ يكتب الشيك، وصاحبنا قد وصل إلى الشباك. ثم يرنّ الهاتف ثانية: لحظة واحدة، لقد اكتشفنا أن عنده غلّة، فلا تعطه شيئًا. القرار قد صدر، ثم أُوقف تنفيذه. فأنا لما خلّفتُ ولدًا وفرحتُ به ثم ذهب، قلتُ: رزقي نقص. لا، لم ينقص شيء؛ رزقي مع إيقاف التنفيذ. افهم. فلو أدركنا أن كل شيء يُدار في السماء بأمر الملك سبحانه وتعالى، وأن هؤلاء الخلق ما هم إلا منفّذون، فأي مشروع تطمع فيه ثم يتوقف ليس بقرار الناس وإنما هو قرار ربّ العالمين، وأي باب يُفتح لك من الرزق ولم يكن على بالك فهو قرار ربّ العالمين سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: أننا نسينا أن العظيم عندي قليلٌ عند من أوجده لي. تخيّل أنك جئتَ لابنك بجاكيت جميل بعشرين أو خمسين أو عشرة آلاف، أيًّا كانت العملة، وكان غاية طموح الولد أن يلبس هذا الجاكيت. فهو بالنسبة إليه شيء كبير أم قليل؟ كبير جدًّا، حتى إنه يبيت محتضنًا الحذاء إلى الصباح، فاذكروا أيام العيد قديمًا، يظل أحدنا ممسكًا بحذائه الجديد حتى الصبح. فالشيء الذي أعطيتَه لولدك أمرٌ عظيم جدًّا عنده. لكن مهما بلغت قيمة هذا الجاكيت وعظمته عند الولد، فهل هو عظيم بالدرجة نفسها عند الأب الذي أوجده له؟ أنت مررتَ الكارت فخرج العشرون أو الخمسون بسهولة، يسيرٌ عليك. وأحيانًا نقول لأولادنا: لا، بلاش هذا فهو غالٍ شيئًا ما، وإنما نفعل ذلك لنربّيهم ونعلّمهم أن كل شيء لا يجيء بسهولة.

فالعظيم عند الغلام قليلٌ عند من أوجده له، وننقل القياس: وتعالى الله عز وجل عن التشبيه. أنت عندك بيتٌ بنصف مليون أو مليونين أو عشرة ملايين أو بليون، فماذا يعني ذلك عند من أعطاك؟ وقارون، على فكرة، قبل أن يخبرنا الله بما عنده، قال عنه: ﴿كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾[9]؛ أي واحدٌ من الناس، غلبان، رجلٌ من ضمن الناس الموجودين، ولم يأتِ بشيء من عنده. وليست مشكلة قارون أن الله آتاه، ولا أنه كان عنده الكثير، ولا أنه كان غنيًّا. مشكلته كانت في كلمة واحدة: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾[10]؛ أي أنا الذي صنعتُ، لا ربي الذي أعطاني. هذه هي المشكلة.

فكل عظيم عندك، وظيفتك التي تراها ملأت السمع والبصر، واللقب المكتوب على بطاقتك التعريفية حين تدخل وتقدّم نفسك بـ«الدكتور فلان»، هنا اهدأ؛ لأن ما في يديك صغير. ولو كان عظيمًا لما حصلتُ عليه ببضاعتي البسيطة، ولو كان عظيمًا لكان في الكون من هو أجدر مني بأن يحصل عليه. وإنما هي أرزاق.

الأمر الثالث: أن الخير ليس له محلٌّ واحد ينحصر فيه. والناس ناسية أن الله سبحانه هو ﴿ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾[11]، ناسية أن الخير ليس له محل واحد. فترى مسكينًا يقتل نفسه كي يحافظ على الشغلانة، فتقول له: لماذا تفعل ذلك؟ فيقول: إلى أين أذهب لو خسرتُ هذه؟ فتقول له: لا، إن الرزق كثير وكبير، ومجالات الدنيا واسعة، وخير ربنا كثير في البشر.

وترى من قد يقتل نفسه من أجل ولدٍ من عياله، كأنه يعبده في عينه. وأنا طبعًا لا أتكلم عن أصل الفطرة والعناية والتكاليف الربانية في تربية أولادنا والاهتمام بهم، وكونهم جزءًا من الفطرة البشرية، وأن عندنا تكليفات شرعية برعاية الأولاد وتبليغهم مواطن السعادة، نسأل الله لهم البركة. وإنما أتكلم عن إنسان قد يخون الأمانة من أجل ابنه، وعن إنسان قد يسرق ليجيب شيئًا لابنه، وعن إنسان قد يغالط ضميره لكي يلبّي حاجة ابنه. هذه قضايا دينية، وتلك قضايا دنيوية، فأيهما يؤثر في الآخر؟ ذلك هو محل الأمر.

الأمر الرابع: الدنيا، وهذا ما نتفق عليه من الأول: صغيرة أم كبيرة؟ هل نحن مقتنعون بأن الدنيا صغيرة؟ إن كنا كذلك، فمن معه مليون دولار، أهو غني أم فقير؟ قال بعض الحاضرين: فقير. ولماذا؟ وإذا وجدنا شخصًا رزقه الله ملايين الدولارات، ولكنه مصاب بنوع من المرض لا يقدر معه أن يأكل شيئًا من الفول ولا المسقعة، أهو غلبان أم مسكين أم غني؟ وماذا لو أعطاه الله القدرة على التفكير وجعله من أذكى أذكياء العالم؟ وإنما هو مسكين لا يقدر أن يأكل مع الناس.

وتخيّل ثلاثة رجال يدخل كلٌّ منهم بيته ويقول: السلام عليكم. (وقد سألتُ نفسي: من أجد في البيت؟ أجد زوجتي وأجد عيالي، وقيل لي: والملائكة موجودة طبعًا، فقلتُ: أقصد ملائكة البركة الموجودة في البيت.) فالأول وجد من في البيت قاموا واقفين وقالوا له: أهلًا، الحمد لله على السلامة، عامل إيه؟ شكلك تعبان، مرهق شيئًا، يبدو أن الشغل اليوم كان كذا. والثاني دخل فقال: السلام عليكم، فردّ عليه واحد من المجموعة، ولم يتحرك أحد من مكانه. والثالث دخل ولم يقل أصلًا «السلام عليكم» لأنها ليست من قاموس البيت، يدخل من الخارج على الركن الذي يجلس فيه ويقضي أموره، فإذا اصطدم به أحد قال له كلمة فقال له الآخر: انتهى، من أول السطر. فمن فيهم أغنى من الآخر؟ ولو تخيلنا أن الأول عنده مليون، والثاني نصف مليون، والثالث عنده، فيما يبدو من التسجيل، خمس «تعريفات» (قروش زهيدة)، فأيهم أثمن؟ الأول أثمن، أليس كذلك؟ فلماذا إذن يتنكّد عليه عيشه آخر الشهر إذا لم تأتِ بما يريد؟ ومن قامت إليه زوجته فقبّلته وقالت له: أهلًا وسهلًا يا حبيبي، الحمد لله على السلامة، فهو أغنى من الدنيا وما فيها. صحيح يا إخواني، المعايير نحن الذين نضبطها. وللأسف الشديد أننا ندّعي أن الحياة تتحكم فينا بناءً على المستجدات التي تأتي: أنا لست قادرًا أن أوظف الأمور كما أريد، لماذا؟ نحن الذين نضبط المعايير.

غرس الجذر

ولأن قضية الرزق قضية مهمة جدًّا، وجدتُ أن النبي ﷺ يقول: «نفث في رُوعي». وهذا يشبه ما تفعله حين تزرع شيئًا: تحفر له، ثم تغوّص قليلًا فتنزل الجذور كلها، ثم تضع عليها التراب، ثم تضع الماء، فيُنزل الماءُ التراب أكثر فيزيد من استقرار الجذر في الأعماق. وقضية الرزق تحديدًا قضية جوهرية في حياتنا، ولذلك وجدنا النبي ﷺ يقول «نفث في روعي»، كأنه وضعها في جذر القلب.

هموم الناس ومشكلاتهم النفسية

الهموم التي تتجدد علينا كل يوم، والمشكلات النفسية التي يواجهها الناس، هي في الغالب كلها قضايا رزق. من جاءه الاكتئاب لأن حبيبته مضت وتركته، لو أيقن أن هذه قضية رزق، وأن الله تعالى يبسط الأرزاق لمن يشاء ويعطي ما شاء لمن شاء، لاستقرت نفسه. ومن ذهب فألقى نفسه من فوق العمارة أو من فوق الجسر لأنه لم يستطع أن يحصل على ٩٩٫٩ بالمئة، وحصل على ٩٨٫٧، مسكين، فذهب فقتل نفسه! لماذا تفعل ذلك؟ لو أنه أيقن أن ذلك رزق من الله تبارك وتعالى لاستقرت نفسه.

وكذلك مسكين اسودّت الدنيا وأظلمت في عينيه، وما عاد فيها رزق، من أين نجيب؟ ماذا نفعل؟ سنضيع، يا إخواني! قضية الرزق! وإن شئتم فلنترك هذا كله: المسكين الذي راح فتعامل بالربا، وباع واشترى بالحرام، وضلّ لنفسه وضلّل الناس، لأجل ماذا؟ لأجل الدنيا. لو أنه أيقن أن الرزق بيد الله تبارك وتعالى لما ضلّ في ذلك. لأجل هذا رأينا النبي ﷺ يقول: نفث في روعي، في أعماقه، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وتستوعب أجلها، أو تستكمل أجلها وتستوعب رزقها.

ربطُ الرزق بالموت

وربطُ الرزق الدنيوي بالموت مسألةٌ أتخيلها هكذا، وكنت قلتُ شيئًا قريبًا منها لإخوانكم من يومين. تخيّل أنك ماشٍ في سيارة مع الناس على الطريق السريع، والسرعة المكتوبة سبعون. فعلى كم تمشي؟ على ثمانين؟ أنت تمشي حتى تسعة وسبعين، ولكن فوق السرعة خذ بالك. فإذا مشيتَ على سبعين، فمنهم من يمشي على ثمانين وهم يضربون بعد قليل، ومنهم على خمسة وسبعين. فإذا كانت السرعة المحددة خمسة وثلاثين أو أربعين فكلّ على حسبه. وما الذي يفرق؟ حين أريد أن أخرج من المخرج على الطريق نفسه: الطريق ذو السبعين، فعلى كم أنزل؟ لا، على أربعين، فالمنعطفات والمخارج تقتضي ذلك.

لماذا أقول هذه الأمثلة؟ أقولها لأن السرعة لا بد أن تكون مرتبطة بمجموعة عوامل محيطة بها: منها طول الطريق، والمسافة التي ستقطعها، والعوائق التي أمامك، والمخرج الذي ستخرج منه، ومتى سيجيء. فربط قضية الرزق بالموت يجعلنا نفهم أن الموت عبارة عن مخرج. فمتى سيجيء المخرج؟ لا أحد يجيب، لأن أحدًا لا يعرف. حسنًا، وأنا لما أكون لا أعرف متى المخرج، وأنت ماشٍ تسوق ولا تعرف أين المخرج، أتمشي على سرعة الطريق نفسها، أم تأخذ جانبًا هادئًا ساكنًا جميلًا، وتحرّك يديك وقدميك بحذر ما بين هذا وذاك؟

فلما ربط النبي ﷺ بين قضية الرزق وقضية الموت، أفهمنا أننا لا بد أن ننطلق مع الحياة بسرعة تناسب اقتراب الموت أو بُعده. ولما عرفنا أن الموت لا ندرك قربه ولا بعده، كان لا بد لنا من مزيد من الحذر ونحن نتعامل مع انطلاقتنا في الحياة. ولأجل ذلك يرسم النبي ﷺ مجموعة من الخطوط ويقول: فهذا هو الأجل، يقطع على العبد أمله[2]. واضحة هذه النقطة؟ صلّوا على الهادي عليه الصلاة والسلام.

وعندي أشياء كثيرة أخرى لو قدّر الله، ونكمل في لقاء قادم حديثنا عن الرزق. وأعتذر عن أني أطلتُ، فأنا مشتاق أن أسمع من أستاذنا الدكتور فيصل.

حكاية الصيدلية والمقاول

بدأ الدكتور فيصل كلمته بالحمد والصلاة على النبي ﷺ، وسأل الله أن يكون عند حسن ظن شيخه. ثم قال إنه بالنسبة للرزق سيحكي لنا حكاية من نحو عشرين سنة.

كان له مشروع في ميشيغان، فكان يذهب إليه كل أسبوع ثلاثة أو أربعة أيام. وفي مرةٍ وجد نفسه مريضًا من شدة البرد، وكان الشتاء، فذهب إلى الصيدلية ليشتري دواءً. وبينما هو يدفع وجد أمامه امرأة أفريقية عجوزًا ومعها فتاة معاقة بيضاء، وكانتا تشتريان رقائق (تشيبس) وكوكاكولا وحلوى وأشياء من هذا القبيل، وفاتورتهما أربعة عشر دولارًا. فرأى المرأة تُخرج من النقود الصغيرة: النيكل والدايم والبنس، لتدفع الأربعة عشر دولارًا. فقال للصراف: أنا أدفعها عنهما.

وفي اليوم التالي رجع إلى شيكاغو إلى مكتبه، وكان عنده مكتب هندسي. فإذا برجلٍ يطرق الباب لم يره في حياته قط، مقاول معه رسومات يريد أن ينظر فيها أحدٌ ويختمها له ليحصل على إذن بناء من البلدية. فسأله: متى تريدها؟ قال: غدًا. قلت له: غدًا؟ سأترك كل شغلي وأعملها لك. وسبحان الله، ليتخلص منه قال له: ما رأيك في سبعمئة دولار؟ قال له: ماشي. فقال: لكن تعال غدًا وأحضرها نقدًا، لأني لا أعرفك. وجاءه في اليوم التالي، وفي اللحظة التي دخل فيها المكتب تذكّر الدكتور فيصل: يا سبحان الله! أنا أول أمس دفعتُ أربعة عشر دولارًا، وطلبتُ منه الآن سبعمئة! فقال له: اجلس، وأخذ منه الفلوس، ثم قال له: لو طلبتُ منك ألفًا وأربعمئة، أكنتَ تعطيني ألفًا وأربعمئة؟ فقال له: والله لو طلبتَ مني أربعة عشر ألف دولار لأعطيتُها لك.

قال: فقلتُ في نفسي: أنا مسلم، وربنا سبحانه وتعالى يقول في القرآن إن الحسنة بعشر أمثالها وإنه يضاعف لمن يشاء[3]. فسبحان الله، أرسل الله إليّ رجلًا صربيًّا، من الذين يقتلون المسلمين في البوسنة[6]، ليردّ لي الأربعة عشر دولارًا خمسين ضعفًا. نعم، خمسين ضعفًا.

يقين الآخرة والتحابّ

قال: ولذلك فإن التعامل مع ربنا سبحانه وتعالى لا بد أن يكون فيه يقين: ﴿وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾[12]. فهي عملية يقين بالآخرة، وما هو يقين الآخرة؟ أن أرجو أن يعطيني ربنا الجنة. فإذا لم يكن عندي يقين بالجنة فكيف سأتعامل مع ربي؟ ولذلك أيضًا لا بد أن يكون هذا اليقين في تعاملنا بعضنا مع بعض: أن أرجو وأدعو الله أن تكون ابتسامتي في وجه أخي، أو سلامي على أخي، أو سؤالي له عن صحته أو أولاده، سببًا لدخولي الجنة. ولذلك لما كنا نصلي المغرب والعشاء كنتُ أذكّر نفسي وأذكركم أن الرسول ﷺ قال: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تتحابّوا…»[4]. فكيف نتحابّ مع بعضنا؟ أبالرسائل النصية على الهاتف؟ وكاد يبكي، كما قال، وهو يدخل المسجد فيسلّم على واحد فلا يردّ عليه، أو يسلّم عليه فيمد إليه يده كأنما يرميها، أو يبتسم في وجهه فيتجهّم هو في وجهه.

ثم قال: أتظنون أن الله سيدخل واحدًا منا اليوم الجنة على الأقل، واحدًا منا، يا رب يا رب؟ فلو كان هذا الواحد سيدخلنا الجنة أفلا يجب أن أذهب فأبحث عنه لأسلّم عليه؟ نحن كنا نتكلم عن الرزق: كلنا أجانب وكلنا جئنا مهاجرين، ولو قيل لنا إن في المكان الفلاني رجلًا يعيّن الناس ويوظّفهم لذهبنا نبحث عنه ونحمل له هدية، ونأتيه بأي شيء. فماذا سيعطينا في نهاية المطاف؟

«باكدج» الشعراوي والرضا

ولذلك فإن الرزق فعلًا كما للشيخ الشعراوي في الموضوع مقولة: إن ربنا سبحانه وتعالى يعطي كل بني آدم «باكدج» كالأخرى، فمحتويات صندوق كل واحد تختلف عن صندوق الآخر، لكنها في نهاية الجملة مئة بالمئة متساوية. فالذي يأكل اللحم الأحمر مبكرًا يأتيه الطبيب فيقول له: لا تستطيع أن تأكل لحمًا أحمر وإلا هلكت. والذي يأكل الخبز الأبيض مبكرًا يقول له الطبيب: كفاية عليك، لازم تأكل خبزًا أسمر. ولذلك لا بد أن يأتي مع الرزق الرضا.

وقال إنه تعلّم كلمة الرضا عمليًّا من شابٍّ في شيكاغو، ابن أحد المعارف، تخرّج من الجامعة وصار محاميًّا ناجحًا، ثم جاءه فجأة السرطان، وسقط شعره، سلّم يا رب سلّم. قال هذا الشاب: والله علّمني كلمة الرضا؛ ما علمتُ ولا شعرتُ بكلمة الرضا إلا لما جاءني هذا المرض، والحمد لله شفاه الله وعافاه. فالرضا يكون بالشيء الحسن والشيء السيئ، الرضا بالقضاء، والرضا بالقضاء والقدر من الإيمان. فإذا لم نرضَ برزقنا فربنا يقول لك: طيب، لا يعجبك الرزق؟ ابحث عن الذي يرزقك.

فندعو الله سبحانه وتعالى أن يعطينا الرضا بهذا الرزق، وأن نتعامل مع الله بيقين أنه سيعطينا ما يكفينا، وما يزيد عنا، وما لا نحتاجه، وما لا نستحقه، يا رب.

كلفة عملية القلب

ثم ضرب مثالًا: هل تعلمون كم تكلّف أي عملية صغيرة هنا في أمريكا؟ قال إنه أجرى قبل نحو عشر سنين عملية فتحوا له فيها صدره وعملوا له أربعة مجازات (باي باس) وكلّفته مئة وأربعة وثلاثين ألف دولار، ولا هم وضعوا له قلبًا جديدًا ولا شيئًا من هذا. ولكن المشكلة أنه لما ذهب إلى المستشفى لم يكن عنده أي فكرة أن به شيئًا في القلب، فقالوا له: عندك كذا ولا بد أن نعملها لك، فقال لهم: انتظروا. لكنهم كانوا يريدون فلوسًا عليك، فشقّوا صدرك وقطعوه، وأخرجوا قلبك ووضعوه في الثلج، وجاؤوا بالأوعية وقطعوها. ماذا ستقول لهم؟ فما بالك بربنا سبحانه وتعالى؟

ولذلك يقول ربنا: ﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾[13]. فربنا سبحانه وتعالى يقدّر الأرزاق، ونحن كل عامٍ نقول: سمعنا وأطعنا، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾[14]. نرضى برزقنا حتى يرضى عنا الله. وندعو الله سبحانه وتعالى للجميع أن يرزقهم رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، وأن يحفظهم من كل سوء. وجزاه الله خيرًا، وقال ممازحًا إنه تبيّن في الآخر أنه هو المُدبَّس، وأنه لم يعرف كيف يتخلص هذه المرة، «فقه المشايخ» الذي لا ينفع معه التلميذ.

الطفل على المائدة

ثم عدتُ للكلام فرحّبتُ بالضيف في دالاس فورت وورث (وسألت الله لنا ولكم البركة)، وكررتُ الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وتستوعب أجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته». وقلت: في قضية اكتمال الأرزاق أتخيل طفلًا صغيرًا قاعدًا على المائدة وأمامه المقدار الذي كُلِّف به، هذا الذي ستأكله. فأول ما تضع أمام صاحبنا الأكل يأكل بسرعة شديدة ونهم. فتقول له: على مهلك يا بني، لماذا تأكل هكذا؟ والأكل لن يهرب. وكان طفل قاعدًا على المائدة مع الكبار يأكل وهو غير قادر، فقالوا له: يا بني حرام عليك، الأكل ساخن عليك، انتظر حتى يبرد. فقال لهم: لو انتظرتُ حتى يبرد فسوف تأكلونه أنتم! فصاحبنا ملهوف جدًّا، لأن من حوله ينصحونه، وهم ناصحون طبعًا. لكن لو أني وضعتُ له الكمية التي له في طبق أمامه وقلت له: هذا الذي ستأكله ولن يأكل معك أحد، فهل يكون عنده مبرر أن يأكل الأكل ساخنًا أو أن يأكله على مرة واحدة؟ لا. فلو أني استوعبتُ أن ربّ العالمين سبحانه وتعالى قد عبّأ لي سلّتي كلها تمامًا وقال لي: تفضل، هذا رزقك، لم أكن نَهِمًا آخذ ما في أيدي الناس.

الأطباق على المائدة نفسها

وأتناول مسألة أخرى، وهي أن الأطباق موضوعة على المائدة نفسها، وفيها أنواع مختلفة من الأكل، وكل واحد ينظر إلى الأكل الذي عند الآخر. وسآخذ المثال الذي قاله أستاذنا في قضية المرض المرتبط بما يدخل البدن وما يخرج منه. فأمس كنت في جلسة طيبة مع ناس طيبين، وكان واحد منهم يحكي أنه أجرى عملية قصّ للمعدة، لا كما يفعلها كثير من الناس من أجل الرجيم والرشاقة والقوام، وإنما لأنه منذ ثلاثين سنة مصاب بالسكر وغير قادر على معالجة الموضوع، وهو يحب الأكل جدًّا ولا يقاوم. فهو مسكين بين أمرين: أن يعالج نفسه، فاضطر أن يفعل ذلك ليقدر أن يكمل حياته بشكل طبيعي، ويقدر أن يؤدي رسالة ربّ العالمين سبحانه وتعالى في الأرض. لو أنني وضعتُ كمية أكل كهذه أمام هذا الشخص أكان يأكلها؟ لا، بل يأخذ منها على قدر ما يكفيه.

والذي يعرف ما يكفيك ليس أنت، وإنما من هو أكبر منك. أنت تفعل ذلك مع ابنك في البيت: هو يريد أن يدخل على الثلاجة ويأخذ كل شيء ويأكله، فتقول له: يا بني حرام عليك، الساعة الآن الحادية عشرة ليلًا، لا بد أن تذهب لتنام كي تصحو إلى المدرسة. فيقول: وما المانع؟ آكل ثم أنام. فتقول: لا يا حبيبي، لا ينفع أن تأكل هذه الكميات من هذا النوع الآن ثم تنام. هذا الأكل ينفع في الظهر، تأكله ثم تتحرك وتروح وتجيء وتبقى صاحيًا على الأقل حتى يأتي الليل وقد هضمته فتقدر أن تنام. هذه التركيبة كلها في دماغ الطفل الصغير لا يفهمها، فيلحّ ويشكو. فهل لأنه لا يفهمها نعطيه الفرصة ليفعل ما يريد؟ فماذا نصنع؟ نمسك بيده ونقول: لا، لا أسمع كلمة، هذا الأكل لا يُؤكل الآن. وربنا يقول لنا في بعض الأوقات: هذا الرزق لا ينفعك الآن، أمسك نفسك، ستأتي بعد قليل أو لا تأتي خالص.

وعندنا أولاد، نسأل الله العافية، يولد الطفل ومعه السكر، فهل يُسمح له أن يأكل مثل بقية الأولاد؟ فحين نمنعه من كميات معينة من الأكل أو أنواع معينة، هل يعني هذا أننا نعذّبه، أو أننا ننتقم منه، أو أننا نكرهه مطلقًا؟ لا. فلما أراد الله أن يكون واحد من الناس فقيرًا، بمعنى أن الرزق الذي يدخل عنده بمقدار كذا، هل يعني ذلك أن ربنا لا يحبه، أو ينتقم منه، أو يريد أن يعذّبه؟ لا، أبدًا. فما المعنى إذن؟ المعنى أن الله تعالى علم أن ذلك هو احتياجه، وأعطاه على قدر احتياجه.

الزجاجتان

والمثال الذي أكرره دائمًا في كل مكان: عندي زجاجة صغيرة، وبجانبها أخرى كبيرة، وملأتُ الاثنتين بالماء إلى آخرهما. ثم نجد الصغيرة تبكي، فنقول لها: لماذا تبكين يا بطوطة؟ فتقول: لا شأن لي، أعطيتم الكبيرة أكثر مني! فماذا ستفعلون لو كنتم مكاني؟ ما شأننا نحن؟ فتقول: ولماذا الكبيرة أكثر مني؟ أصادقة هي أم كاذبة؟ فنقول لها: لا، أعطيناك على قدر استيعابك. فتقول: لا شأن لي، أريد المزيد، لماذا تأخذ الكبيرة أكثر؟ فماذا نفعل؟ هل أتصرف تصرف المجنون فأقوم وأعطيها أكثر؟ فلو أني أعطيتُ هذه لترًا مثلًا، وأعطيتُ تلك مثله، فاللتر الذي زدتُه على الصغيرة إلى أين يذهب؟ يُصبّ على الأرض، أليس كذلك؟

الحكاية نفسها: الله سبحانه وتعالى علم أن احتياجاتي على هذا القدر، فأعطاني على هذا القدر لأن قوتي لا تستوعب أكثر. ولو طلبتُ المزيد لكنت مثل الزجاجة الصغيرة التي تبكي. ولو أعطاني ربنا أكثر فإلى أين يذهب؟ يُصبّ. وكيف يُصبّ؟ مخدرات تأتي، أو عافية تذهب، أو مزاج يتعكّر؛ لأن الزجاجة لما تنسكب توسّخ الدنيا، فتشعر أن الحياة ليست بالنظافة الأولى، وأن شيئًا فيها مختلّ. اتفقنا؟

وكان رجلٌ من البسطاء جدًّا، من أهل الريف، موظفًا يأخذ مرتبًا بقدر محدود، وكان أكثر شهرٍ يؤلمه، يا مسكين، الشهر الذي تجيء فيه حوافز أو زيادات في المرتب. فاستغربوا وقالوا له: لماذا يا دكتور تتضايق؟ فقال: لأن الذي يجيء أعرف أين مصروفه؛ فإذا جاءت زيادة خلقت مصروفات أكثر. انظروا كيف يفكر الرجل: هذا المصروف الأكثر سيأتي في ماذا؟ ولدٌ سيمرض؟ مشكلة ستحدث؟ شيء في البيت سيتلف؟ فالأفضل أن يبقى مستورًا ماشيًا على قدر ما يجيء. تخيّلوا الرجل كيف يفكّر. وقد يكون هذا صوابًا وقد يكون خطأ، ولكنها طريقة تفكيره هو؛ إذ يرى أن أي مقدار أكثر من المال يعني بابًا جديدًا من المصروف سيُفتح، وهو لا يريد أبوابًا تُفتح.

وأتخيل مثلًا، أعزّكم الله، أنه لم تأتني اليوم مئة دولار زيادة في رزقي. ولكن لو خرجتُ في الصباح فاستعجلتُ خطوتين وكسرتُ الإشارة، ووقفني البوليس وأعطاني تذكرة بمئتين وسبعين، فكم أحتاج اليوم لأرجع الأمور إلى وضعها الطبيعي؟ أحتاج على الأقل إلى ثلاثمئة. ولم أطالب بمئة، ولم أطالب بمئتين ولا ثلاثمئة، فالموضوع على وضعه الطبيعي. أو أنت الآن عندك زيادات في الرزق، وحدثت مشكلة في التكييف، وذهبتَ تجيء بالرجل فقال لك: كذا وكذا، فالمسألة ستتجاوز عشرين دولارًا أو خمسين أو سبعين، ثم يقول لك: لا، أصل المواسير كذا، وخرّبتْ لنا كذا. يا رب، ما كل هذا؟ لماذا هذا كله؟ شيك بألف أو بألفين أو بثلاثة. وكلنا ندرك أبعاد مثل هذه المسائل.

مشكلتنا مع التساوي

فكيف تأتي قضية الرزق؟ مشكلتنا كبشر أننا نريد الأرزاق أن تأتي مستوية، بالتساوي. ما معنى التساوي؟ هو أعطاه أربعة فيعطيني أربعة، أعطاه سبعة فيعطيني سبعة. لا، أنا أتكلم عن الرزق عمومًا. أنت عندك مئتا ألف وضعتَها في جانب، أو أودعتَها الخزنة، وأنا أريد كذلك مئتين، لماذا هو دوني، لماذا أنا؟ فربنا يقول لي: انتبه، لقد أعطاه مئتي ألف لأنه سيحتاج أن يعمل بها كذا وكذا وكذا، فعنده مشاريعه التي سيعملها، سيطعم فقيرًا، ويعالج مريضًا، ويتصدق في هذا الموضع وذاك. وأنت لا يُطلب منك أن تفعل ذلك، فليس أمامك هذه القائمة. فأعطاني على قدر ما أريد، وأعطى كل واحد على قدر ما يريد.

صور الرزق

وصور الرزق كيف تكون؟ لست أتكلم هنا عن جزئية الحلال والحرام، بل أتخيل صور الرزق. صور الرزق في تخيلاتنا أموال وأرقام فقط. لكن لو تخيلتُ: الصحة. الولد. العمر. هداية البال. (وسأل بعضهم: الزوجة الصالحة؟ هذه تتذكرها دون غيرها؟ تذكّر شيئًا آخر.) وهنا ذكرنا مثالًا من قليل: ابتسامة ابنك في وجهك حين تدخل البيت أو حين تقابله. أو رسالة نصية يكتب لك فيها أو لأمك: السلام عليكم، كيف الحال، طمّنونا عنكم، ماذا تفعلون، فتنزل على قلبك الكبير بردًا وسلامًا. اتفقنا على هذا. وماذا أيضًا؟ من يعطينا أمثلة؟ رضا الوالدين. وما أدراك! تحسّ أن مشكلة حصلت، ثم نجّاك الله منها فجأة، وبعد ذلك ترفع سماعة الهاتف فتكلّم أمك، فتقول لك: ما الأخبار عندك؟ أنا قلقة عليك منذ يومين وأدعو لك. ما الموضوع يا حاجّة؟ تقول لك: أنا أحس أن عندك شيئًا يا ابني، أخبارك ماذا؟ أدعو لك منذ يومين، وأمس تحديدًا قمتُ قبل الفجر بساعتين ولم يكن على بالي غيرك، وجلستُ أصلّي وفي السجود لم أجد إلا اسمك، ولا أعرف أن أدعو حتى لبقية العيال. ما الحكاية؟ أليس ذلك رزقًا؟

ثم نتكلم عن قضية العافية. أنت تقول لنا إنك تكلّفتَ مئة وأربعة وثلاثين ألفًا في موضوع الصمامات وهذه الأمور. فلو أن سيدنا الشيخ فيصل، حفظه الله، كان معه مئة وأربعة وثلاثون ألفًا في البنك، بلا حاجة إلى التأمين، تفضل، أعطيناه المئة وأربعة والثلاثين ألفًا في البنك، وفي المقابل عندنا عطل في الصمامات التي ترسل الدم ذهابًا وإيابًا. فما رأيكم؟ كل أمنيتي في الحياة أن أدّخر. قلنا كم؟ مئة وأربعة وثلاثون ألفًا، لأضعها بجانبك. أتحس أنك صرتَ عندك مئة وأربعة وثلاثون ألفًا؟ ولكن في الوقت نفسه ستأتيك مشكلة في القلب! فلنتخلص من المئة والأربعة والثلاثين ألفًا ومن مشكلة القلب جميعًا، ولنكتفِ بخيرنا وشرنا. فمن يجيب لك؟ الله، وهو أعلم بما يجيب لك وكم.

لا تقصير في الطلب

لكن هذا الكلام لا يعني مطلقًا أن تقصّر في طلب مزيد من الرزق. شعاري في الحياة أن أذهب إلى ربي سبحانه وتعالى بمليون صلاة ومليون دولار عملتُهما في الخير وكسبتُهما من الحلال، أحبُّ إليّ من أن أذهب إلى ربي بمليوني صلاة من غير مال ولا مليون. لأن هذه الفلوس ماذا فعلتُ بها؟ وقد يقول لي قائل: ما هذا يا مولانا؟ إن المال كلام فارغ. لا، ليس المال كلامًا فارغًا، إنما هو وسيلة لتسيير حركة الحياة. وما ينبغي للمسلمين العقلاء أن يدعوا الأموال في أيدي أعدائهم يديرون بها حركة حياتهم. وهذه، إن شئتم، سياسة مني: ما ينفع أن أترك الفلوس التي في الدنيا في يد واحدٍ يحركني بها، ويلعب في مستقبلي، ويُفسد بها أخلاق عيالي. لا، أنا ساعتها أكون أسدًا في تحصيل هذه الأموال، أستعملها في الخير وفي تنمية المعروف في المجتمعات التي أعيش فيها، وأترك له ما استطاع أن يأخذه ويفعل ما يريد.

ولذلك حين نتكلم عن التعاملات بين المسلمين بعضهم وبعض، أو أني أذهب إلى غير مسلم فأشتري شيئًا أو أتعالج أو أقضي حاجة أو غير ذلك، لا أقول إن التعامل مع غير المسلم حرام، لا أقول ذلك. ولكنني أقول: إذا تعاملتَ مع مسلم فكسبتَه (ربحتَ منه)، قد يقول لك قائل: أنت تجمع الزيادة؟ هذا عنده ملايين! وأقول: إنه سيخرج زكاتها. فأنا حين أتعامل مع مسلم وأزيد الرزق الذي عنده، وأنا أعرف أنه في آخر السنة سيخرج زكاة ماله، فحين ينتفع من وراء هذه المعاملة أناسٌ آخرون من المسلمين، فهذا أرجى من أن تتعامل مع إنسان وأنت متأكد أنه لن يكون فيها شيء لله سبحانه وتعالى.

ما قد يكون مكافأةً من الله

وكنتُ كاتبًا كلمة أقول فيها: إذا اتقينا الله فإن الله سبحانه وتعالى سيعطينا من المكافآت ما يناسب هذه التقوى. وقد تكون هذه المكافآت نجاح الأولاد دراسيًّا، أو عافية أبدان العيال، أو مزيدًا من محبتهم لك وحرصهم على إرضائك. أو تكون في صورة بركة في زوجتك، تحفظ سترك وشرفك وتعينك على دينك وإيمانك وأداء أمانة الله تعالى التي بين يديك. وقد تتمثل في عافية بدنك، أو بركة في عمر من تحبهم. وقد تتمثل في رضا الناس عنك. والناس إذا كانت راضية عنك فهذه على فكرة مسألة ليست بسيطة: أن يراك أحد فيرتاح لأنه رأى وجهك. وحين تشعر أن الناس ينظرون إليك وهم مرتاحون، فهذا والله يساوي كنوز الأرض وما عليها. لكن أن ينظر الناس إليك وهم قلقون أو متوترون، وفي داخلهم شعور مختلط: من هذا؟ وماذا يعمل؟ خائف الآن!

وقد تتمثل المكافأة في حكمة يسوقها الله تعالى إلى قلبك وعقلك فتكون محلّ مشورة الخلق، فتأتيك الناس تقول: ممكن أستشيرك في موضوع؟ فهذه تساوي كم؟ تساوي كم في عالم البشر وعالم المادة؟ وقد تتمثل في توفيق الله تعالى لك في اتخاذ القرار المناسب. حكى لي صاحبي من يومين أن عنده صديقًا دخل في نحو سبعين مشروعًا منذ ثلاث سنين حتى اليوم. وأنتم أدركتم ما وراء ذلك. وكلما دخل مشروعًا فسد، وحاول أن يدخل في موضوع آخر، فيقال له: يا بني، استقرّ في شيء. فيقول: لا، لا، اسمع فقط، هذا حين نعمله ويتوفر سنبيع. وبعد خمسة أو ستة أيام يلقاه صاحبه: ما لك قاعد هنا؟ أين هو؟ فيقول: اكتشفنا أن في الأمر كذا، ثم طلع لنا كذا. ثم: اسمع، سنشتري تاكسي، ونعمل كذا وكذا. يا عم، أنت ليس لك في هذا المجال. فيقول: لا لا لا، اسمع، هذا موضوع سهل ولا يحتاج إلى إجراءات والحكومة... وبعد خمسة أو ستة أيام فسدت الحكاية: أصل اكتشفتُ أن المحلات التي تبيع كذا... يا عم. وهكذا. فمسألة القدرة على اتخاذ القرار في حياتك رزقٌ من رب العالمين، أن يلهمك الصواب، فتكون إنسانًا راشدًا لا يتعجل في القضاء على جزئيات حياته أولًا بأول من غير وعي. أسأل الله تبارك وتعالى ذلك.

وقد تتمثل مكافآت الله في صرفك عن المعصية التي ستنكّد عليك عيشك وتنغّص عليك منامك. وقد تتمثل في حفظ الله لعيالك من صحبة السوء واستقامتهم على دينهم. وقد تكون المكافأة في معروفٍ تصنعه بإنسان يذكرك به ويدعو لك كلما ورد اسمك على ذاكرته أو تناولت أحاديث الخلق سيرتك. يقول لك: كنا قاعدين أول أمس وجاءت سيرتك. فتقول له: يا رب بخير، يا رب استر. فيقول: لا والله، بخير، جزاك الله خيرًا، فقد كان واحد يقول إنه قابلك من عشر سنين وإنك عملتَ كذا. فتقول له: من هذا؟ فيقول: فلان الفلاني. وأنت لا تذكر ولا تتذكر شيئًا، شيء رميتَه وأنت ماشٍ، وصار لك لسانٌ داعٍ على مدى الدهر.

مطلوب منا شيئان الآن

وفي حديثٍ عن النبي ﷺ، مطلوب منا الآن حالًا شيئان. رقم واحد: أن نقتنع بأن الرزق بالله لا في أيدي الناس. رقم اثنين: أن نصفّي قلوبنا. أتذكرون حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، يقول: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ، قال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»؛ أي سيدخل عليكم الآن واحدٌ من أهل الجنة. فطلع علينا رجل من الأنصار تنطف لحيته ماءً من وضوئه؛ رجل يقطر ماءً، متوضئ، وداخل، قد علّق نعليه في يده الشمال، ماسكًا بهما. متخيلين هذا المشهد؟ فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»، فطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، بالهيئة نفسها، دخل بالشكل نفسه. وفي اليوم الثالث حدث الشيء نفسه. فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص.

مشى عبد الله بن عمرو وراء الرجل، وقال له خلاصة الكلام: إنه وقع بينه وبين أبيه كلام، وإنه سيأخذ إجازة منه، ولا يريد أن يذهب إلى أحد من أهل المعصية، وإنه يحس أن بيتك أمان، وهو يراك تروح إلى المسجد وتجيء، فقال: فما رأيك أن أبقى عندك يومين أو ثلاثة؟ فقال له الأنصاري: تفضل. وقال: انظر أي مكان وضع رأسك فيه على أي وسادة تقابلك. فدخل عنده. تخيلوا الموضوع: سيدنا عبد الله بن عمرو كأنه قاعد مستنيه فقط ليتنفس، فتتبعه طول الليل. يقول: كلما قام من نومه ذكر الله؛ يعني كل ما يتقلب يمينًا وشمالًا. فصاحبنا الرادار عنده شغال! فلا وجدتُه كثير صلاة ولا كثير صيام. يومًا واثنين وثلاثة. فقال له: اسمع، في النهاية أنا ليس عندي مشكلة مع أبي، وإنما سمعتُ النبي عليه الصلاة والسلام يقول كذا، فجئتُ أنظر ماذا تفعل أكثر منا، فلم أجدك تفعل شيئًا، فما هو؟ فقال له الأنصاري: والله ما هو إلا ما رأيتَ. وعلّق المحاضر، فيما يبدو، بأن المرء أحيانًا حين يكون عنده ضيف يخجل أن يزيد من التعبد حتى لا يحرجه، مع احتمال أن يكون الضيف ليس من أهل قيام الليل مثلًا، أو لا يكثر من الدعاء والذكر، فيكون متواضعًا في عبادته مراعاةً لوجود الضيف؛ فالحكاية، كما قال الأنصاري، عبارة عما رأيتَه. قال له هذا الكلام مرتين. ثم قال له: اسمع، والله ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أبيت وفي قلبي شيء على أحد[5].

أتبيت نفسك طيبة؟ كم ليلة تبيت وفي قلبك شيء على زوجتك، أو على زوجك، أو العكس؟ وفي أنفسنا كم من الليالي نبيتها متغاضبين أو متنكّدين؟ هذه المظالم يا إخواننا التي بيننا وبين بعضنا. يا إخواني وأخواتي الكريمات، الحياة أقصر من أن نحمل في نفوسنا على بعض. وأنا ممكن أُزعل زوجتي قليلًا لأني واثق جدًّا أنني لو مُتُّ الليلة ستسامحني. لماذا؟ لأن عندها رصيدًا كبيرًا جدًّا من الخير يساعدها على أن تسامحني. فإن تكررت المضايقات وتوالت الأفعال نفسها فإن الرصيد يُمسح، ويبقى فقط ما أفعله أنا من سوءٍ في القلب. فأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يطهّر قلوبنا.

ومن فعل بك شيئًا سيئًا فهو واحد من اثنين: إما إنسان صالح أخطأ، فجدير بك أن تسامحه، وإما إنسان سيئ متعمد، وأعتقد أنك أكبر من أن تحمل في نفسك على بشر كهؤلاء. فتُلقي إليه ما فعله، وتذهب إلى ربّ العالمين سبحانه وتعالى بالمظلمة كاملة، فتقول: تفضل، هذا الرجل فعل كذا، وأنا مسامحه. فنرجو أن يقال لك: خلاص، أنت كنت تستحق هذا المستوى في الجنة، ونحن أكرم منك، فخذ المستوى الذي فوقه.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ علينا وعليكم ديننا، وأن يبسط لنا ولكم في الأرزاق، وأن يرزقنا حسن اليقين فيما عنده سبحانه وتعالى، وأن يبلغنا مواطن رضاه ومواطن طاعته. سلّم الله لكم ليلتكم وبارك الله تعالى فيكم، وجزاكم الله تعالى خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ختامٌ بحكاية الابتسامة

وقبل أن ينفضّ المجلس، وبمناسبة النصيحة، طلبتُ من شيخنا وأستاذنا الدكتور فيصل أن يحكي حكاية خطبة جمعة ألقاها هو، فيما يبدو، في أحد المساجد، وطلب فيها من الرجال أن يبتسموا إذا رجعوا إلى بيوتهم في وجوه زوجاتهم، وأن يشكروهن على الطعام وعلى ما يفعلنه. فحكى أنه بعد عدة شهور ذهب إلى المسجد نفسه مرة أخرى، فوجد رجلًا في الخمسين يجري إليه ويقول: أنت كدت تقتلنا، كدت تضيّع جوازي، كدت تخرّب بيتي! فقال له: لماذا يا حبيبي؟ قال: ألم تقل لي اذهب وابتسم في وجه زوجتك؟ قال: بلى. قال: ذهبتُ إلى البيت، ففتحت الباب فابتسمتْ زوجتي وقبّلتها، ودخلنا نأكل، فأخذتُ كلما أكلت شيئًا أقول لها: والله ما أكلتُ في حياتي طعامًا مثل هذا. فبعد دقيقتين قامت وقالت لي: نحن متزوجان منذ كم سنة؟ قلت: ثلاثين سنة. قالت: وهل قلتَ لي «شكرًا» في عمرك؟ قال لها: لا. قالت: اليوم كنتُ تعبانة، وجارتنا هي التي جاءت بالأكل، فهي تقول له: المرة الوحيدة التي تشكر فيها الأكل حين تكون جارتنا هي التي عملته! سبحانك اللهم وبحمدك، جزاكم الله تعالى خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

--- [1]: توثيق المحرر: الحديث من رواية جابر رضي الله عنه، رواه ابن حبان والبيهقي وغيرهما. [2]: توثيق المحرر: يشير إلى حديث الخطوط، رواه البخاري. [3]: توثيق المحرر: يشير إلى قوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ ولم يعيّن المتحدث موضعهما. [4]: توثيق المحرر: رواه مسلم، ولفظه: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»؛ وما في المتن لفظ المتحدث، وقد انقطعت الكلمة الأخيرة في التفريغ. [5]: توثيق المحرر: الحديث عن أنس رضي الله عنه، رواه أحمد والنسائي في السنن الكبرى. وفي رواية أحمد أن الرجل قال: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه»، وهو أضبط لفظًا مما ورد في المحاضرة. [6]: توثيق المحرر: وصفُ المقاول بأنه صربي ممن يقتلون المسلمين في البوسنة من كلام الدكتور فيصل كما سُمع في التفريغ، وكان قد سقط من الصياغة الأولى؛ وهو وصف لشخص بعينه عند راويه ولا يُراد به الطعن في أمة، ومقصوده العجب من أن الرزق جاء على يدي من لم يُتوقع. والعبارة قريبة من ضجيج في التسجيل فتُراجع بالصوت. [7]: توثيق المحرر: الكهف: ٦. ولم يعيّن المحاضر موضع الآية. [8]: توثيق المحرر: التحريم: ٦. نطق المحاضر الآية إلى «ويفعلون»، وتمامها: ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ولم يعيّن موضعها. [9]: توثيق المحرر: القصص: ٧٦، وأولها: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ…﴾. نُقل في التفريغ «فبغى عليه» وهو سماع مضطرب، والمصحف «عليهم». ولم يعيّن المحاضر الموضع. [10]: توثيق المحرر: القصص: ٧٨. ولم يعيّن المحاضر الموضع. [11]: توثيق المحرر: الذاريات: ٥٨. ولم يعيّن المتحدث الموضع. [12]: توثيق المحرر: البقرة: ٤. وفي التفريغ نطق المتحدث «والذين هم بالآخرة يوقنون»، وأُثبت رسم الآية كما في المصحف. ولم يعيّن الموضع. [13]: توثيق المحرر: الذاريات: ٢٢. وفي التفريغ «وما تعدون»، والمصحف «توعدون». ولم يعيّن المحاضر الموضع. [14]: توثيق المحرر: البقرة: ٢٨٥. ولم يعيّن المحاضر الموضع.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque