نذكر فضل الناس بعد فقدهم، ونرمق الجنة
خاطرة الفجر | 3 أغسطس 2025
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٣ أغسطس ٢٠٢٥م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كنا بالأمس نتحدث عن قضية إرضاء الناس، وكيف أن المسلم هدفه وهمُّه إرضاء الله تبارك وتعالى، وأن الناس تتقلب قلوبهم كما تتقلب أبصارهم، ويرون المرء على أحوال مختلفة كما يرون الليل والنهار في بياضهم وسوادهم.
نذكر فضل الناس بعد فقدهم
وامتدادًا لهذا الكلام: الناس يموتون. ومن عقل وأدرك أنه غدًا ربما لا يكون موجودًا حرص على أن يُبقي وراءه سيرة طيبة. والسيرة الطيبة تستوجب منك أن تكون صابرًا دائمًا، محتسبًا أبدًا.
ومن الأشياء الغريبة جدًّا أننا لا نُقِرّ بفضل بعضنا لبعض إلا بعد أن نفقد بعضنا. فدائمًا دائمًا ترى الناس يقولون: والله كان رجلًا طيبًا. لكن نادرًا ما تجدهم يقولون إنه رجل طيب وهو حيّ، فإذا مات تذكّروا خيره ومآثره وفضائله وحسناته، وتحسّروا على موته. كان في وسطكم يا بشر، كان موجودًا، وكان ممكنًا أن نستفيد من هذا الخير.
وهذه سمة نراها حتى في قضية العلم أثناء حياتنا، سبحان الله القدير: ترى الرجل يجيد الحديث، وينطلق لسانه، ويتكلم بالحق، ولا يُقرّ الناس له، فإذا مات حرصوا على جمع تراثه وتأليف كتبه ونظم مذكراته. سبحان الله! كان بينكم، لو طرقتم بابه وسألتم لأفاض عليكم بمزيد من الخير، كان لا يزال على قيد الحياة. أما الآن وقد مات فلن تحصلوا منه إلا على ما ترك.
إذا أردتَ أن تثأر لنفسك
والشاهد أن من أراد أن يثأر لذاته فليعلم ما يلي. إذا أغاظتك تصرفات الناس وأردتَ أن تثأر لنفسك، فانتبه إلى أمرين.
الأول: اعلم أنك في حال الثأر لذاتك في أضعف أحوالك. فابن آدم حين ينفعل ويغضب لذاته ويثأر لنفسه فهو في حالة من حالات ضعفه. الإنسان القوي دائمًا مالكٌ لنفسه، قادر على كبح جماح كلماته، لا ينطق لسانه إلا بما يرضي الله تبارك وتعالى. فإذا انفعل الإنسان على هذا النحو خرج عن إطار السيطرة، وعن الضبط الذهني والعقلي واللفظي، وبدلًا من أن يكون في الأعلى سيكون في الأدنى، لن يتحكم في نفسه، فيُمسك عليه الناس أخطاءً لم تكن فيه أصلًا.
الأمر الآخر: من أراد أن يثأر لنفسه فليتصوّر حاله قائمًا، وليتصوّر حاله تحت التراب. أنا الآن حين أغضب وأتكلم معك وأثأر لذاتي أنا واقف على قدميّ، أملك صوتي، وأملك عافيتي، وأملك فكري، أتكلم وأتصرف. لكن في يوم من الأيام سأكون تحت التراب. فلأيّ الحالتين أريد أن أثأر: للحالة المؤقتة أم للحالة الدائمة؟ أتثأر لنفسك وأنت على قيد الحياة تقف أيامًا معدودة، والله تعالى أعلم، ثم نكون تحت التراب سويًّا؟ أم تحرص على مستقبل ذاتك حين تكون في ذلك الحال؟
هل نتنازل عن حقوقنا دائمًا؟
طيب، هل مطلوب منا أن نتنازل عن حقوقنا دائمًا؟ المسألة هنا نسبية وليست على الإطلاق. كل ما كان في إطار العفو والاحتساب فهو مطلوب محبوب. أما ما كان على سبيل تمكين الآخرين من ذاتك وهيمنتهم عليك فهو استغفال لنفسك. وهنا تتفاوت المسائل: فإن كان الذي يفعل ذلك أبي أو أمي، فكيف الحال؟ وإن كان الذي يفعل ذلك أخي أو أختي، فكيف الحال؟ أما إذا كان إنسانًا يريد أن يتمكّن منك وليس له سلطان عليك، فتريد أن تثبت ذاتك.
ولكن لا يغيب عن أذهاننا أن ربَّ العزة سبحانه وتعالى قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[1]، وهذا هو القانون العام في كل موطن. يستطيع الإنسان أن يكون ذليلًا بين يدي إخوانه، ولا بأس بذلك.
نبكي على دراهم معدودة
أرى الناس يتشاجرون وترتفع أصواتهم وتعلو نبراتهم، يغضبون، وربما تبدأ الأيدي تتحرك استعدادًا للقتال، على كلام فارغ، كلام تافه، ونتكلم على أموال وأرقام تافهة بسيطة، وبيننا رحم، أو بيننا دم، أو بيننا إيمان، أو بيننا دين. لا نبكي على هذا كله، ونبكي على دراهم معدودة تذهب أو تأتي، تكون أو لا تكون! هناك خلل في منظومة التفكير وترتيب الأولويات.
نرمق الجنة
على كل الأحوال، مرة أخرى: نريد أن نرمق بأعيننا السماء، وأن ننظر إلى الجنة وكيف تتهيأ. والله الذي لا إله غيره، تخيّل أنك جائع جدًّا جدًّا، وهو ما يقال بالعامية المصرية «ميت من الجوع»، وهناك مائدة عظيمة حافلة بالخيرات مليئة بكل ما تشتهيه الأنفس، وعلى بعد خطوات منها إذا بواحد يشدّ قدمك، أو يشدّ جلبابك. فهل تراك تنصرف إلى ذلك التافه الذي يريد أن يعطّلك عن الذهاب إلى مائدتك؟ نحن نرمق الجنة، فليس لدينا وقت.
وأقول هذا الكلام لنفسي قبل أي أحد، أعظ نفسي أولًا. والله نحن نرمق الجنة، والعاقل الذي يرمق الجنة ليس لديه وقت لأن يلتفت إلى سفاهات الخلق، ولا إلى تفاهتهم، ولا إلى قلة عقولهم. الذي يرمق الجنة لا يُبصر إلا الجنة، ويفعل كل ما يستطيع، ويتنازل عن أي شيء في محاولة للحصول على هذه المكانة العظيمة في جنات ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.
أسأل الله العلي القدير أن يُبصّرنا بعيوبنا، وأن يحفظ علينا عافية الأبصار والبصائر.
--- [1]: توثيق المحرر: من سورة المائدة (٥٤)؛ اقتصر المتحدث على هذا الشطر من الآية، فلم تُتمَّم في المتن.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.