A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

الليالي العشر وما أدراك

ما كان يصنعه النبي ﷺ في العشر الأواخر، وكيف نصنع مثله ونحن في بيوتنا

Dr. Ahmed Abouseif•١٨ يوليو ٢٠٢٤•14 min de lectura
المناسبة: تفريغ محاضرة أُلقيت في شهر رمضان 1441هـ، بتاريخ 12 مايو 2020مالمصدر: تفريغ محاضرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

الحمد لله الذي تتمّ بنعمته الصالحات، وصلاةً وسلامًا على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. حيّاكم الله ورضي عنكم، وأهلًا بكم في هذه الليلة المباركة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يبلّغنا وإياكم مواطن رضاه، وأن يحفظ علينا وعليكم العافية والسلامة والأمن والطمأنينة والرحمة.

مرحلةٌ زمنية خاصة

هذه الليالي العشر من رمضان تبدأ غدًا، وهو اليوم العشرون. وقد جاءت بعض الروايات بأن النبي ﷺ كان يدخل معتكفه ليلة العشرين، وبعضها بأنه كان يدخله ليلة الحادي والعشرين. وأيًّا كان الأمر، فإذا دخلنا هذه العشر فقد بدأنا مرحلةً من مراحل العبادة، وبالوجه المطلوب لها. ونحن نتحدث عن مرحلة زمنية خاصة جدًّا في حياة النبي محمد ﷺ؛ فالسنة كلها على قدر معين، وهذه الليالي على قدر آخر.

ولماذا يخصّ الله عبادَه بمواسم؟ جواب ذلك أن الله تعالى يعامل الإنسان بما يحب الإنسان أن يُعامل به. فالإنسان خُلق عجولًا، وخُلق هلوعًا أيضًا.[1] يتعجّل الثواب بين الحين والآخر، فإذا أحسّ ببطء النتائج كسل أو وقع في وسط الطريق. وأنا لا أدري أهذا قاسم مشترك بين الخلق كلهم أم هو في بعض الناس دون بعض، لكنه على وجه العموم حال الإنسان. فإذا لم يشعر الإنسان بأرباح تتعاقب عليه بسرعة، بطؤت نفسه أو كسلت عن الطريق. فأعطانا الله هذه العشر الأواخر، وفيها ليلة القدر، يوفّي الله الناسَ فيها أجرهم بغير حساب.[2] سبحان من يعطي كل هذه المواهب!

«أحيا ليله»

ماذا كان رسول الله ﷺ يفعل إذا جاءت العشر الأواخر؟ تحدّثنا عن ذلك أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله.[3] ولنقف عند كلمة «أحيا ليله»: هل كان ليل النبي ﷺ ميتًا حتى يُحيى؟ الليالي كلها حيّة بطبيعة الحال. والشاهد أن ليلًا بلا ذكر ليلٌ ميت، وأن ليلًا مملوءًا بالذكر ليلٌ حي. فمن ذا الذي يريد أن يحيا حياةً ميتة؟

تخيّلوا إنسانًا منبسطًا رائق المزاج، جلس إلى زوجته وهي متنكّدة متضايقة، فكلما حاول أن يحدّثها ضاقت به. أيحصل الوئام في تلك اللحظة؟ أو لنقل مثلًا آخر: إنسان عنده قدرة عالية على السير والانطلاق، لكن الأرض من تحته على حال لا يضع معها قدمه إلا ويقع.[12] فكيف يتوائم هذان الطرفان دون قاسم مشترك بينهما؟ إن الإنسان الحي لا بدّ أن يحيا حياةً حيّة في ذاتها، فإذا كان الوقت ميتًا لم يستطع، مهما كانت حياته، أن يتجاوب مع الزمن. ولذلك نجد بعض الناس يشعرون دائمًا باليأس والإحباط والكبت. لماذا؟ لأن في نفوسهم طاقةً كبيرة جدًّا لا يجدون ما يفرغونها فيه.

وكان النبي ﷺ إذا جاءت العشر الأواخر يحيي ليله. وحين نتحدث عن العشر التي يُحيي النبي ﷺ ليلها فإننا نتحدث عن منهج في حياته عاشه على طول الزمن. ففي بدايات الدعوة يقول رب العزة للنبي ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.[7] ونضيف آية أخرى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.[8]

ثم يأتي الكلام على مستوى عموم المسلمين، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ۝ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۝ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ۝ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾.[9] هذه الآيات من سورة الذاريات يصف الله بها عباده المؤمنين، ويذكر أن هؤلاء كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وذلك قبل أن يتكلم عن الإنفاق.

وقد يقول قائل: وما الإنفاق؟ أليس داخلًا في قضية الإحسان؟ فلنراجع من أول الآيات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ﴾، أي أنهم كانوا يُخرجون المال؟ مهلًا، فالإحسان أنواع. هناك إحسان بالإنفاق، وهناك إحسان بالبذل العام، ومن جملة البذل العام أنهم لم يدّخروا أزمانهم لأنفسهم. انتبه: لم يدّخروا أوقاتهم لأنفسهم، وإنما جعلوا أوقاتهم لله سبحانه وتعالى. ومن خير ما يُبذل لله تبارك وتعالى أن يتعبّد العبد له بصنوف العبادة التي أمره بها، بحسب طاقته وقدرته. فما المطلوب في الليل؟ قيام الليل. وكان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله.

لماذا الليل؟

ولماذا نحيي الليل؟ لأنه موطن السكون الذي يخلو فيه العبد بربه. وقد يقول لي أحدكم: يا شيخنا، نحن الآن، والحمد لله، أيامنا كلها سكون، والليل كالنهار، ولا نعرف أي يوم هذا أصلًا، لأننا لا نستطيع أن نخرج ولا نذهب ولا نجيء. الدنيا محبوسة مغلقة، وفي بعض البلدان حظر كامل وفي بعضها جزئي، والأحوال مغلقة بطبيعة الحال. فأقول: خصّ الله تعالى الليلَ زمانيًّا … مع طبيعة الجسد؛[11] فالجسد يحب أن يخلد إلى النوم في ليله، والإنسان يأخذ جسده من فراشه ليقيمه بين يدي الله تبارك وتعالى، وهذه في ذاتها عبادة خاصة لرب العالمين سبحانه جلّ في علاه. ولذلك فإن للمسألة منزلةً خاصة عند الله.

وكيف نقيم الليل؟ يكفيك أن تصلي التراويح. وإن استطعت أن تزيد قليلًا فازدد، فهذه أيام خاصة. ولماذا خُصّت هذه الأيام؟ لأن فيها ليلة القدر.

متى ليلة القدر؟

فمتى تكون؟ الليالي المحتملة هي ليلة الحادية والعشرين، والثالثة والعشرين، والخامسة والعشرين، والسابعة والعشرين، والتاسعة والعشرين، كما أخبر النبي ﷺ: التمسوها في العشر الأواخر، في الوتر منها.[13] لكن عندي رواية أخرى تقول: التمسوها في العشر الأواخر، فتكون المسألة محتملة في العشر كلها؛ وإذا أردنا مزيدًا من التفصيل فالاحتمال أكبر في الليالي الوترية. فإن كان الاحتمال أكبر فيها، فقد تكون ليلة السابعة والعشرين أو الثالثة والعشرين أو الخامسة والعشرين أو الحادية والعشرين، بحسب اختلاف الروايات.

ثم عندي سؤال مهم جدًّا. عندي حديث آخر يقول: التمسوها لعشرٍ بقين من رمضان. صلّوا على النبي محمد عليه الصلاة والسلام. فإذا جاء رمضان ثلاثين يومًا، كانت العشر الباقية هي ليلة الحادية والعشرين والثانية والعشرين والثالثة والعشرين إلى آخر الشهر. فلو جاء رمضان تسعة وعشرين يومًا، لم تعد الليالي الوترية هي نفسها، وصارت ليلة العشرين وليلة الثانية والعشرين والرابعة والعشرين والسادسة والعشرين والثامنة والعشرين. فلو حسبنا من الآخر وجدنا الميزان يتخلخل معنا ويتبدّل.

فكأن النبي ﷺ يضع أمامنا هذه النصوص، لا لتخلط على الناس، أستغفر الله، وإنما لتضع أمامهم الخيارات، الأوبشنز كما يقولون، حتى نستوعب الزمان كله. وبالله عليك، لو كنتَ جالسًا تنتظر شخصًا مهمًّا جدًّا جدًّا، وقيل لك إنه سيأتي من الساعة الثالثة إلى الثالثة والنصف، فهل تجلس تنتظره في وقت معين وتترك الباقي؟ لو كان مهمًّا جدًّا ألا تذهب مبكّرًا قليلًا، تحسّبًا لأن يجيء قبل موعده أو يحدث تغيير في المواعيد؟ فنبقى منتظرين، لأن الأمر لا يحتمل التأخير. فتخيّلوا واحدًا ينتظر العشر الأواخر من رمضان من أجل ليلة القدر: أتحصل في ليلة العشرين أم الحادية والعشرين أم الثانية والعشرين أم الثالثة أم الرابعة أم الخامسة أم السادسة أم السابعة أم الثامنة أم التاسعة؟ ما القصة؟ وما المشكلة في أن نعبد الله سبحانه وتعالى في الليالي كلها؟ وما القضية في أن نفرغ من الاستماع إلى هذا اللقاء الآن ونبدأ عبادةً متواصلة مع رب العالمين؟

وانوِ أنك تبذل ما تستطيع، ثم نَم لتقدر على إكمال عملك في اليوم التالي، والله سبحانه وتعالى سيعطيك ثواب ما تفعل.[14] فلا نظنّنّ أننا نتعامل مع الله بالدرهم والدينار؛ إنما نتعامل مع المحسن سبحانه جلّ في علاه. ولذلك المطلوب من العبد أن يجتهد بقدر ما يستطيع.

شدّ المئزر وإيقاظ الأهل

والقطعة الثانية التي ترويها لنا السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله، وشدّ مئزره، وأيقظ أهله. فما معنى شدّ المئزر؟ معناه ربط ثيابه ربطًا جيدًا كأنها لن تنحل معه. كمن يستعد لمهمة فيشدّ على الروابط ويتأكد أن كل شيء مضبوط ليبدأ رحلةً شاقة من العمل. فالعامل قبل أن ينزل إلى مكان عمله يربط حذاءه، أعزّكم الله، ربطًا جيدًا، ويلبس القفازات ويتفقد عدّته، ويأخذ أُهبة الاستعداد لهذا العمل. وقد يختلف اللباس باختلاف العمل. فالطبيب إذا دخل غرفة العمليات أو مرّ على مرضاه لبس معطفه وقفازاته، ووضع على رأسه ما يمنع الشعر من النزول، ثم دخل ينظر في مرضاه. أما من ينزل إلى عمل أو يصعد إلى السطح ليصلح شيئًا، فالأمر مختلف حتى في اللباس. فإذا كان يُحتمل أن يقع تساهل في ليالي رمضان العادية، فإن ليالي العشر الأواخر أشدّ توكيدًا: شدّ مئزره.

وأيقظ أهله، لماذا؟ لأن العبادة الجماعية أعون للعبد من العبادة الفردية. افهموا هذا الكلام: حين تصلي أنت وزوجتك وأولادك، يكون ذلك أيسر عليك من أن تصلي وحدك، أو أن يصلي كل واحد في ناحية غير ناحية الآخر. ومشكلتنا في بيوتنا أننا لا نعرف كيف نجتمع لنصلي جيدًا مع بعضنا، لأننا نتحرّج أحيانًا. فأنا أخجل من أولادي، لا أريد أن أبدو صغيرًا أمامهم لأنني لا أحسن القراءة. أو هي تحس أنها ستقعد وهي تصلي، أو ستقف، أو ستصلي بسرعة شديدة وتمضي. فالناس يستحيون من بعضهم. فلنجتمع، لو سمحتم، في مكان واحد لنصلي أحسن، ومهما كان الخطأ الصادر منا أو التقصير فإننا إذا كنا معًا أعان بعضنا بعضًا على القيام لله سبحانه وتعالى.

ولا بدّ أن نفهم جيدًا أن أمامنا غُنمًا كبيرًا جدًّا جدًّا في الدنيا والآخرة. فلو تخيّلنا أنه ليس في ليلة القدر إلا أنك إذا دعوت الله أجابك، لكفى. وكل واحد منا عنده دعواته وأمنياته الخاصة التي يريد أن يحققها. وأنا أعرف أن غيرنا يصنعون ما يسمونه «صندوق الأمنيات» في رأس السنة، يكتبون فيه ما يريدون تحقيقه. أما أنا فلا أريد أن أضع الورق فيراه أحد، أريد أن أضع أمنيتي عند ربنا، في مكان عندي هو أولًا مقدّس وثانيًا مخفيّ جدًّا لا يقدر أحد على أن يراه. فما رأيك أن تضع أمنياتك عند ربنا في توقيت معين، في عمق الليل، في ليالي العشر الأواخر من رمضان؟ نجتهد ونبذل ما نستطيع لرب العالمين سبحانه وتعالى.

الاعتكاف والمساجد مغلقة

ومن المسائل المهمة جدًّا في العشر الأواخر قضية الاعتكاف. وهو المكث في المسجد، البقاء فيه مدة من الزمن. ومشايخنا وعلماؤنا حين يتكلمون عن الاعتكاف يتكلمون عن ليل ونهار موصولين ببعض حتى تنتهي العشر الأواخر، ثم نخرج من المعتكف يوم العيد أو ليلة العيد. وهذه السنة ليس في الدنيا كلها تقريبًا مسجد مفتوح إلا ما ندر، عدد قليل جدًّا من المساجد على مستوى العالم، وربما ذهب أحدهم يصلي فيه العشاء والتراويح.

فهل يمكن أن نعتكف في البيت يا مولانا؟ والجواب أن كل موطن تحصل فيه الخلوة الحقيقية مع الله سبحانه وتعالى فقد يُعدّ صاحبه معتكفًا إذا تعذّر علينا الذهاب إلى المساجد.[4] وطبعًا قد يقول لي أحدكم: من أين جئتَ بهذه الفتوى؟ أقول: جئت بها من أن رحمة الله تعالى واسعة، وأن العباد معذورون فيما يفعلون، وجئت بها أيضًا من كلامنا السابق حين تكلمنا عن نسائنا وأخواتنا: هل يمكن أن يعتكفن في البيوت أم لا؟ وقلنا: لو كان عندنا مصلّى صغير في البيت لأمكن للأخت أن تعتكف فيه عددًا من الساعات أو عددًا من الدقائق بحسب الوقت المبذول لذلك. فأنا أتحدث عن اجتهاد بسيط تفرضه هذه المرحلة التي نحن فيها، إذ نحن في البيوت الآن، وليس بين أيدينا ما نملكه لنخرج فنكون معتكفين في المساجد. فيمكننا أن نعتكف في البيت ولو بنسبة يسيرة جدًّا.

عطاء من لا يخشى الفقر

والأمر الآخر أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر يكون أجود من الريح المرسلة،[5] أي سخيًّا جدًّا كريمًا جدًّا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

ولعل أحدًا يسأل: وهل الجامع محتاج إلى مال الآن؟ نعم، الجوامع محتاجة إلى المال، على الأقل لتستطيع أن تواصل الأنشطة التي تعمل بها، وعلى الأقل لتحتفظ بالعاملين الذين يعملون فيها، وعلى الأقل لتحتفظ بالقدر نفسه أو أقل أو أكثر من المساعدات التي تقدمها إلى الناس حولها، وعلى الأقل لتقدر على أن تقدّم نسبة الدعوة الموجودة، سواء أكانت دعوة افتراضية، أم استقبال الناس لحل مشاكلهم، أم محاولات المعاونة في المجتمع بما نستطيع. ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، لكن على أقل تقدير… (وتنقطع العبارة في التفريغ).

وكيف يكون السخاء؟ أن ينفق المرء أو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. فهل نحن فعلًا نخاف الفقر؟ وهذا سؤال أوجهه لنفسي قبل أي أحد: هل نحن فعلًا خائفون من الفقر؟ وإن كنا خائفين فلماذا؟ هل نحن فعلًا موقنون بما عند الله سبحانه وتعالى؟ هل لا تزال فينا نسبة الإيمان برب العزة كما ينبغي أن تكون؟ أم أن عندنا شكًّا أصلًا في أن الله تعالى هو الرزّاق ذو القوة المتين؟ أعندنا شك في أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسبّب الأسباب لا نحن؟ فإذا كنت مؤمنًا حقًّا فأخرج ما في يدك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.[6] والآيات تتكلم عمومًا في قضية الرزق، وأنه كله بيد الله تبارك وتعالى، وأنه ليس لأحد على أحد يدٌ مطلقًا. فهل الذي يمنعك من الإنفاق والتصدق لبيت الله تبارك وتعالى، أو للمحتاجين، أو لذوي الاحتياجات الخاصة، أو لغيرهم، هو خوفك من الفقر حقًّا؟ أم أنك تخاف الله تعالى أكثر مما تخاف الفقر؟ فالخوف من الله عز وجل يبلغ بك كل المنازل: يعطيك الغنى، ويمنحك الرضا، ويلهمك الاستقرار، ويريح نفسك، ويطمئن بالك، ويهدّئ من روعك، ويجمع شملك على من حولك، ويطيّب خاطر من حولك، إلى آخره. سبحان من يقبل الصدقة عن عباده، سبحان من يأخذ الصدقة عن عباده ويقبل أعمال الصالحين، سبحان الله القديم!

ما تعلّمناه، وما بقي من الفرصة

فكان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر يجتهد في عبادته ما لا يجتهد في غيرها: يشدّ مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، ويعطي، ويعتكف في المسجد، واتفقنا على أننا نستطيع أن نصنع ذلك في البيوت بقدر ما نستطيع، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر. كانت تلك بعض تعاليم النبي ﷺ في ليالي رمضان العشر.

ونحتاج أن نتذكر معًا مرة أخرى أن الله تبارك وتعالى اختبرنا بهذه المنح العظيمة في ليالي رمضان، فمن منا مستجيب ومن منا غير مستجيب؟ هذا هو السؤال مرة ثانية. الأعمال على قدر الهمم، والفرص لا تتأتى كثيرًا، ولربما لا ندرك رمضان العام القادم. ونحن نرى الآن أن الحياة ليست كما نتصورها، وإنما هي حسبما يرسمها رب العالمين سبحانه وتعالى. ما كان أحد يتصور أبدًا أن يأتي رمضان والمساجد مغلقة. ما كان أحد يتصور أبدًا أنه لا يستطيع أن يسلّم على صاحبه إذا لقيه في الطريق. ما كان أحد يتصور مطلقًا أننا سنبقى محبوسين في البيوت كل هذه المدة الزمنية. الحياة تبدّلت بشكلها ومضمونها. فلو أردنا أن ننجو من كل هذا، فعلينا فعلًا أن نضع أرصدتنا بين يدي الله تعالى بقدر ما نستطيع.

أسأل الله العلي القدير أن يرفع عنا الكرب والغم والحزن. اللهم إني داعٍ فأمّنوا. اللهم صلّ على نبينا محمد في الأولين والآخرين، وصلّ اللهم عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وصلّ اللهم عليه يوم يقوم الناس لرب العالمين. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا برحمتك شرّ ما قضيت، إنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد ولك الشكر على ما أنعمت علينا به وأوليت. اللهم يا واصل المنقطعين صلنا إليك. اللهم هب لنا من لدنك عملًا صالحًا يقرّبنا إليك. اللهم لا تخزنا يوم العرض عليك، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وبارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار. اللهم اصرف عنا عذابك يا رحمن، اللهم ارفع عنا مقتك وغضبك يا منّان، اللهم اصرف عنا الأذى وأسبابه يا رب العالمين، واهدنا وارضنا واجبر خواطرنا وارحم ضعفنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارضَ عنا، يا الله يا الله. اللهم تقبّل منا صيامنا وصلاتنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا، تقبّل منا أعمالنا ولا تردّها علينا يا رب العالمين. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين فضلًا منك ونعمة يا رب العالمين. اللهم بلّغنا ليلة القدر، يا الله لا تحرمنا خيرها ولا تكتبنا فيها من الغافلين، وارضنا وارضَ عنا، وتجاوز عن سيئاتنا وخطايانا، وكفّر عنا يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. دمتم في خير وبركة من الله تعالى، ونلقاكم في غدنا إن شاء الله. والسلام عليكم.

--- [1]: توثيق المحرر: نطق المحاضر بالعبارتين («خُلق الإنسان عجولًا»، «وخلق هلوعًا») دون عزو. وقد ورد في القرآن ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] و﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]. [2]: توثيق المحرر: عبارة «يوفّي الله الناس أجرهم بغير حساب» من كلام المحاضر في وصف ليلة القدر، ولم يعزُها إلى نص؛ والمعروف في القرآن أن ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] في الصابرين. [3]: توثيق المحرر: الحديث في الصحيحين من رواية عائشة رضي الله عنها بلفظ «أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ المئزر»، ولم يعزه المحاضر. [4]: توثيق المحرر: عامة أهل العلم على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، فما ذكره المحاضر اجتهاد منه في ظرف الجائحة، وقد قدّمه بسعة الرحمة وعذر العباد. [5]: توثيق المحرر: حديث جوده ﷺ بالريح المرسلة في الصحيحين من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه ذكر رمضان عمومًا، وقد ربطه المحاضر بالعشر الأواخر. [6]: توثيق المحرر: تلا المحاضر هذه الآية من «عسى الله…» شاهدًا على قضية الرزق عمومًا ولم يذكر موضعها؛ وهي في سورة المائدة: 52 وأولها «فَعَسَى اللَّهُ…»، وسياقها في الحديث عن المنافقين. [7]: توثيق المحرر: سورة المزمل: 1-2؛ لم يذكر المحاضر موضعها. [8]: توثيق المحرر: سورة الإسراء: 79؛ لم يذكر المحاضر موضعها. [9]: توثيق المحرر: ذكر المحاضر أنها من سورة الذاريات دون أرقام الآيات، وهي الآيات 15-20. [11]: توثيق المحرر: في التفريغ كلمة غير واضحة قبل «مع طبيعة الجسد»؛ ولم يُجزم بمعناها، والمفهوم من السياق أن المحاضر يقابل بين ميل الجسد إلى النوم ليلًا وبين قيام العبد. [12]: توثيق المحرر: العبارة في التفريغ «الأرض سخرية» ولم يتضح المقصود منها، فصيغ المعنى العام فقط. [13]: توثيق المحرر: لفظ التفريغ: «التمسوها في العشر الوتر الأواخر من رمضان»، ولعله جمع بين روايتي «في العشر الأواخر» و«في الوتر». [14]: توثيق المحرر: العبارة مشوشة في التفريغ («والناس اللي عندها ش… انوي أنك بتبذل ما تستطيع ونام علشان تقدر تكمل شغلك»)؛ وقد أُثبت منها ما يتضح.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque