A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ

في موسم الحج: كيف نقطع ما مضى من حياتنا ونبدأ زمنًا جديدًا مع الله

Dr. Ahmed Abouseif•٣٠ مايو ٢٠٢٥•6 min de lectura
المناسبة: خلاصة خطبة جمعة أُلقيت في Albuquerque I. C. بتاريخ 30 مايو 2025مالمصدر: تفريغ خطبة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

كلمة غريبة وقف عندها أهل اللغة أنفسهم حين مرّت بهم في القرآن: «التَّفَث». ما هو؟ وماذا يريد الله من الحاجّ أن يفعل به؟ وما شأننا نحن، ونحن في بيوتنا بعيدون عن مكة، بآية في سورة الحج؟

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ونبيه ورسوله ﷺ. أما بعد،

بيت من بيوت الله في موسم مبارك

هنيئًا لنا أن بلّغنا الله مكانًا شريفًا يُشهد له فيه بالوحدانية وتُقام فيه الشعائر، وزمنًا بارك فيه ربنا وأقسم به فقال: ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 1-4].[1] وفي موسم الحج يحسن بالمسلم أن يقرأ المواضع التي تحدّث فيها القرآن عن الحج، وفي القرآن سورة عظيمة اسمها «الحج»، فهي أولى السور بأن تُقرأ وتُتأمَّل معانيها. ومن الجمل التي تستوقف القارئ فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].

ما التَّفَث؟

التفث هو الأوساخ التي تعلق بالبدن. ومتى تعلق بالحاجّ؟ حين ينطلق إلى عرفات، ثم يرجع إلى مزدلفة فيبيت فيها، فراشه أرضها ولحافه سماؤها. لا تمايز هناك بين الناس: لا منصب يُعترف به، ولا مكانة مالية ولا علمية؛ بشر على الأرض وحدها. وفي مثل هذه اللحظة يأتي الأمر: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، أي ليتطهّروا وليخرجوا مما علق بهم من غبار الأرض.

وغبار الأرض عندنا ليس عارًا ولا نستحي به. يُروى أن رجلًا استحيا أن يمدّ يده إلى النبي ﷺ ليسلّم عليه لخشونتها من العمل، فقبض النبي ﷺ على يده وقال: «هذه يد يحبها الله ورسوله».[2] فالتفث الذي يريد القرآن أن يُقضى ليس هذا الأثر الذي يخلّفه الكدّ والعمل.

رسالة إلى القلب

إذن ما المقصود؟ هنا يلتفت أهل العلم إلى أن العبارة في القرآن تعبّر عن أمر ظاهر وتريد ما وراءه. خذ الوضوء مثلًا: لماذا نتوضأ؟ الجواب البسيط أننا نزيل الأذى عن أعضاء الوضوء. لكننا في بيوتنا وأماكن أعمالنا لا نتعرّض للوسخ في الغالب، فأيدينا نظيفة في الأصل، وأجسامنا مغطاة بثيابنا. فما الحكمة؟ العبرة ليست بغسل الظاهر بقدر ما هي رسالة إلى القلب أن يتطهّر، وإلى النفس أن تتزكّى، وإلى العقل أن يصفو.

وكذلك ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: إشارة إلى تطهّر كامل من كل ما علق بالأبدان والسمعة والسيرة والنفوس والقلوب والعقول. إنها لحظة فاصلة بين زمن مضى وزمن يأتي.

الحاجّ وذاكرة التوحيد

وما غاية الحجيج الكبرى حين يتركون أهلهم وأوطانهم وراءهم؟ أن يطوفوا بالبيت العتيق، فيسترجعوا ذكرى إبراهيم وإسماعيل وهاجر، ويستحضروا جهاد أهل الإسلام منذ نشأ الإسلام إلى مقامنا هذا. يستحضرون المناضلة العظيمة التي بذلها أهل التوحيد منذ كان أبو جهل يتحدى الإسلام وأهله، وكان الوليد بن المغيرة وأمثاله حجر عثرة وسدًّا أمام دعوة الله. ويستحضرون البذل عند أبي بكر، وهمّة خالد رضي الله عنهما، ويستحضرون مسير النبي ﷺ وسعيه، ومواطن صلاته، وخروجه لقضاء حوائج الناس. إنه إسلام مرّ عبر الأزمان، وقدّر الله لنا أن نرث ما خلّفه.

ويطرح الخطيب سؤالًا على هامش الحديث: أين نحن من هذا الإرث الذي ينبغي أن يكون في قلوبنا وعقولنا؟

من تاريخ مضى إلى مستقبل جديد

﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي ليتحوّلوا من تاريخ مضى إلى مستقبل جديد. وقريب من كل واحد منا ماضٍ يحتاج إلى مراجعة: هجرٌ لأخٍ أو أخت، وعصيانٌ لأم، وعقوقٌ لأب، وسوء أدب مع الكبير، وإهمال لأهل الخبرة، وحقوقٌ للناس أخذناها من غير حق، ومحرّمٌ تناولناه. أو زمن كنا فيه شحيحين بالمال، متثاقلين عن الطاعة، ممتنعين عن المساجد، معرضين عن الأذان، مصاحبين لرفقة سوء.

والمطلوب لحظة فارقة ينصرف فيها العقل إلى جهة واحدة: التفكر في الله، واستحضار مراقبته للقلب والعقل والوجدان، والإقرار بأن للخلق عندي حقوقًا لا بد أن تُردّ، ويُلتمس معها عفوهم التماسًا لعفو الخالق. وبعدها يتحوّل المسار إلى طاعة متواصلة، ومعرفة بحق الله، وأنس بأهل الطاعة، وتردّد على المساجد. هذا الفصل لا يتحقق إلا إذا تحولت نيّة القلب من داخله، فهجر تلك الدنيا ونظر إلى الآخرة والمستقر الأعظم.

ثم انظروا من حولكم: ما بقي من الدنيا إلا القليل، إن بقي. وقد رأينا الموت يتبدّى أمام أعيننا لا يميّز بين كبير وصغير، ولا عظيم وحقير، ولا قوي وضعيف، ولا صحيح وسقيم؛ يلحق بالناس أينما كانوا.

فلنتشبّه بالحجيج

أفلا يليق بنا، إن لم نحسن أن نلبس الإحرام هنا، أن نتخلّق بأخلاقهم؟ وألا نبتعد عن الغاية العظيمة من حياتنا: القرب من ربنا والتماس رحمته، رحمةً بنفوس كلّت من معاناة الحياة، وقلوب اضطربت من كثرة المعاناة مع الخلق وشدائد التعامل مع الناس، وعقول حارت كيف تُدار الدنيا؟ ليكن بين أيدينا لحظة نقول فيها: يا رب، لنقضِ تفثنا، ولنُسقِط عن كواهلنا آثار ما كان من معصية.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

من يبلّغ الإسلام لمن بعدنا؟

قد بلّغكم الله الإسلام، وقنّعكم بأوامره ونواهيه، وتلك نعمة تستلزم حمدًا. وبقي السؤال: هل ستكونون أداةً ووسيلةً من وسائل بلاغ الإسلام لمن بعدنا، أم سيتوقف الإسلام عندك؟ سنُسأل بين يدي الله عن جيل يخرج بين أيدينا لا علم له بكتاب ولا درايةَ له بسنة، ولا معرفة له بأصول ولا اطلاع له على عقيدة؛ لا يعرف من شرع الله إلا كلمة الشهادة، فإذا سألته عن اسمه قال: محمد، وإذا سألته: أمسلم أنت؟ قال: كان جدّي مسلمًا، أو كان أبي يأخذنا أحيانًا إلى المسجد. لم يعد يطالع المصحف صباحًا، ولا يجلس حيث كان أبوه يجلس في بيت الله، ولا ينفق كما كان أهله ينفقون.

ونحن نلتمس جيلًا جديدًا ينشأ بين أيدينا على طاعة الله، يتعلم العلم بأصوله وثوابته، ويحفظ القرآن برواياته وقراءاته، ويجلس أمام صحيح البخاري ليستنبط منه ما ينبغي أن يُطبَّق في أرض الواقع في أمريكا وغيرها. هذا ما تسعى إليه أكاديمية الأئمة. وأرجو أن نستوعب المصطلح: فإذا كانت أكاديمية الشرطة تخرّج رجال أمن، فإن أكاديمية الأئمة تخرّج رجال أمن من نوع آخر: أمن الديانة وصيانة الإسلام في نفوس الناس.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم سلّم لنا قلوبنا، وعافية أبداننا، وصيانة نفوسنا ورجاحة عقولنا، ومكّن الإيمان من قلوبنا. وما ينبغي لخطيب ذي ضمير أن يغادر منبره قبل الدعاء التام لأهل فلسطين، أن يحفظ الله كرامتهم ويؤمّن دماءهم ويصون أعراضهم. اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، ولا تسلّط عليهم عدوّك وعدوّهم، وأمّنهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وكن لهم عونًا ونصيرًا وسندًا، وسخّر بين أيديهم جنود السماء والأرض.

--- [1]: توثيق المحرر: هذا قسَم الله بالفجر والليالي العشر في أول سورة الفجر. وقد ذكر الخطيب الآيات من غير أن يعيّن العشر؛ وفي تعيين «الليالي العشر» أقوال للمفسرين، أشهرها أنها عشر ذي الحجة، وهو المناسب لسياق الخطبة في موسم الحج. [2]: توثيق المحرر: وردت القصة في كلام الخطيب من غير عزو، وفي ثبوتها كلام، ولذلك أُوردت بصيغة التمريض «يُروى».

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque