الأخوة المنشودة في القرآن
خاطرة الفجر: الأخلاء والمتقون في ختام سورة الزخرف
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ ٤ يناير ٢٠٢٦م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
كان السؤال عن الآية التي توقّف عندها الدكتور أحمد في ختام سورة الزخرف: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾[1]
مشهد تصفية الحسابات القديمة
تصوّر لنا هذه الآية مشهد الناس واقفين بين يدي ربّ العالمين سبحانه، تجري بينهم نوعٌ من تصفية الحسابات القديمة. ومن المشكلات الكبيرة في حياتنا أننا نظنّ أن المظالم التي تدور في اليوم والليلة تُطوى مع الأيام وتضمر سيرتها مع الأحداث، غير أن ربّ العزة سبحانه يسجّل لكل إنسانٍ ما أدّاه في حياته وما سلف منه وما صدر عنه، فإذا الصحائف المليئة تأتي يوم القيامة لتشهد لأصحابها أو على أصحابها.
فتخيّل أن بينك وبين فلانٍ صحبةً، ثم يأتي هذا الفلان يوم القيامة عدوًّا لك؛ إما عدوًّا بالأصالة، يأتي مدّعيًا أنك ظلمته وافتريتَ عليه وكذبتَ، وإما يأتي مسالمًا، غير أن هناك حقًّا قائمًا عليك يقضي فيه ربّ العالمين سبحانه، الذي يُحِقّ الحق وينصف الناس، فيؤتى بك وبهذا الشخص فيقال لك: قف هنا، فإن لأخيك عندك مظلمة، ولا ينبغي أن تدخل الجنة ولا النار قبل أن توفّيها. فكيف يكون حال الواحد منا؟
أول ما يستشعره الإنسان أن الصحبة تستلزم الإخلاص؛ الإخلاص المطلق الذي لا تشوبه خيانة ولا يصاحبه سوء، لا في معاملة ولا في ظنّ. وقد يكون التعامل أحيانًا من طرفٍ واحد وقد يكون من الطرفين، فما المطلوب مني؟ المطلوب أن أكون مخلصًا من طرفي، وأن أصدُق القول مع الناس، وأن أتقي الله تبارك وتعالى فيهم، وأن أرعى ذمّتهم، وأحفظ كرامتهم، وأصون حرماتهم. هذا حقّ الناس عليّ بغضّ النظر عن تعاملهم معك.
ما معنى التقوى هنا؟
لكنّ الآية تقول: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. وكلمة التقوى تُطلق على وجهٍ عام، غير أن دلالاتها تتفرّع بحسب السياق القرآني. تقول لأخيك: اتقِ الله، فيسألك: وماذا تريد مني؟ فتقول: اتقِ الله في البيع والشراء، فيفهم أن المراد هنا التقوى في المعاملة. وتقول: اتقِ الله في زوجتك، فيفهم أن المراد التقوى في هذه الجزئية. أما هنا ففي قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فالتقوى متعلقة بقضية الأخوة.
لا خوف عليكم اليوم
تخيّل أن ربّ العزة سبحانه يقول لهؤلاء الذين كانت بينهم أخوة صادقة وصحبة صالحة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾[2]. فلماذا يستحقون هذا النداء؟ لأن الصاحب أكثر من يؤمِّن صاحبَه في حياته. أنت إذا كان لك صاحبٌ فكأنك تملك الأرض وما عليها، لأنك تملك سندًا وحماية وصيانة، تستأمنه على عِرضك ودينك ومالك وعافيتك وعلى كل شيء. فالأخوة التي عبّر عنها القرآن بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[3] تضمن لك بإذن ربّ العالمين سلامة الدين والدنيا إن وُجد هذا الصديق. ولذلك إذا وجدتَ صديقًا صدوقًا فعضّ عليه بنواجذك ولا تدَعْه يتفلّت من بين يديك بحال، فعنده الأمانة والإخلاص والصدق والمروءة والتضحية والفداء، عنده كل ما يمكن أن يُرجى لك في حياتك.
والمراد بالأخلاء هنا الذين صدقوا في هذه الصحبة وضحّوا لأجل بعضهم. ثم يقول ربنا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾[4]. والشاهد أن هؤلاء لم يخترعوا نظامًا مستقلًّا للصداقة، وإنما اتبعوا منهج ربّ العالمين سبحانه. ويحضرني في سياق القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾؛ فهؤلاء الإخوة يُحتمل أن يصدر بينهم ما يفسد العلاقة مرحليًّا، ويحتمل أن يحصل بينهم ما يتخاصم حوله الناس، من الضغينة والتنازع، حتى التقاتل، تخيّل! ومع ذلك لا يزال ربنا سبحانه يطلق على كليهما أنهم مؤمنون، أهلُ إيمان. يختلفون في وجهات النظر وفي التحديات وفي المصطلحات، غير أن الإيمان في الأصل يجمعهم.
الجزاء من جنس العمل
ثم يقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. كان أحدنا في عهد صحبته الصادقة يربط على كتف أخيه ويُهدّئ من رَوعه ويصبّره على لأوائه وشدّته. كان أحدنا إذا مرض أخوه كان بجواره أكثر من أقرب الناس إليه، من زوجته وأولاده. وإذا اضطُرّ صاحبه إلى مالٍ أو غيره كان بجواره، يدَه التي يشتدّ بها عوده ويقوى بها ذراعه ويصلُب بها جذعه. كان أحدنا في وقت الأخوة يمثّل صمّام الأمان لأخيه. فالمكافأة من جنس العمل، فيقال: لا خوف عليكم؛ إذ لم يكن يصيبني حزن ما دام أخي بجواري، فهو الذي يثبّتني ويصبّرني ويؤمِّن نفسي. فالجزاء من جنس العمل.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾
ثم يقول سبحانه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾[5]. فلماذا ذُكر مصطلح الزوجة وجاء في هذا السياق؟ يقول أهل العلم: إما أن المراد زوجة الآخرة التي لا تكتمل سعادة الجنة عادةً إلا بوجودها، سبحان القدير. وإما أن المراد أن الزوجة هي أصدق من ينبغي أن يكون من الصحبة. فالزوجة الأصل فيها أنها أصدق الصاحبات، وما ينبغي أن تكون هناك صحبة أقرب إليك من زوجتك ولا أقرب إليها منك، فهي الصديق الوفيّ الأمين. والكلام في هذا السياق يقوّي هذه العلاقة التي ينبغي أن تكون بين كل زوجين.
وحين ترى الخلافات بين الأزواج والزوجات، وترى هذا الفجور في الألفاظ التي تخرج من الناس في وقت الشدائد، وكأننا إذا اختلفنا ضاع ما كان بيننا من حلو الأيام ولذة الطعام وصفو الكلمات، ضاع التاريخ كله وانهدر بهذا الشكل؛ فذلك لأن العلاقة لم تكن لله. ولذلك نرى المتقين إذا اختلفوا فيما بينهم يخرجون من العلاقة سالمين كما دخلوها آمنين.
مثال: المتعة والمتقون والمحسنون
نذكّر رجلًا مثلًا ونريد أن نحدّثه في إعطاء زوجته حقّها، فتقوم الخلافات: سأذهب إلى المحكمة، ولن أُعطي كذا. فتقول له: يا أخي، ألم يقل ربّ العالمين سبحانه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾[6]، وفي موضعٍ آخر: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؟ وكل الآيات التي تحدثت عن المتعة لم تخرج عن هذين الوصفين؛ فهي إما تخاطب متقيًا أو تخاطب محسنًا. ولا شك أن من بلغ درجة التقوى فهو قريب من الإحسان، ومن بلغها كان المال أهون عليه من كل شيء آخر.
وأتخيّل أن البيت سيخلو من هذه المرأة، فما الذي يعوّض مكانها؟ إن المرأة التي تأتي لتناقش في مبلغ، قلّ أو كثر، إنما تقارن بينه وبين مكانتها في بيتها. فهذا المبلغ الذي نتخاصم عليه ونتنازع فيه، أين كان ملؤُك لهذا الفراغ طوال هذه السنوات، سنةً أو عشرًا أو خمس عشرة أو عشرين، أيًّا كان؟
هنا نتكلم عن الأخلاء الذين ملأوا الفجوات التي كانت بينهم بشيء واحد فقط، هو ذكر الله تبارك وتعالى. فالناس ليسوا متطابقين؛ حين أجلس بجوار أخي ونتكلم في موضوعٍ فمن المستحيل أن تخرج الكلمات بنفس الترتيب وبنفس التنسيق، فنحن لسنا «كوبي آند بيست» (نسخًا ولصقًا). يُطرح عليّ شيء فلا أستجيب له كما يريد، فأردّ عليه ويجيبني، وهنا يحصل التكامل. هو كطعامٍ محترمٍ جدًّا، ترى أنه في منتهى اللذة والجمال والإتقان، فإذا تذوّقتُه احتجنا إلى شيء من الملح. فهذا الاختلاف الحاصل بين الناس وهذه الفجوات يملؤها الإيمان، تملؤها كلمة «اتقِ الله»، ونستعين بالله عز وجل على التقوى.
نعيم الأخوة
والشاهد أن ربّ العزة سبحانه حين رتّب لنا هذا الجزاء العظيم على هذه الأخوة، تخيّل: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[7]. والله العظيم يا إخواني، إن حالة الاستقرار النفسي التي يشعر بها الصاحب بجوار صاحبه، واللقمة الهنيئة التي يأكلها معه؛ فتجد صديقًا إذا سألني: أين تأكل؟ قلتُ: في بيتك. ثم ترى ذلك الأنس الحاصل في داخلك بمحض جواره، لمجرد أن تنظر في عينه وترى وجهه وتحسّ بأنفاسه بجوارك، درجةً من القرب لا يستشعرها إلا أهل القرب في الله سبحانه وتعالى. والمصالح لا يُسأل عنها، لأنها في الأول وفي الآخر مجموعة أرقام، أين ذهبت وأين أتت. وهذا لا تجده إلا بين من تعارفوا على الله سبحانه.
هناك ثروة عظيمة جدًّا أودعنا ربنا إياها: مفهوم الأخوة، الصحبة التي ترى فيها صاحبك لا يصدّق فيك السوء حتى لو رآك بعينه تفعله. وإن نصحك ينصحك لأنه يخشى على نفسه إذا فقد مثلك، وإذا أدّى إليك نصيحة أدّاها بأحسن ما ينبغي، بما يناسب معنوياتك ونفسك، وفي الوقت الذي يناسبك. لا يشهّر بك، ولا يتحدث عنك بسوء، ولا يغتابك، ولا يذكر معايبك، ولا يتكلم عنك بفاحشة.
عضّوا عليه بالنواجذ
نحن أمام منظومة قرآنية أرست كل قواعد استقرار الحياة بين البشر. فاغنموا صديقًا، وإن غنمتموه فعضّوا عليه بالنواجذ، وإن وجدتموه فلا تفارقوه إلا بالموت، وحينها لن يكون الفراق وإنما الدعاء المستمر المستقيم حتى نلتقي على أبواب الجنة.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا في أخوّتنا هذه، وأن يحفظ علينا ما أودعنا من الإيمان، وأن يكتب لنا سبيلًا إلى الجنة، وأن يكتبنا في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظله. اللهم آمين.
--- [1]: توثيق المحرر: الزخرف: ٦٧. ذكر المتحدث الآية في سياق ختم السورة. [2]: توثيق المحرر: الزخرف: ٦٨. نطق بها المتحدث بلفظ «يا عبادي»، والمثبت رسم المصحف. [3]: توثيق المحرر: الحجرات: ١٠. وتتمتها التي أشار إليها المتحدث بعد ذلك: «فأصلحوا بين أخويكم». [4]: توثيق المحرر: الزخرف: ٦٩. [5]: توثيق المحرر: الزخرف: ٧٠. في التفريغ اضطراب في آخر لفظة وقد أُثبتت «تُحبَرون» كما في المصحف. [6]: توثيق المحرر: البقرة: ٢٣٦ (المحسنين) والبقرة: ٢٤١ (المتقين). [7]: توثيق المحرر: الزخرف: ٧١.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.