A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Tamaño
Volver a los artículos
Sabidurías y Perspectivas

علائق الخلق بين الإيمان والنفاق

خاطرة الفجر | علائق الخلق بين الإيمان والنفاق

Dr. Ahmed Abouseif•٨ نوفمبر ٢٠٢٥•8 min de lectura
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 8 نوفمبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

في الآيات التي تُليت في صلاة الفجر وقفاتٌ كثيرة جدًّا، أولها قولُه تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾[1]. فما الفارق بين الفريقين؟

الولاء علاقةُ قلوب

الفارق أن الولاء علاقةُ قلوبٍ تتواصل، وأفئدةٍ تتعانق وتتعامل وتتفاهم. والنفاق والعياذ بالله لا يعرف هذه المعاني، ولا يدرك أبعاد علاقات القلوب، ولا يدرك قضية المصلحة العليا التي ينطلق الناس خلفها، ولا دلالة المستقبل الحقيقي، ولا يتفكّر بمفهومٍ أوسع وأشمل يُدرك به أن هناك أمةً وأجيالًا تالية. فقضية الولاء غير موجودة عند المنافقين؛ المنافق ليس له هدفٌ إلا مصلحته الدنيوية التي يضعها في جيبه، أو يحتفظ بها ملكًا تحت سلطانه: عقودٌ وممتلكات، وهذا هو النفاق. «بعضهم من بعض» كأنهم نسخٌ متشابهة يتنافسون فيما بينهم على الأمور نفسها.

أما أهل الإيمان فلهم شأنٌ آخر؛ يتعاملون مع السماء. فما الروابط التي تقوم بين المنافقين بعضهم وبعض؟ ما نوعها؟ لا توجد روابط أصلًا، لا يعرفون هذا. أما أهل الإيمان فكلٌّ منهم متصلٌ بالسماء، متصلٌ برب العزة سبحانه وتعالى، فالعلاقة التي تقوم بين طرفين بينهما طرفٌ ثالث هو الله، وهو الذي يجمع هذه القلوب وهو الذي يفرّقها، ويضع هذا في مكانه وهذا في مكانه. فإن اجتهدتُ أن أتواصل معك، وأنا أنتسب إلى الإيمان وأدّعيه، فسبيلي الأول أن أدعو الله سبحانه وتعالى.

القرآن يقطع العلائق دون علاقة الإيمان

ولذلك ترى القرآن الكريم يقطع العلائق دون معالقة الإيمان؛ أيُّ علاقةٍ غير علاقة الإيمان ليست معتبرة عند القرآن: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. وضرب الله مثلًا للذين كفروا: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾[2]. حتى العلاقة التي كانت، إنما كانت علاقةً «تحتيّة»؛ تخيّل المسألة: كانتا تحت عبدين من عبادنا الصالحين!

لكنه حين يتحدث عن أهل الإيمان يتحدث عن ميثاقٍ[3]، ويتحدث عن الروابط الأسرية بين الزوج وزوجته؛ أنها ليست هي تحته وليس هو تحتها، وليس أحدهما فوق الآخر، وإنما هي مسألة تواؤمٍ نفسيٍّ وعقليٍّ وروحيٍّ وجسدي، وعلاقةٌ ممتدة، الرابط الأساسي بينها هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك ترى أهل الإيمان أهلَ نضجٍ فكريٍّ ونفسيٍّ وعاطفي؛ يتنازلون عن سفاسف الأمور، ويتجاوزون عن الصغائر، ولا يدقّقون فيما كان تافهًا من أعمال الناس، ولذلك تمضي حياتهم كلها بشكلٍ طبيعي جدًّا.

أتخيّل مثلًا امرأة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، طوال هذا العمر لم تُنجب منه ولدًا، ومع ذلك هي مبتسمة مسرورة فرحة بنعمة رب العالمين سبحانه وتعالى عليها، ثم تأمّل التعبير القرآني: «فضحكت»[4]. إنها بشارةٌ بزيادة الروابط بينها وبين ذلك المؤمن الذي يعيش معها في الخط نفسه، ويتحركان معًا في المسير نفسه.

وقفة ثانية: العهد والإيتاء

في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[5]. ما هذه المسألة؟ مسألة أن تدعو الله تبارك وتعالى. انتبه إلى أن الآية لم تقل «دعا ربَّه» بل قالت: ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾، وفرقٌ كبير جدًّا بينهما. فالدعاء محضُ طلبٍ من صغيرٍ يطلب من الكبير، من قليلٍ يطلب من العظيم سبحانه وتعالى. أما أن تقول «عاهد» فليس مجرد دعاء، بل دعاءٌ مصحوبٌ بالإصرار وسبقِ التعهّد، كأنه يقول: «يا رب، أمرٌ لا شك فيه ولا تردد، وأنا سأفعل».

وتأمّل المثال: أطلب أن أُوظَّف عندك في هذه الشركة، وليس بيدي بديلٌ اليوم غير فلان، فأقول له: بارك الله فيك، التحاقي بهذه المؤسسة العظيمة شرفٌ لي وسأكون في غاية الامتنان، فأرجو أن تمنحني فرصة. أُغري نفسي بما بين يديه من عمل. فإذا تفضّل عليّ ووافق، وقد طلبتُ لأني أرى ما عنده من مزايا عظيمةٍ فوق منالي، لا أحصّلها إلا بشق الأنفس، فإذا بي لمجرد استلام العقد أنظر إلى ذاتي وقوّتي ومهاراتي وخبراتي، وأنسى تمامًا أن صاحب المنّ والفضل الأول هو من منحني ما بين يديّ.

فالناس يتعاملون مع الله تبارك وتعالى بلغة الرجاء التامّ ما داموا في حال الضعف، فإذا أنعم عليهم رب العالمين استشعروا الاستغناء. وتلك كانت آفة الشيطان، وآفة فرعون، وآفة قارون، وآفة كل من استغنى عن رب العزة سبحانه وتعالى بسلطانه أو بمهاراته أو بقوته أو بعلمه، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾[6]. أنا صاحب المكانة! وفي السياق نفسه يحدثنا ربنا عمّن كانوا أشدَّ منا قوة قبل ذلك؛ فإلى أين تسيرون؟ كما أشرنا أمس: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾[7]، لم يحصل مثل هذا الكلام من قبل، وربما لا يحدث أن يكون مثل هؤلاء بهذا المجد. تخيّلوا أنهم اليوم يسمّون الذكاء الاصطناعي «فقاعة»؛ ونحن نعرف الفقاعة: شيءٌ يكبر ثم يحدث «بوم» فيتلاشى، كأنه كلامٌ فارغ. ليست هذه ثوابت.

والشاهد أن دعاءك لله تبارك وتعالى أمرٌ مستجاب، بسيطٌ جدًّا. فاعلم أنه إذا أعطاك فقد تمّ العقد من جانبه سبحانه، وبقي عليك الوفاء. فمن سأل الله ولدًا فأعطاه، ومن سأله مالًا فأعطاه، ومن سأله جاهًا أو منصبًا أو علمًا أو معرفة أو أيَّ ما يكون، فليس هناك مطلبٌ لعبدٍ عزيزٌ على رب العزة سبحانه وتعالى؛ عنده خزائن السماوات والأرض: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾[8].

وهنا يقول: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، وأتوقف عند هذه الكلمة، ولست محتاجًا أن أفكّر فيما بعدها؛ لأن العبد الذي يرتقي بطموحه إلى أن يكون معاهِدًا لرب العالمين لا تُحتمل منه الخيانة.

الإيتاء لا الإعطاء

﴿فَلَمَّا آتَاهُم﴾ آتاهم، لا أعطاهم. فما الفرق؟ الإعطاء أن تمدّ يدك إلى يد، فتأخذ شيئًا جاهزًا. أما الإيتاء فأن يؤتيك رب العالمين سبحانه وتعالى بأن يمهّد بين يديك الأسباب، فتشعر بسعادة الأخذ. رجلٌ يطلب من الله أن يرزقه ولدًا، فيأتيه الخبر أن زوجته حامل؛ هذه أول فرحة. ثم يتابع الحمل تسعة أشهر، كل يوم يسأل عن أخباره، حتى مراحل القلق النسبي الموجودة داخل هذه العملية تمثّل له سعادة، وهو ينتظر وليَّ العهد. وأصعب اللحظات وأشدها فرحًا وبهجةً وانتظارًا أن تكون أختنا في غرفة العمليات، أو أن تكون الداية موجودة كما كنا زمان، وهو ينتظر وليَّ العهد. تخيّل: هذا هو الإيتاء، لا الإعطاء، لا «خذ هذا وامضِ»!

وفيها أيضًا إشارةٌ إلى عِظَم العطاء من رب العالمين سبحانه وتعالى. فلنعد إلى مثال الوظيفة: كنتُ أطلب وظيفة، فقال لي: تعال، لن أعطيك الوظيفة في هذا المكان، بل سأجعلك مديرًا تنفيذيًّا لمجموعة الفروع كلها في أمريكا. وكنتُ أتمنى فقط أن أكون في ذلك الركن الصغير! قال: لا، تعال، أنت حبيبي، نحن نصلي مع بعض كل يوم الفجر، وسأعطيك كل شيء. فالله أكبر! صار الطموح في سقفٍ أعلى من تصورات ابن آدم، وذلك هو تصوّر الإيتاء من رب العزة سبحانه وتعالى.

فمن طلب من الله فليطلب بمنتهى الطموح (لا الطمع)، ومن أخذ من الله فليحذر أن يكون هذا العطاء، أو الإيتاء، أو المنح، اختبارًا كبيرًا لا نصبر عليه.

ما نستفيده: ربطُ العلائق بالله

فما نستفيده من كلامنا اليوم، لنجمع بين النصّين: أن العلائق التي بيننا وبين أي شيء حولنا، العنصر الرابط فيها هو الله. لا تتعلّق بولد ولا بزوجة ولا بأب ولا بأم ولا بطبيب، لا تتعلّق بأحد على وجه الأرض إلا من خلال علاقتك بالله سبحانه وتعالى، فهو الذي يُطوِّع قلوب الناس. قد يكون عندك ابنٌ يعصيك، أو بنتٌ تفعل كذا، أو عمٌّ أو أخٌ كذا وكذا؛ يا أخي، سلاحك الأول والأوحد الله. فرب العالمين هو الذي يطوّع القلوب، ويهدّئ النفوس، ويسكّن الروعة، ويضمّد الجراح، ويطيّب الخواطر؛ فعّالٌ لما يريد سبحانه وتعالى.

فلا ترتبط بأحد على وجه الأرض إلا من خلال رب العزة. تسمع عن علاقةٍ امتدت بين رجلٍ وزوجته ثلاثين سنة أو أربعين، ثم هو يجرّها في المحاكم، وتتحول بحيث تكلّمها كأنك تكلّم شيطانًا. ما الذي حصل؟ لقد عاشا شهر عسلٍ طويلًا جدًّا! تحوّلت القلوب يا أخي. وابنٌ يفعل بأبيه كذا وكذا، ما الذي حدث؟ مستحيل لو تخيّلت أن يحدث هذا؛ تحوّلت القلوب. وشركاء مصطحبون منذ سنواتٍ وعقود، قالوا: نقترب من بعضنا أكثر ونعمل مشروعًا معًا، فما رأيكم أن نزوّج الأبناء؟ ثم يأتون يتحاكمون ليُفصل بينهم. ما الذي حصل؟ تحوّل القلوب. فاربط علاقتك بالناس بأنها علاقة بالله سبحانه وتعالى؛ فإذا اقترب منك الناس فإنما قرّبهم ربنا، وإذا ابتعد عنك الناس فإنما أبعدهم الله تبارك وتعالى عن طريقك. وإذا منح الله منح لحكمة، وإذا منع منع لحكمة. فلماذا أنت حزين؟ الأمور كلها بيد رب العالمين سبحانه وتعالى.

النقطة الثانية: ثمن الطلب

والنقطة الثانية: إذا طلبتَ من رب العالمين شيئًا فاعلم أن له ضريبة، وأول ضريبةٍ هي ضريبة الطاعة والشكر لرب العالمين سبحانه وتعالى. تخيّلوا حديث النبي ﷺ، ومعناه أن على كل مفصلٍ من مفاصل ابن آدم في كل يوم صدقة[9]. ومعنى هذا أنك لا تحتاج أن تُخرج ثلاثمئة وستين صدقة وتجري، بل تحتاج أن تراجع نعم الله تعالى عليك نعمةً نعمة. فأدخل البيت اليوم مثلًا فأقول: أين الولد؟ أين البنت؟ أين الزوجة؟ فأنت تراجع لتعرف كيف تشكر رب العالمين سبحانه وتعالى. ونحن هنا في أمريكا في آخر السنة نجلس نراجع كل الأشياء التي اشتريناها لنُخرجها للـ«آي آر إس» ونعمل الضرائب؛ فنراجع كل شيء ونقول: واو، دخلي هذا كله! أو: كانت هذه السنة بسيطة. فهذه المراجعات تعينك على مزيدٍ من الضبط لقضية الشكر لرب العالمين سبحانه وتعالى.

أسأل الله عز وجل أن يعرّفنا به. وأسأل الله العلي القدير أن يفرّج عن كل مستضعَفٍ في الأرض، وأن يرحم أهل فلسطين وأهل السودان. اللهم إنا نسألك لأهل غزة نصرًا وعزًّا يا رب العالمين، ونسألك برحمتك ولطفك أن تلطف بأهلنا في السودان أجمعين، اللهم الطف بهم واحقن دماءهم واحفظ ما أودعتهم من الخير والنعم. اللهم إنا نسألك أن تسلّم كل مستضعَفٍ في الأرض، وأن ترحم كل سائلٍ لك. اللهم آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: من سورة التوبة (الآيتان 67 و71)؛ والمتحدث تلا الآيتين في صلاة الفجر وأشار إليهما. [2]: توثيق المحرر: الأولى من سورة هود (الآية 46)، والثانية من سورة التحريم (الآية 10). [3]: توثيق المحرر: ورد في التفريغ «ميثاق اليف» وهو غير واضح؛ ولعل المراد «الميثاق الغليظ» الوارد في القرآن في شأن الزوجين، غير أنه لم يثبت في المتن لاضطراب السماع. [4]: توثيق المحرر: يشير المتحدث إلى قصة امرأة إبراهيم عليه السلام في سورة هود (الآية 71)؛ وقد اقتصر على قوله «فضحكت». [5]: توثيق المحرر: سورة التوبة (الآية 75)، وقوله «فلما آتاهم» من الآية 76. وقد ذكر المتحدث بعدها «فلما آتاهم من فضله» وتبعها كلمة غير واضحة في التفريغ فلم تُثبت. [6]: توثيق المحرر: سورة القصص (الآية 78)، وهي في قارون. [7]: توثيق المحرر: سورة الفجر (الآيتان 7 و8). [8]: توثيق المحرر: سورة الإسراء (الآية 100). [9]: توثيق المحرر: نقله المتحدث بالمعنى ولم يرد لفظه كاملًا في التفريغ. وأصله ما أخرجه مسلم (720) من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة…»، وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم (1007) أن الإنسان خُلق على ستين وثلاثمئة مفصل.

Comparte este artículo

Comentarios

Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.

Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.

Esperamos que el artículo te haya sido de provecho, y agradecemos tu comentario y tu consejo.

Pregunta al Jeque