﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾: من غُرَّ بالدنيا ومن عبدها، وأكلُ الطيب وشكرُ الرزّاق
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 4 أكتوبر 2025م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
نسأل الله تبارك وتعالى أن يكتب لنا صلاة الفجر في موازين حسناتنا. وبعد، ففي قول الله تبارك وتعالى مما سمعناه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾[1].
قرارٌ يُتَّخذ
حين تتوقف مع الكلمات القرآنية واختيار الألفاظ ترى الكلام بترتيب محدد. يقول ربّ العالمين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ﴾، فهذا قرارٌ صنعه بنفسه، قرارٌ اتخذه هو؛ يتخذ من دون الله أربابًا، آلهةً من دون الله، معبودين. واللفظ القرآني يقول: ﴿أَندَادًا﴾، فكأنه جعل ما اتخذه من دون الله ندًّا لله.
من غُرَّ بالدنيا ومن عبدها
وأتصور هنا أن هناك فارقًا بين من غُرَّ بالدنيا ومن عبد الدنيا. من غُرَّ بالدنيا اغترّ بالأرقام والأماكن والرفاهية وما إلى ذلك، وهذا قد يكون له شيء من العذر بشكل ما. أما من اتخذ المال إلهًا فهو الذي حدّثنا النبي ﷺ عن شقائه، فدعا بالتعس على عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة[2]. وما الخميصة؟ هي ملبوسٌ. فتخيّل أن في بني آدم من يعبد شيئًا كهذا! والمادة التي بين أيدينا تستطيع أن تنزّلها على كل ما يُستخدم من أدوات الحياة التي يتزيّن بها العبد بين الناس. فكأن الذي عبد الخميصة إنما عبد ذاته داخل هذه الخميصة، وعبد ذاته داخل هذه السيارة الفارهة، وعبد ذاته داخل هذا المنزل الوثير.
فالمسألة تنتقل من مرحلة التعلق الجزئي بالدنيا إلى مرحلة أخرى. فقد ترى إنسانًا أنيقًا جميل الهيئة، شعره مرتّب، والدنيا عنده حلوة وهو مبسوط، وهو في خير بنعمة الله تبارك وتعالى عليه، يشعر بنوع من الاستقرار الذاتي والهدوء النفسي. وبين إنسان آخر لا يفعل ذلك إلا تعبّدًا لهذا الشيء، بمعنى أن نفسه غرّته في هذا السياق حتى رأى نفسه لا تكتمل إلا به.
ثم إننا اتفقنا أن هناك من يتزيّن لأنه ذاهب إلى بيت الله يتعبد ربّ العالمين، فكانت الزينة في ذاتها وسيلةً من وسائل التعبد ومعينًا من معيناته. وهناك من عبد الزينة فعطّلته عن كل شيء، حتى عن التعبد لربّ العزة سبحانه وتعالى. فيقول ربنا جلّ في علاه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، واللفظ: ﴿أَندَادًا﴾؛ يجعل ما يتخذه ندًّا لربّ العالمين. فإن تعارضت المصالح، بين ما أراده الله مني وما تريده دنياي، اتّبع ما تريده دنياه تاركًا وراء ظهره ما يريده ربّ العالمين سبحانه جل في علاه.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
ثم ترى الآية التي تأتي بعد ذلك، بعد الحوار بين أهل النار، بين التابع والمتبوع، والمغترّين بمن يتبعونهم، نعوذ بالله سبحانه وتعالى من اتباع أهل الظلم أو مناصرتهم. يقول ربّ العالمين سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾[3]. وكأن أول معبود سيواجهه الإنسان في معركة العبودية هذه هو تحصيل الدنيا. فأول ما يغترّ الناس به هو جمع الدينار والدرهم وتحصيل الأموال بالوسائل المتاحة المباحة، أو بالوسائل المتاحة وإن كانت غير مباحة. وفرقٌ كبير جدًّا بين وسيلة متاحة مباحة حلال يحصّل منها الرزق، ووسيلةٍ متاحة أمامه يأخذ بها ما يريد وإن كانت غير مباحة.
وهل يمكن أن نفرّق بين النداءين المتواليين في الآيات؟ هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وبعدها بآيات يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾[4]. فما الفرق بين الاثنين؟ النص الأول يفيد قانونًا للناس في الحياة عمومًا؛ فإذا جاء الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالأصل فيه أنه يخاطب الخليقة أجمعين. ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: فالصدق في المعاملات، والأمانة في أداء الأشياء، والوفاء بالوعود، والالتزام بالعقود، هل هذه ضوابط حياتية عامة أم ضوابط خاصة بأهل الإيمان؟ ضوابط حياتية عامة. فيناشد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وكأن من القوانين القرآنية ما ينظّم حياة الخليقة كلها، وإن انخرم منها شيء اختلّت الحياة أصلًا، سواء كان المتعامل بهذه القوانين مسلمًا أو غير مسلم.
وأضرب لذلك مثلًا قواعد المرور: هل هي خاصة بأهل الإيمان، بالناس الخارجين من المسجد الذاهبين إلى بيوتهم؟ أم هي للناس كلهم؟ لو أن مسلمًا أو غير مسلم كسر الإشارة وحدث حادث، هل نقول: هذه سيارة مسلم فلا شيء عليها، وهذه سيارة كافر فعليها؟ لا؛ فهناك قوانين تضبط حركة الحياة عمومًا، والقرآن يقرّرها للناس جميعًا.
الطيّب من الحلال، ورزقُ الله
أما المؤمن فليس فقط يأكل الحلال، بل يأكل الطيب من الحلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ودلّت الآية على مصطلحين. الأول: أننا لا نأكل محض الحلال وإنما نأكل الطيب منه، ففيه نوع من الارتقاء. فمثلًا مسلم يختلط عليه الحلال والحرام في مال، وقد يكون فيه شبهة بشكل ما، فيتركه، وإن قلّ ما بقي بين يديه، لأنه يلتمس المقام الأعلى. والنقطة الأخرى في الآية نفسها أننا لا نأكل من الطيبات لمحض أنها طيبات، وإنما لأنها رزق الله تبارك وتعالى؛ فنحن نؤمن بأن الذي بين أيدينا منحةٌ من ربّ العالمين سبحانه وتعالى وليس جهدًا ذاتيًّا.
أنت رجل شاطر تشتغل في أي مجال، في مجال السيارات أو العمارة أو الهندسة أو الطب أو غيرها، فلا تتكبّر بذلك، بل تقول: أنا لا أستطيع أصلًا، وإنما أتبع محض الأسباب والذي يرزقني هو الله سبحانه وتعالى. تجد أحيانًا شخصًا في منتهى اليقظة والألمعية والذكاء والقدرة يغلط غلطة ما كانت تخطر على بال، في علم الهندسة مثلًا في شغلكم، تجد واحدًا كبيرًا في مقامه ويُخصم منه مثلًا شهور من راتبه، ويضيع عليه عمل ضخم كله بسبب غلطة صغيرة. كيف خرجت من يده هذه الغلطة؟ كيف تجاوز عقله الأسباب؟ ثم تجد آخر جديدًا في الشغل لا خبرة له، ويحدث له ما يحدث، فتقول: الله أكبر، كيف حصل هذا؟ إنه رزق الله سبحانه وتعالى. فالأول يذهب من رزقه الأساسي، والثاني يأتيه رزق أضعاف ذلك من حيث لا يحتسب. فقضية تعلّق قلوبنا بالله، وأنه الرزّاق ذو القوة المتين سبحانه وتعالى، مختلفة تمامًا عن مسألة أن يعتمد أناسٌ على الأسباب والمسببات.
والذي يعتمد على الأسباب والمسببات، لو كان مثلًا يعمل في معرض سيارات وعليه أن يبيع اليوم حصته المقررة من السيارات، فإنه يصطاد الزبون، حتى لو كان هذا الزبون غير مقتنع، وحتى لو كان لا يحتاج إلى تغيير سيارته، فيحاول إقناعه ويفعل كذا وكذا؛ هو يريد أن يصل إلى هدفه أيًّا كانت الأسباب والوسائل.
الورع: حلالٌ يترتب عليه ضرر
ولما نتكلم عن قضية الحلال فليس فقط السرقة والنصب والاحتيال، وإنما هناك أشياء أخرى. فمثلًا قد يترتب على بيعةٍ ما خرابُ بيت شخص. شخصٌ يبيع سيارة في مكان ما، ورأى وسمع في حوار جانبي بين الزوج والزوجة أنه لو تمّت هذه الصفقة اليوم فقد يخرب البيت. فما المصلحة المترتبة على البيع؟ العمولة التي سيأخذها. وعلى الجانب الآخر لو تمّ ذلك سوف تنهدم هذه الأسرة. فما الذي ينبغي عليه أن يفعله؟ لو باع فبيعُه حلال ولا مشكلة، لكنه حلال ترتب عليه ضررٌ علمه يقينًا. فمن باب الورع عند أهل الإيمان ألّا يفعلوا ذلك، لأنه يوقن أن رزقه عند ربّ العالمين سبحانه وتعالى، فيؤمن بأن الله سيرزقه من حيث لا يحتسب. سبحان الخلّاق العليم! ما تمرّ لحظة أو لحظات إلا ويأتي من يدفع له الثمن.
الشكر شرطُ تحقق العبودية
فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وعندي مطلوبٌ آخر في الآية: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾. وردت مع مصطلح الطيبات لأنه إذا طاب الرزق أشبع وإن قلّ. إذا حصل رزق طيب، لا حلال فقط، تطيب معه النفس. تجد إنسانًا يأكل قطعة جبن ولقمة خبز، كسرة خبز، أي شيء، فينزل على قلبه بردًا وسلامًا، ومطمئن وهادئ وشبعان ومبسوط وراضٍ عن الناس الذين حوله، متوائم مع نفسه ومع بيته ومع بيئته. وآخر أمامه أشياء كثيرة جدًّا وثمينة جدًّا وغالية جدًّا، ولكنه مضطرب. فيقول الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾.
والعجيب في الموقف أن يضع الله تبارك وتعالى الشكر شرطًا لتحقق العبودية: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. فكان الشكر هو المحقِّق للتعبد. فالتعبد هنا ليس قيامًا إلى صلاة، وليس أداءَ نُسُك، وإنما التعبد هنا هو محض الرضا عما أودع الله تبارك وتعالى في خزائن الجيوب من المال، لأن المسألة مسألة إشباع نفسي.
لا ندَّ لله في قلبي
ومن ثَمَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾. أنا ما عندي ندٌّ مع ربنا. ما عندي ندّ مع ربنا، حتى ولو كان العمل الذي سيُشبع جيبي ويُشبع بطون عيالي. ما عندي ندّ مع ربنا، حتى لو كان الحساب البنكي هو الذي سيمتلئ أو لا يمتلئ. ما عندي ندّ مع ربنا، حتى لو كانت السيارة متعثرة أو سليمة. ما عندي ندّ مع ربنا، ولذلك أخليتُ قلبي من سواه سبحانه جلّ في علاه.
تأمّل في الآيات؛ إن اختيار كل لفظ فيها يستحق وقتًا طويلًا جدًّا من التأمل. سبحان من كان هذا كلامه، وسبحان من علّمنا كيف نفهم عن مراده سبحانه وتعالى. أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية والرضوان.
--- [1]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٦٥. ولم يذكر المتحدث السورة بوضوح في التفريغ. [2]: توثيق المحرر: الحديث في صحيح البخاري بلفظ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ»؛ وقد نقله المتحدث بالمعنى ومضطربًا في التفريغ، فنُقل في المتن بالمعنى دون اقتباس. [3]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٦٨. [4]: توثيق المحرر: سورة البقرة، الآية ١٧٢.
Comentarios
Comparte un beneficio o una idea sobre el artículo; agradecemos tu opinión.
Aún no hay comentarios publicados. Sé el primero en comentar.