A
Dr. Ahmed Abouseif
Imams Academy
Volver a las reflexiones
Reflexión · Fajr

قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا

الصبر في البيت بين أمثلة سورتَي الطلاق والتحريم.

Dr. Ahmed Abouseif•١٨ مارس ٢٠٢٦•7 min de lectura
Vídeo original de la reflexión
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 18 مارس 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، [مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب](https://www.youtube.com/watch?v=b3MVI5G3MmE)

كل هذا من أجل كلمة «طلاق»

نقف عند سورة الطلاق، وفيها قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾[1] ثم: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[2].

كل هذا الوعيد، وكل هذا الحساب الشديد والعذاب النُّكْر، من أجل ماذا؟ من أجل كلمة «طلاق». هكذا يعظّم ربنا سبحانه شأن البيت وحدوده.

كيف أصبر على من معي في البيت؟

يسأل الواحد منا: كيف أصبر على هذه التي معي في البيت؟ وتسأل هي: كيف أصبر عليه؟ فيضرب الله تبارك وتعالى لنا مثالًا آخر في السورة التالية، سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[3].

تخيّل أن يتنزّل تشريع من السماء إلى الأرض لأجل كلمة خرجت من فم النبي ﷺ! لأن الله عز وجل يريد لَمَّ شمل هذا البيت، ولا يريد له فُرقة ولا نزاعًا. ثم إذا برب العالمين سبحانه يحدّثنا من الطرفين: يعاتب النبي ﷺ، ويحذّر نساءه رضوان الله عليهن: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾[4].

أيّ سندٍ ونصرةٍ عظيمين هذان! الله مولاه، ومعه جبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير، كل ذلك من أجل موقف حدث من إحدى الزوجات.

وأنا دائمًا أقول للأخوات اللواتي يأتين إلى جلسات الصلح: تخيّلي أنه خرج من عندك مرة واحدة غضبان، ضائقًا لا يرى أمامه، فمن يتلقّفه؟ فَلُمّي عليه الأمر بقدر ما تستطيعين.

والشاهد أن ربي علّم النبيَّ ﷺ منهج التغاضي، أو التغافل النسبي، داخل البيوت: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾[5].

﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾

وقد تستحيل الأمور نسبيًّا، فلا يستطيع أحدنا أن يصبر على صاحبه. فإذا برب العالمين يقول مبدئيًّا: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[6].

تخيّل هذه القصة: رجل طلّق امرأته ولم يكن لها في الدنيا سواه. فلما خرجت إلى المجتمع وجدت نفسها وحيدة، لأنها ما خرجت من كَنَف أبيها إلا إلى كنف زوجها، ولم تعتد أن تعتمد على نفسها، ولا أن تعرف آليات الناس وتقلّبات الأحوال واختلاف الأمزجة والمؤامرات والضجيج الذي تمتلئ به الحياة. فإذا بها فريسة لمن يضحك عليها ولمن يفترسها بعد حين. من ضيّعها؟ زوجها. فيقول له الله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. وبقدر ما يتلظّى المجتمع من مثل هذا الأثر، يتلظّى صاحبنا الذي عرّض المجتمع لها وعرّضها للمجتمع.

والخطاب للرجال والنساء جميعًا، لكنه للرجال أولى؛ فالصبر منك أكثر طلبًا وأولى وجودًا، لأنك صاحب الزمام.

لماذا هذا التصوير لعاقبة من ضيّعوا بيوتهم؟

مفاد الكلام: احفظ بيتك، وأنتِ كذلك احرصي عليه. امرأة تمتنع عن زوجها، فتغلبه الشهوة فيقع في الحرام (وليس ذلك اضطرارًا بطبيعة الحال)؛ فالفاعل مسؤول عن فعله، لكن وراءه من تسبّبت له في ذلك. فنحن أمام طرفين كلٌّ منهما مسؤول أن يقيَ صاحبه من النار.

فإذا استقام البيت، أبٌ وأمٌّ كلاهما متزن، فماذا تتصوّر نتيجة ذلك في الأبناء؟ تجده واقفًا أمامك يصلّي، إمامًا يقرأ القرآن بصوت ندي وكلمات طيبة ونفس طيبة، وإذا عنده مشكلة ذهب إلى الشيخ: ساعدني في حوار، في ألفة، في ودّ، في سكينة وطمأنينة واستقرار، في معرفة حقوق الأخت والبيت والأب. هذا ما أنشأه لنا رب العالمين سبحانه.

ثم يتأمّل الدكتور أحمد: ما الذي يقرن بين الناس والحجارة في قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؟[13] ألسنا كنا نضرب بعضنا بالألفاظ، كأننا نضرب بالحجارة؟ فيناسب الجزاءُ أصلَ العمل. كنا نرمي بالقاذورات من ألسنتنا وأفواهنا، نشتم ونسبّ ونلعن، فهذا حجرٌ يصيبك في رأسك وأنت في النار ولن تطيق حالك.

ويتأمّل الدكتور أحمد أن البيوت المؤمنة تحرسها الملائكة، فكأن وظيفتهم تتغير عمّا كانت عليه بينك وبين امرأتك، فتتحوّل من ملائكة رحمة إلى ملائكة تعذيب: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. وبماذا أمرهم الله؟ أن يعذّبوك. فتحمّل، فأنت اخترت نمطًا مختلفًا من الحياة.[12]

وبهذا التشبيه وهذه المقارنات، لك أن تتخيّل: هل تصبر على التي معك أم تتحمّل ذلك العذاب؟ اصبر طبعًا، ولِمَ لا؟

هل هي سيئة في ذاتها، أم لا تلائمك؟

فيا أخي، لماذا لست صابرًا؟ تقول: «فيها كذا وكذا». حسنًا، فلنقارن بين حال امرأة لا ترضى عنها وبين غيرها. وأسألك: لِمَ لا ترضى عنها؟ أهي فعلًا سيئة الأخلاق، أم أنك متوهّم؟ أهي في ذاتها سيئة، أم أنها لا تعجبك فحسب ولا تستطيع أن تتلاءم معها؟ فرق كبير جدًّا بين المسألتين. كما تقول: «أنا لا أحب أن أركب هذه السيارة، ليست لي أبدًا»، وليس معنى هذا أنها سيئة في ذاتها. وفرق بين من هي سيئة في ذاتها ومن هي لا تعجبني فحسب.

فلنفترض أنها سيئة، فإلى أيّ حدٍّ يبلغ سوؤها؟ أيبلغ سوءَ امرأة نوح وامرأة لوط؟ انظر إلى الربط، وانتبه إلى ترتيب الآيات[7]: امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين[8]. فهل أنت في صلاح نوح ولوط؟ وهل ما صدر من امرأتك مثل ما صدر من امرأة نوح وامرأة لوط؟ أنت تعرف كيف كانت الخيانة هناك: خيانة في المنهج والتشريع، وكفر وملّة، فإذا كانت امرأتك على هذا النحو فطلّقها واسترح. أما إذا كانت دون ذلك فالأصل فينا الصبر.

ونلتفت إلى الناحية الأخرى فنقول لها: تعالَي يا أختي، لماذا أنتِ غاضبة من هذا الرجل؟ وكلامنا وشكاوانا كلنا على المستوى نفسه. فنسألها: هل هذا الرجل سيئ إلى درجة أنه في مستوى فرعون؟ لا يبلغ سوؤه ما كان من سوء فرعون. ثم يقول الله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾[9]. هل ترين شيئًا من هذا عند زوجك؟ تخيّلي كم البأس الذي كانت تعيش فيه حتى تطلب من الله النجاة من عمل فرعون، سواء كان معها أو مع من تشاهدهم ممن يُقتلون أو يُسبَون أو يُعذَّبون تحت يده.

جمع الصورة

فإذا أردنا أن نكمل السورة في أذهاننا فلنقرأها كاملة. فنحن أولًا أمام مثال النبي ﷺ يعلّمنا منهج التغافل والتغاضي: عرّف بعضه وأعرض عن بعض. ثم ننتقل فنجد ظهيرًا عظيمًا من رب العالمين سبحانه إذا ظلم أحد الطرفين الآخر. ثم نرى أنفسنا مسؤولين عن حماية هذا الكيان وصيانته. ثم نجد مسؤولية كبيرة جدًّا عن الإصلاح المطلوب مني داخل البيت، وإعادة تهذيب الأمور على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه. ثم أرى الأمثلة التي تضيء لي الطريق: أعرف كم كان مستوى الفساد الأخلاقي عند امرأة نوح وامرأة لوط، وأقارن بين ما عند امرأتي وما عندهما، فأرى صاحبتنا ملاكًا من السماء بالمقارنة. وإذا قارنَت هي بيني وبين فرعون، رأت أن هذا الرجل مسكين جدًّا. فنحن إذن على مزيد من الرضا.

سورة الملك: تعقيب على القصة

ولذلك ترى رب العالمين سبحانه يعقّب على هذه القصة بما تضمّنته بعدها سورة الملك، إذ تقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾[10].

وبالمناسبة، ففي الآية التي تقرؤها في هذه السياقات: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ…﴾[11]. لكن الجملة التي في الطلاق رُفعت منها كلمة «يكفّر عنه سيئاته»، فلماذا؟ يرى الدكتور أحمد أن ذلك لأن في التغابن قبلها وردت الآية نفسها في السياق نفسه. فما الفرق؟ في التغابن حصل ما يسمّى التغابن: تداخل النفوس والشحناء والبغضاء، والألم الذي يحدث ليلًا ونهارًا: فلان يتكلم، وفلان يحكي عليّ، وفلان يسبّني. فهذا يستجلب تكفير السيئات. لكن في الطلاق، بعد أن بيّن لي المنهج، انتهى الأمر: كل واحد من الطرفين كأنه ليس عليه شيء، فأصبحت الصفحة لدى كلا الطرفين بيضاء. فإذا طلّقنا طلّقنا بإحسان، وإذا عاشرنا عاشرنا بإحسان، فتبقى صفحة كل منهما بيضاء.

أطلتُ عليكم، أعتذر جدًّا، وأسأل الله سبحانه أن يغفر لنا ولكم وأن يصلح بيوتنا. أسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح لنا بيوتنا، وأن يرضي عنا أهلنا، وأن يرضينا عن أهلينا، وأن يملأ بيوتنا جميعًا بركةً وأُنسًا ورضوانًا من لدنه سبحانه، وأن يرزقنا حسن الفهم وحسن التقدير وحسن التعبير وحسن العاقبة. اللهم آمين يا رب العالمين.

--- [1]: سورة الطلاق، الآيتان 8–9. توثيق المحرر: ذكر المتحدث الآية بعد بداية مقتطعة من التفريغ. [2]: سورة الطلاق، الآية 10 (بعض ألفاظها). توثيق المحرر: أُثبت هنا بقدر ما نطق به المتحدث. [3]: سورة التحريم، الآيتان 1–2. توثيق المحرر: أشار المتحدث إلى ما بعدها من تشريع (تحلّة الأيمان) إجمالًا. [4]: سورة التحريم، الآية 4. [5]: سورة التحريم، الآية 3. [6]: سورة التحريم، الآية 6. [7]: توثيق المحرر: يشير المتحدث إلى تسلسل الآيات في سورة التحريم: التغافل (الآية 3)، ثم المظاهرة (الآية 4)، ثم الوقاية من النار (الآية 6)، ثم مثَلا امرأتَي نوح ولوط وامرأة فرعون (الآيتان 10–11). [8]: سورة التحريم، الآية 10 (إشارة إلى معناها). [9]: سورة التحريم، الآية 11. [10]: سورة الملك، الآية 12. [11]: توثيق المحرر: الآية بهذا اللفظ في سورة التغابن (الآية 9). كلام المتحدث عن موضع ورودها في الطلاق مضطرب في التفريغ، فأُثبت الفكرة بقدر ما نطق به دون تعيين. وفي سورة الطلاق نفسها آية أخرى فيها «يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ» (الآية 5)، فتعليل المتحدث خاصٌّ بالآية 11 بعينها وهو اجتهاد منه. [12]: توثيق المحرر: هذا تأمّل وجداني من المتحدث لا نصٌّ شرعي، والملائكة الغلاظ الشداد في الآية هم خزنة النار. [13]: توثيق المحرر: هذا تأمّل من المتحدث. وفي تفسير ابن كثير أن الحجارة قيل: المراد بها الأصنام التي كانت تُعبد، وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي: هي حجارة من كبريت.

Pregunta al Jeque