أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
حکمتیں اور بصیرتیں

خاطرة [ أخلاقنا مع القرآن ]

من لقاء الأربعاء في الأخلاق: الحق الأول للقرآن علينا أن نعترف بوجوده

ڈاکٹر احمد ابو سیف•٢٦ يونيو ٢٠١٩•12 منٹ مطالعہ
المناسبة: تفريغ خاطرة أُلقيت بتاريخ 26 يونيو 2019م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب

يكون لنا في يوم الأربعاء من كل أسبوع شرفُ الجلوس حول مائدة الأخلاق. وفي لقاء اليوم أردتُ أن نتساءل عن الأخلاق التي هي حقٌّ للقرآن الكريم علينا.

النصح للكتاب

عندنا حديثٌ للنبي ﷺ يقول فيه: «الدينُ النصيحة»، فقلنا: لمن يا رسول الله؟ قال ﷺ: «لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم».[1] فخصَّ النبيُّ ﷺ القرآنَ من جملة ما ذكر بالنصح. ويأتي السؤال: كيف ننصح لله، وكيف ننصح للرسول، وكيف ننصح للقرآن؟ والجواب من أهل العلم أن النصح للكتاب هو الاعتناء به والاهتمام به ورعايته.

وما أظنُّ مؤمنًا حقًّا يغيب عنه قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.[2] إنه عتابٌ من الله تعالى للبشر على لسان الأنبياء، على لسان النبي محمد ﷺ، أو هو شكوى من النبي ﷺ للأمة كلها بين يدي ربِّ العزة سبحانه. وقد ذكر الله تعالى هذه الآية في سياق حديثٍ عن صنائع المشركين وما اغتروا به مما بين أيديهم، وعن الصحبة التي لا تغني عن صاحبها شيئًا بين يدي الله عز وجل يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وانظر إلى التعقيب القرآني: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. فكان البعد عن القرآن الكريم سوءَ أدبٍ مع ما أنزل الله تعالى من الكتاب العظيم.

تعالوا ننظر إلى منظومة الحقوق التي ينبغي أن نؤديها لكتاب الله تبارك وتعالى.

الحق الأول: الاعتراف بوجود القرآن

أرى، والله تعالى أعلم، أن الحق الأول هو حقُّ الاعتراف بوجود القرآن. وقد تقول: ما من مسلم على ظهر الأرض لا يعترف بوجود القرآن الكريم! فنتساءل: ما دلالة كلمة «الاعتراف»؟

كيف تعترف بوجودي الآن مثلًا إمامًا للمسجد؟ لا يتقدم عليَّ أحدٌ للصلاة، ولا يرفع أحدٌ صوته فوق ما أشير به من رأي فيما يخص إطار عملي وتخصصي. والاعتراف بوجود الطبيب في غرفة الكشف لا يجيز لأحد أن يتجرأ على ذلك الطبيب، ولا أن يفتيَ بين يديه في تخصصه ومجاله. والاعتراف بوجود قاضٍ يحكم في المحكمة لا يعطيني الحق مطلقًا أن أتخذ قرارًا في قضية المتهم الذي بين يديه. فقضية الاعتراف ليست أن أقول: هنا قاضٍ، وهنا إمام، وهنا طبيب؛ ولكنها تستوجب قدرًا هائلًا من الالتزام نحو من اعترفنا بوجوده. وكذلك الاعتراف بوجود الأب والأم في حياتنا هو اعترافٌ بحقوقهم، وليس اعترافًا بوجودهم وجودًا عينيًّا أو رمزيًّا فحسب.

فمسألة الاعتراف بوجود القرآن الكريم في حياة الأمة المسلمة تحتاج إلى إعادة نظر في هذه الأوقات، بل في كل الأجيال إلا ما رحم الله تبارك وتعالى. ذلك أن القرآن الكريم اعتُبر في حياتنا مادةً لفظية، وهذا عند من يعتنون به، فلننتبه: عند من يعتنون بالقرآن ويحفظونه. فهم يبدؤونه بقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، ويمرون على سورة البقرة وآل عمران وسائر السور إلى أن يتوقفوا عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. انتهى القرآن بين أيديهم. فما الذي استفاده ذلك القارئ؟ وما الذي وعاه ذلك الحافظ؟ وما الذي تأثر به ذلك المراجع؟ ربما تتفاوت الإجابة من شخص إلى آخر، ولكن في علم الإحصاء النتيجة الإجمالية لا تمثل شيئًا، وإلا لَغيَّرت من نمط حياة الأشخاص والأفراد.

نعمة الحفظ في الصدور

من جملة نعم الله تبارك وتعالى علينا أن أودع القرآن الكريم صدور الخلق، فهو الوسيلة الأتم لحفظ كتاب الله. فالمكتوب قابل للتغيير أو التبديل، وربما لا يتفطن إليه كثير من الناس. وتجد في بعض الأوقات شكاوى أن هذا التطبيق على الهاتف مثلًا في القرآن الذي فيه أخطاء في صفحات كذا وكذا، وأنهم بدّلوا الواو أو الفاء أو بدّلوا كلمة، وتصدر تصريحات وتحذيرات وتملأ الواتساب ووسائل التواصل. وقد جاءني أحد الإخوة، أكرمه الله، بمصحف منذ عدة أسابيع، وفتحه، ولأنه يحفظ اكتشف خللًا في الآية كذا، أو افتقد صفحة، ربما كان ذلك بالخطأ، لكن الصفحة فُقدت. وأنا دائمًا أقول: سبحان الله، الذي يحفظ سيدرك، لأن غير الحافظ لا يعلم.

وكثيرًا ما يسألني بعض الإخوة: لماذا لا تسجّل ركعات الصلوات؟ وأنا رجل يغلب عليَّ النسيان، وإذا تفكرتُ في آية غاب عني ما بعدها في ذهني، وهكذا صنع الله تبارك وتعالى؛ فأحتاج إلى عدد من المراجعات قبل أن أدخل في الصلاة لأقرأ الآيات كما أنزلها رب العالمين سبحانه. فلو فقدتُ لفظًا في تسجيل الصلاة، وأخذ الناس هذه المادة التي تضمنت خطأً ما، أو فقدتُ آية أو كلمة أو تشكيلة، أو التبس عليَّ وأنا أقرأ هل هذا معرب أو كذا، فيحصل نوع من الخطأ. ولذلك رأينا علماءنا ومشايخنا القراء الكبار إذا جلسوا لتسجيل المادة القرآنية، مع كونه شيخ القراء، المصحفُ أمامه. لماذا؟ لأنه لا يريد أن يخرم شيئًا. وفي العادة حين نخرم شيئًا من القرآن الكريم لا يكون ذلك مدركًا عندنا، فما من أحد من الذين يقرؤون القرآن في صلواتهم سيدرك أنه أخطأ في كلمة أو بدّلها ثم يمضي. وما معنى الخطأ هنا؟ أن كلمة فاتت أو سقطت أو تشكيلة حصل فيها كذا. فهذا مما يأتي في الكتابة، وهي محل تبديل وتغيير. أما الذي يدرك القرآن الكريم في صحة تلاوته وصحة ألفاظه من عدمها فهو ذلك الحافظ.

تذكرون يوم الجمعة في الخطبة، سبحان الله، ذكرنا أن مشايخنا كنا نسمعهم ونحن في الكتّاب. كان الشيخ ربما يبقى من الفجر طول اليوم في حلقة التسميع، والطلاب يأتون، وكنا ونحن صغار نتسابق: من الذي سيذهب إلى الكتّاب أولًا ليمسك كشف الحضور؟ فمن يذهب أولًا يكون في منتهى الفخر: يفتح الكراس ويقطع منه ورقتين ويطبقهما، ثم يكتب اسمه أولَ اسمٍ، فهو أول حاضر في الكتّاب اليوم. ثم يتابع من يأتي بعده، وأنت الذي تمسك الكشف، فأنت محل اهتمام الشيخ، يناديك كل حين ويسأل: من الذي بعده؟ فيُنادى اسمك على مشهد من الحضور، من حفاظ القرآن الكريم وطلبته. وكان الشيخ من شدة الإرهاق ربما غلبه النعاس فأخذ غفوة، ولا توقظه مهما كان صوت الأولاد والضجيج، ومهما علت الأصوات فربما لا تخرجه من نومه، لكن خطأ واحدًا فقط في تشكيلة أو في كلمة أو في حرف يوقظه كأن أحدًا نبهه. سبحان الله القدير! هذا هو القرآن الكريم.

معنى أن نعترف به

فنعود إلى حق الاعتراف بوجود القرآن. ما معنى أنني أعترف بوجود والدٍ في البيت؟ أولًا أنني أحترم وجوده، وثانيًا إذا حصلت مشكلة فمن الذي يتكلم بالكلمة الأخيرة فيها؟ ومن الذي يفصل في القول فيها؟ ومن الذي يحكم فيها؟ إنه ذلك الكبير، ذلك الوالد. فهل المسلمون الآن، وأتكلم عن حفاظهم، يتعاملون مع القرآن تعاملهم مع من اعترفوا بوجود حقه حقًّا في حياتهم، فتسكن به نفوسهم، وتطمئن به صدورهم، وتهدأ به جوانحهم، ويستهدي به كل صاحب أمر أو معضلة أو مشكلة؟ هل ذلك قائم في حياة المؤمنين الآن؟

فأرى، والله تعالى أعلم، أن الحق الأول للقرآن الكريم في حياتنا أن نعترف بوجوده. وقد قال ربُّ العزة سبحانه لما تكلم عن القرآن: ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.[3] فننتبه: ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾، ونستفيد من ذلك أن من لم يُنذَر بالقرآن فليس حيًّا، فكأنه في حكم الأموات؛ فالذي يقرأ القرآن الكريم ولا يعتبر بآياته كأنه ليس على قيد الحياة. سبحان من أنزل هذا الكلام ليكون شفاءً لما في الصدور، وليكون هدًى ورحمة، وليكون نورًا. سبحان الله القدير!

فالقرآن الكريم ينبغي أن يُعترف به في حياة المسلمين مرجعًا ومنهجَ هداية، وكلمةً لله تبارك وتعالى تضبط حركة الحياة. وإلا فما الفائدة من وجوده؟ تصوّر إنسانًا عنده خزينة مليئة بأطنان من المال، لكنه لا ينفق منها؛ فما فائدة وجودها؟ هذا المال لم يُشترَ به طعام وأنا جائع. أيُّ نقدٍ نأكل؟ لن يكون للمال قيمة، مهما كانت كثرته، إذا لم يُستعمل في موطنه ويُؤتَ به الاحتياجات بسبب وجوده؛ فلا فائدة من وجوده ويكون كالعدم. تخيلوا رجلًا في الصحراء ومعه طنٌّ من الذهب، لكن ليس معه ماء، فما الذي يفيده الذهب في ذلك التوقيت؟ لا شيء. فالقرآن الكريم الذي فقد أثره في حركة حياة الناس اليوم ينبغي أن يكون له الحق الأول في هذه الليلة ونحن نتحدث عن حق الاعتراف بوجوده.

بين المرجعية السماوية والوضعية

الناس اليوم بين المرجعية السماوية والمرجعية الوضعية. ما معنى ذلك؟ عندنا قانون نزل من السماء، الله سبحانه وتعالى يحكم به في أحوال الخلق: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.[4] هذا منهج رب العالمين سبحانه وتعالى أنزله ليحكم في الخلق، وليصل لهم أصول الحياة وثوابتها، وليضع لهم الضوابط التي تحميهم وتحفظهم من الخروج عن أصل المنهج الرباني. لكننا نترك ذلك جملةً وننطلق إلى قوانين وضعية.

وأنا لا أقول إنه ينبغي أن نخرج عن إطار القوانين الوضعية في حياتنا. فنحن بين يدي مناهج؛ ففي قانون السير الذي نسير به في الطريق ليس لدينا نص قرآني يحدد لنا معالم السير، وليس في القرآن آية تقول: قِف عند علامة الوقوف. ولكن ربَّ العالمين سبحانه وتعالى صاغ لنا في القرآن الكريم أن نعود إلى المرجعية في ذلك: أهلِ الذكر، أهلِ التخصص. فليس عندنا في القرآن الكريم كم طابقًا نبني حين نبني عمارة أو بيتًا، لكن أهل التخصص أهلَ الذكر يفتون بأن هذه القطعة من الأرض تتحمل عشرة طوابق، وأن هذه القطعة لا تتحمل إلا طابقين؛ فما ينبغي أن نخرج عن قولهم، ونكون بذلك مؤتمرين بأمر القرآن الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.[5] أليس كذلك؟ والله تعالى أعلم.

لكن تأمّلوا هذا المثال: تأتي امرأة فتقول: أنا لا أريد أن أنتهج منهج الشريعة في حال الطلاق، تقول: يا جماعة طلِّقوني. حسنًا يا سيدتي، توكلنا على الله، نبحث المسألة وندرسها، ونبذل من الوقت بينهما في محاولة الإصلاح، فإذا انتهت العلاقة إلى هذا الحد، قدّر الله وما شاء فعل. فما الذي لكِ وما الذي عليكِ؟ فتقول: لا يا شيخ، أنا أريد منك فقط الكلمة هذه، أما حقي فأعرف أين آخذه. إلى أين؟ إلى المحكمة. فتركت هنا قانونًا رسمه ربُّ العالمين وحدد معالمه بناءً على الزواج الشرعي الذي تزوجته، وانطلقت لأنها تريد أن تأخذ أكثر. فهل يجب أن نحترم هذا؟ طبعًا يجب أن نحترم هذا، ولكن إن كانت مصلحتها في القانون الوضعي ذهبت إليه. وإن كان القانون الوضعي سيقول لها: لكِ نصف ممتلكاته، وصاحبنا مفلس لا يملك شيئًا، فإذا ذهبت إلى المحكمة فلن تجد شيئًا، فنعم، لا بد أن ترجع إلينا، وتقول: يا شيخ، أريد الشرع، فعنده مؤخر الصداق. والآخر ربما كان أذكى منها، وكتب ممتلكاته باسم غيره. هذا احتيال، وكل طرف يضحك على الطرف الآخر بشكل ما، وهذا خروج عن أصل المنهج الرباني الذي أنزله ربُّ العالمين سبحانه وتعالى ليضبط حياة الناس وحركتهم، والتفاف حول مزيد من المكاسب الدنيوية.

آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم

كنا نتكلم عن الحفاظ، عن المعتنين بالقرآن الكريم، وقلنا إن كثيرًا من هؤلاء القرآن عندهم ليس معترفًا بوجوده اعترافًا حقيقيًّا، وإنما هو آيات تمر على اللسان والقلب، نسأل الله البركة. ولكن لما تحدث ربُّ العالمين سبحانه وتعالى عن هذا الصنف من الناس قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.[6] فكأنك لما أوتيتَ القرآن أوتيتَ العلم، وكأنك لما أوتيتَ العلم صار القرآن الكريم آياتٍ بينات. وما دلالة ذلك؟ أنه ينير لك طريقك، ويعرّفك المسارات، ويحدد لك المعالم، ويوقفك على الحقائق، ويبيّن لك الصواب من الخطأ.

فالقرآن الكريم بالنسبة لك كهذا الـ GPS، النافيجيشن الذي تتحرك به، يقول لك: يمينًا، شمالًا. آيات بينات، المعالم واضحة، يقول لك: انتبه، السكة التي أنت ماشٍ فيها ستجد عليها زحامًا بعد قليل، فخذ هذا الطريق فهو أحسن، يوفر عليك ثلاث دقائق وخمسًا وأربعين ثانية. إلى هذه الدقة! وأنا مؤمن بالكلام هذا، نعم، مؤمن بالنافيجيشن وبما أوتي من حكمة في دلالة الناس إلى الطرقات. طيب، أيكون إيماني بهذه الوسيلة أعظم من إيماني بأن الله تعالى قد رسم لي خريطة الحياة في القرآن الكريم؟ أيكون هذا من العدل؟ أمن إنصاف العبد نفسَه مع الله سبحانه وتعالى؟ ومن وقوف العبد على حقيقة التنزل الإلهي، تنزلِ القرآن من الله سبحانه وتعالى إلى أرض الحياة الدنيا؟

واجب غير الحفاظ والحفاظ

لو تكلمنا عن الناس نوعين، حفاظًا وغير حفاظ: فغير الحفاظ وجب عليهم أن يحفظوا، لأن تعلم القرآن الكريم مصدر من مصادر الخيرية في هذه الأمة. وقد حدّث النبي ﷺ أن خير الناس من تعلم القرآن وعلّمه،[7] فمن لم يحفظ القرآن الكريم وجب عليه أن يحفظ. فتقول لي: ألا يصعب هذا؟ وليست عندي قدرة. وأنا لا أعرف إلا جملة واحدة في هذا الباب، تقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.[8] فإذا جئتَ تحفظ شيئًا بعد الفجر وقلت: هذه الآية مستعصية عليّ، والصورة هذه لا أستطيع أن أحفظها، ولا أعرف كيف أركّب الآيتين على بعضهما، فلا تستعجل؛ الله سبحانه وتعالى يختبر، لكن وعده عز وجل محقق في أن القرآن ميسَّر للذكر: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾؟ فكأن الله تعالى يستنفر الهمم: من الذي سيقوم لهذا الأمر؟ ومن الذي سيتصدر له؟ ومن الذي سيقول: ها أنا ذا، إنما هو دوري في الحياة أن أحفظ القرآن الكريم لأكون وسيلة لنقله إلى الآخرين؟ القرآن لا ينبغي أن يُحبس عندك. فغير الحافظ واجبه أن يحفظ القرآن الكريم لأنه مصدر خيرية، ولا عذر لأحد في ألا يحفظ؛ لأن الذي وعد بأنه سهل ويسير هو الله سبحانه وتعالى، فقال ربُّ العزة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

وإن تكلمنا عن الحفاظ، فإن من حق القرآن الكريم عليهم أن يتعلموا أحكامه وضوابطه ومعانيه ودلالاته، وأن يدرسوه، وإلا فما فائدة المتن إذا لم يكن حوله شرح؟ والشرح الأول للقرآن الكريم هو سنة النبي ﷺ، ثم تأتي بعد ذلك أفهام العدول من أهل العلم جيلًا بعد جيل، تتجدد معها الفوائد التي يستنبطونها من آيات الذكر الحكيم. وسبحان من هذا كلامه!

ونسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن العمل بما آتانا، وأن يرضينا سبحانه وتعالى بالقرآن الكريم، وأن يجعله سبيلنا إلى الجنة. اللهم آمين. ونستكمل الحديث في هذا الموضوع إن شاء الله، جزاكم الله خيرًا.

--- [1]: توثيق المحرر: رواه مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه بلفظ «الدين النصيحة… لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؛ وأورده المتحدث بتقديم الرسول على الكتاب. [2]: توثيق المحرر: الفرقان: 30؛ والآيات المتلوة بعدها في المتن من الفرقان: 27 إلى 31. [3]: توثيق المحرر: يس: 70. [4]: توثيق المحرر: النساء: 105. [5]: توثيق المحرر: النحل: 43. [6]: توثيق المحرر: العنكبوت: 49. [7]: توثيق المحرر: الحديث بمعنى «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، وهو في صحيح البخاري من حديث عثمان رضي الله عنه. نقله المتحدث بالمعنى. [8]: توثيق المحرر: القمر: 17.

Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں