الدنيا موضع عمل والأخوّة في الله إعداد للقاء
هذه الدنيا موضع عمل نمرّ به، والأخوّة في الله تُعدّنا للقائه
المناسبة: تفريغ خاطرة عشاء ألقيت في بيت الكريم بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
شركة كبيرة ويوم عمل طويل
حاولوا أن تتخيّلوا أننا جميعًا نعمل في شركة واحدة ضخمة جدًّا. لهذه الشركة مبنى هائل فيه مرافق مختلفة متجاورة، ننتقل بينها. وهناك مستويات مختلفة من المناصب: أمين صندوق، وعامل نظافة، ومدير، ومهندس، وهكذا، ونعمل معًا. نذهب إلى العمل في أول النهار، ونقضي اليوم كله هناك، ونعود إلى بيوتنا في آخره.
فاسألوا أنفسكم الآن: كم منّا يحب أن يعود إلى البيت من العمل، وكم منّا يريد أن يبقى هناك ويواصل حتى اليوم التالي؟ أضرب هذا المثال لنفسي أولًا، قبل أي أحد.
حين طلب الله منّا أن نأتي إلى هذه الدنيا، كان كأنه طلب منّا أن نأتي إلى العمل. نحن هنا، نعمل معًا في الميدان نفسه، كلٌّ في موقع مختلف. فإن كنا نحب العودة إلى بيوتنا، فعلينا أن نغادر هذه الدنيا ونرجع إلى الله سبحانه. أما إن كنا نحب البقاء في الدنيا، وأملنا في المزيد والمزيد والمزيد منها، فنحن نتصرف تصرّف السفيه. ولن تجد أحدًا يذهب إلى عمله ثم يأخذ في تغييره لراحته الشخصية. تخيّلوا أنني أعمل معكم هنا وأقول: «لا يعجبني التصميم، أريد أن أغيّره يا صديقي». أنتم ستبقون هنا ساعتين ثم تعودون، ومع ذلك أُصرّ خلال هاتين الساعتين على إنفاق ثروة لإعادة تصميم المكان؟
أو خذوا الفندق. إن كنتَ ستبقى فيه ليلتين أو ثلاثًا، فهل تبني جدارًا في الغرفة، وتغيّر الإضاءة، وتعيد تصميم الحمّام، وتضيف خزانة؟ لن تفعل شيئًا من ذلك أبدًا، لأنك تعلم أنك باقٍ أيامًا قليلة، ليالي قليلة. وكل ما تنفقه هناك لا تستطيع أن تأخذه معك.
النبي جاء كراكب
هذه هي الصورة الحقيقية للنبي محمد ﷺ حين جاء إلى هذه الدنيا، وهي الصورة نفسها التي تعلّمها من الرسل قبله عليهم السلام. أخبرنا أنه عابر في هذه الدنيا كراكب، يمرّ من بابها فحسب.[1]
تخيّلوا أنني أقطع البلاد بسيارتي مسرعًا. لقد عبرتُ مدنًا كثيرة جدًّا. فإن سألتموني أيها كان أفضل، سأسألكم: ما سَعة الشارع؟ لأن هذا كل ما أحتاجه من مدينة: أن تدعني أمرّ بأمان ويسر وأمضي في طريقي. فإن كان المرور بمدينة ميسّرًا فتلك المدينة أحبّ المدن إليّ، لا لما تحويه المدينة، فأنا لا أقيم فيها. أنا أعبر الطريق فحسب.
ووصف نفسه أيضًا بمسافر يتوقف دقائق تحت شجرة، فيلتقط أنفاسه، ويشرب قليلًا من الماء، ويستريح قليلًا، ويقول: «الحمد لله، أنا بخير؛ فلنمضِ الآن». لا يطيل المكث. يواصل حتى يبلغ غايته. وما هذه الغاية؟
قبل مدة غير بعيدة، في يوم أربعاء، انطلقتُ على الطريق إلى سان أنطونيو. وأنهيتُ عملي هناك صباح الجمعة، مبكرًا، وما إن فرغتُ حتى عدتُ إلى دالاس. لم يكن لي شيء آخر أفعله هناك؛ لم تكن مدينتي. وهذه صورة مقامنا في هذه الدنيا. ليست مكاننا. وكل ما نعمله هنا هو المهمة التي طلبها الله منّا.
أحيانًا يسألني أحدهم: «هل تستطيع أن تأتي لتساعدنا؟ نحن نبني مرفقًا هنا». فأذهب، لأنني هناك لأخدم. أساعد، وفي بعض الشهور يُطلب مني أن أعود لأجمع مزيدًا من الدعم؛ ونتابع المشروع من الصفر حتى يكتمل. قضيتُ سنوات مع مركز إسلامي منذ بدايته الأولى. التقطتُ صورة ذاتية حين كان أرضًا جرداء، وبعد سنوات قام مبنى ضخمًا عظيمًا، والحمد لله. ومع ذلك فإذا انتهى المشروع كان لي مشروع آخر في مكان مختلف، فمضيتُ وحسب. وهذا هو مثال مقامنا في هذه الدنيا بعينه.
فإن كانت لنا بيوت ومهن ووظائف وتجارات، فهذه أمور مطلوب منا أن نفعلها، لكن بأمر الله، لا بهوى قلوبنا. لا أريد مالًا أكثر لأنني أحب المال. أريده لأن عندي شيئًا يجب أن أفعله به: أن أبني هذا، وأن أبلغ ذاك. وفي كل منصب نشغله نبقى عبيدًا لله سبحانه.
الحب في الله
وأعالج المسؤولية نفسها تجاه ديننا من زاوية مختلفة. كنت قد حاولت أن أُعدّ لكم محاضرة عن التحاب في الله. هل لك أخ من النسب؟ أم لك إخوة من نوع آخر؟ حين نتحدث عن الأخوّة والأخوّات، فإننا نتحدث عن علاقة قائمة على شيء مختلف.
تأمّلوا لماذا يطلب الله منّا أن نأتي خمس مرات في اليوم ونقف بعضنا إلى جانب بعض. أقول «السلام عليكم» وأرى الشخص نفسه مرة أخرى، وقد أقول في نفسي: «هيا، لا أحبك، لا تقف بجانبي». ومع ذلك فالله يطلب مني أن آتي وأراك. وإن افتقدتُك سألتُ عنك. أقول لأخ: «لم أرك منذ مدة طويلة»، فيقول: «أسبوعان، كنت مشغولًا بكذا وكذا». أشتاق إلى أحدهم؛ فهذا يعني أن له جزءًا من قلبي، وغرفة فيه. فأي علاقة هذه بيننا؟ إنها ما يطلبه الله مني حين يطلب مني أن آتي: علاقة قائمة على الحب في الله. وهذه هي العلاقة الحقيقية التي نلقى بها الله سبحانه.
وقد بيّن لنا النبي ﷺ منزلة هؤلاء الإخوة. في ذلك اليوم يأتون ليجلسوا على منابر.[2] والمنبر مكان عالٍ تجلس عليه فيراك أي أحد. تخيّلوا مقاعد كبيرة فاخرة وثيرة جدًّا وعالية، تسترخون عليها، كالدرجة الأولى في الطائرة. هل جرّبتموها؟ ليس بعد؟ جرّبتُ مرة، بالخطأ. على أي حال، حين تنظر إلى من حولك تجد الجميع مرتاحين. فتخيّلوا أننا، بسبب هذه العلاقة، أُعطينا مقعدًا مختلفًا من عند الله في الجنة، ويسأل الله: «لماذا أنت هنا؟ كيف أُعطيتَ هذه المنزلة؟» فيكون الجواب: «لأنني أحببتُ ذلك الشخص خالصًا لوجهك، لا لشيء آخر».
ووصف النبي ﷺ مرة منزلة المسافر.[3] خرج رجل من بيته إلى قرية أخرى أو مدينة أو ولاية، فوكّل الله به ملَكًا في صورة رجل، فسأله: «من أين أنت؟» «من مصر». «إلى أين تذهب؟» «إلى أمريكا». «هل لك عمل هناك؟» «لا». «صلة رحم، قريب؟» «لا». «فلماذا تذهب؟» «لأزور أحد إخواني في الله. هو أخ لي في الإيمان». فأخبره الملَك أنه ليس بينهما علاقة أخرى، وأن الله سيثيبه على تلك الرحلة.[4]
أنا لا أطلب من الناس أن يسافروا إلى كل مكان. إنما أطلب من قلوبنا أن تشعر بأهمية علاقة مبنية على الدين.
هل نعرف بعضنا؟
سألتُ هذا السؤال هنا من قبل: هل نعرف بعضنا؟ هل عندنا حتى أسماء بعضنا كاملة، الأول والأخير؟ هل نعرف ما يعمله كل منا، وما طبيعة عمله، وكيف أعينه وكيف يسندني؟ إن كان عندنا مشروع، وإن احتجنا إلى إنجاز شيء في المسجد، فهل نعرف موقع كل أخ، حتى نقول: «يا أخي، تعال، نحتاج إلى مساعدتك في هذا الأمر بعينه»؟ هذه أهمية وجود العلاقة.
تخيّلوا أنك جئت إلى الصلاة، فنظر أحدهم إلى وجهك. «كيف حالك اليوم؟» «الحمد لله». لكن وجهك يقول غير ذلك. «هل من خطب؟» «في الحقيقة لم أنم كفاية»، وهكذا. «أعرف من يستطيع مساعدتك». فتُحلّ مشكلة. أو لعلك جئت لتجد من يسندك ويكون رفيقك. أسمع أبنائي يقولون بالإنجليزية: «هاي، بَدِي» (أي: يا رفيقي). فأسألهم عن معنى الكلمة. لو أنهم أحسّوا بمعنى الكلمة لاستمتعوا بها حين أقولها لأخي. لا أستطيع أن أقولها أنا؛ فربما أقول شيئًا خطأً بالإنجليزية. لكن هذه هي الفكرة.
وإذا كانت بيننا علاقة طيبة، أصلح الله سبحانه العلاقة بيننا وبينه. والعكس: إذا كانت لك علاقة قوية بالله، أصلح الله كل المشكلات بينك وبين سائر الناس. أأعيدها؟ بقدر ما تكون العلاقة بينك وبين الله قوية، يصلح الله علاقتك بمن حولك. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن القلوب بين إصبعين من أصابع الله سبحانه، يقلّبها كيف يشاء.[5] فيجعل في القلب الألفة والرحمة، أو القسوة، حيث شاء، بحسب علاقتك به. إن الله يُعِدّ من حولك ليكونوا معك.
استعدّوا للنداء
لا أريد أن أطيل، لكن من أهم النقاط: نحن زائرون لهذه الدنيا زمنًا يسيرًا، لسنا هنا إلى الأبد. وكل ما نعمله فيها نعمله بأمر الله، وقد أُمرنا بالعمارة وإصلاح الأرض. جئنا لسبب وعلّة، وبعد ذلك سنترك كل شيء خلفنا.
ونقطة أخرى مهمة: لا أحد يعلم متى نرحل. ستقف الحافلة عند الباب وتنادي الأسماء، ولن يكون هناك وقت للاستعداد. تخيّلوا أننا في المطار ننتظر الإقلاع فحسب، فتأتي الحافلة وتقول: «هذا أحمد، محمد، إبراهيم، فلان، جاء دوركم. تعالوا». فتأخذ حقيبتك وتمضي. وما تتركه خلفك فقد انتهى.
فهل نستطيع أن نُعِدّ قلوبنا لذلك اللقاء مع الله؟ قبل كل شيء، هل نستطيع أن نعود الليلة إلى البيت ونصلّي ركعتين فحسب، ونسأل الله خلالهما: «رُدَّ قلوبنا إليك. أرجوك، رُدَّ قلبي إليك. علّمني كيف أجعلك هدفي الوحيد، فلا أحتاج إلى شيء سواك»؟
وكل ما في أيدينا إنما هو في أيدينا فحسب. معي هذا الميكروفون الآن، لا لنفسي، فأنا أسمع نفسي، بل لكم. وكل ما في يدك اجعله لسائر من حولك من الناس.
تقبّل الله منا جميعًا، وجعل مقاصدنا خالصة لوجهه سبحانه، وأعدّ قلوبنا للقائه نقيّة صافية، ورزقنا الجنة.
--- [1]: توثيق المحرر: يعبّر المتحدث بالمعنى دون أن يسوق لفظًا. وصورة الراكب الذي يستظل بظل شجرة ثم يرحل واردة في حديث «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» رواه الترمذي وغيره. أما عبارة «يمرّ من بابها» وذكر الرسل السابقين فلم يمكن مطابقتهما بلفظ محدد. [2]: توثيق المحرر: لم يذكر المتحدث اللفظ. ويحتمل أنه يشير إلى حديث «الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ» (رواه الترمذي). وهذا استنباط من المحرر. [3]: توثيق المحرر: هذا من رواية المتحدث نفسه، وقد حوّل الحوار إلى أجواء العصر. والحديث المشهور في صحيح مسلم عن رجل زار أخًا له في قرية أخرى ينتهي بقول الملَك إن الله يحبه كما أحبّ أخاه في الله. [4]: توثيق المحرر: يقول المتحدث عند هذا الموضع إن الملَك أخبره بأن الله سيجعل له أجرًا «بين الأرض والسماوات» على ما أنفقه في الرحلة. وهذه عبارة المتحدث نفسه ولا توافق حديث صحيح مسلم (انظر الحاشية 3)؛ وقد تُركت خارج متن النص إلى أن يقرر المؤلف. [5]: توثيق المحرر: يُقارَن بالحديث في صحيح مسلم أن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔