﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: التكريم والحمل والرزق
في قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾: دلالة التكريم والحمل والرزق
المناسبة: تفريغ خاطرة فجر أُلقيت بتاريخ 9 يونيو 2026م المصدر: تفريغ خاطرة مرئية للدكتور أحمد أبو سيف، مشاهدة الفيديو الأصلي على يوتيوب
قرأنا في صلاة الفجر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[1]. فما دلالة مصطلح التكريم؟
بنو آدم لا مطلق الناس
الإنسان الذي جاء ليُكرَّم هو مختار من جملة من حوله ليكون فوقهم بمرتبة. غير أننا نتساءل: هل المراد بالتكريم عموم البشر، أم المراد بنو آدم؟ وهل ثمة فرق بين الاثنين؟ إن الخطاب بالآدمية استشعارٌ بأنك «آدمي». وكلمة «آدمي» عند إخواننا الشوام تعني إنسانًا متميزًا عن غيره بأخلاقه وسلوكياته ونفسيته الطيبة وعقله المميّز وحسن اختياره للأشياء والأشخاص. فالآية لم تقل: ولقد كرّمنا الناس، وإنما قالت: كرّمنا بني آدم؛ فالعلاقة بينه وبين غيره ليست علاقة الإيمان والشرك، وإنما علاقة الآدمية، وما يقابلها هو البهيمية. فهناك إنسان يعيش آدميًّا، وهناك شخص يعيش كالبهائم، أعزّكم الله. وفي موضع آخر قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾[2]، والعياذ بالله، نسأل الله السلامة.
ويقابله مخلوق آخر على الشكل نفسه والهيئة نفسها، لكنه ليس آدميًّا يعيش على الأرض؛ هذا غير مكرَّم، وإنما اختار لنفسه الهوان اختيارًا. والأصل أن الله تبارك وتعالى كرّم بني آدم. فلماذا قال «بني آدم»؟ للدلالة على أنه من أول آدم وأنت آتٍ، قابلية التكريم موجودة؛ فأنت تستطيع أن تختار لنفسك أن تكون مكرَّمًا، أو أن تكون مهانًا، والعياذ بالله.
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ﴾: التنقّل مكفول
ثم يقول ربنا: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. وما دلالة هذه الجملة؟ حين تقول لأحد: أنا حاملك، فماذا تعني؟ أنا رافعك عن الأرض. فكأن الله حملنا في الأرزاق، وفي الأقوات، وفي الأعمار، وفي الشمس التي تخرج، والنهار الذي يمضي، والليل الذي يأتي، والبحار التي تروي الأنهار التي تجري؛ كل ذلك من حمل الله تبارك وتعالى لهؤلاء البشر.
وفي معنى آخر: إنك إذا حملت إنسانًا فإنما تحمله لتنقله من موطن إلى آخر، أليس كذلك؟ فإذا برب العالمين يحدّثك بأنه كرّمك فاختارك، ثم التنقّلات نفسها على الله عز وجل. حركتك في الحياة لست أنت المطالَب بها بقدر ما هي مكفولة مضمونة من ربّ العزة سبحانه. فلا أرزاق أنت حامل همّها؛ أنت تسعى وتتبع الأسباب، وتضرب في الأرض، وتطرق الأبواب، وتجتهد وتحاول، ليس لتحصيل الرزق، وإنما لتشعر بآدميتك، وأنك إنسان تكتسب لا تعيش عالةً على غيرك. وكأن ربي عز وجل أتاح لي فرصة السعي لأشعر أنا بالاستقرار، وليس لأن الله رتّب الرزق على أن تتحرك أو لا تتحرك.
آيتا الرزق في هود والعنكبوت
وقد شرحنا دائمًا الفرق بين آيتين. الأولى في هود: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾[3]. واتفقنا على أنك إذا كنت صاحب «دبيب» أي تقدر على الحركة، فرزقك في السماء، ومطلوب منك أن تسعى لتجلبه. فماذا عمّن لا قدرة له على الدبيب، لا يقدر على المشي ولا الحركة ولا العمل ولا الدوام ولا التفكير، فأين يذهب؟ أليس له رزق؟ يأتي الجواب في الآية الثانية: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾[4]، فهي لا تحمل رزقها، والله يرزقها، يجلب لها الطعام ممن هو مؤهَّل لذلك.
فقضية السعي، والارتباط بين السعي وتحصيل الأرزاق، جعلها ربّ العالمين قضية سببية. لماذا؟ لتشعر أنت بأن لك قيمة.
لولا حمل الله ما قمنا
يقول الله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ﴾. فلولا حمل الله للعبد ما استطعت أن أقوم فيكم الآن متحدثًا، وما استطعت أنت أن تذهب إلى مشفاك أو عملك اليوم، وما كنت وسط زملائك في الشركة، ولا في الميدان الذي تعمل فيه. لا أحد يتحرك لولا حمل الله عز وجل للناس. ثم يقول سبحانه: ﴿وَرَزَقْنَاهُم﴾، وهذا الرزق مترتب على السعي الذي أثبت الله لك فيه أنك صاحب مسؤولية في الحياة، وأنك جدير بأن توجد في هذه الأرض. فهي كلها من الأول إلى الآخر تكريم من ربّ العالمين.
مثال الطفل
تخيّل أن لديك طفلًا لا يستطيع أن يحرّك يده كثيرًا، ويشعر أنه أقل من إخوته. فتقول له مرة: يا حبيبي، ناولني هذا الكوب. فيمدّ يده ويأخذ الكوب ويعطيه لك. تخيّل شعوره: كأنه أنجز ما لم ينجزه الأولون والآخرون! المسألة نفسية؛ لم يفعل شيئًا في الحقيقة، لكنه نفسيًّا يستشعر أنه صاحب قوة. فحين كلّفنا الله بالضرب في الأرض، لم يكن ذلك لتحصيل أرزاق لن توجد إلا بسعينا، وإنما كفل ربّ العالمين سبحانه كلَّ البريّة: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾[5].
الطيبات والتفضيل
ثم يقول ربنا: ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. والرزق إذا جاء من الله فهو طيّب، ولا ينال الطيب إلا الطيبون. ثم يقول: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. ترى هذا النوع من الآدميين في أي مجتمع وفي أي ثقافة؛ أصحاب مكانة، قد يكونون فقراء مُدقعين، ليس لديهم مال ولا منصب، لكنهم مكرَّمون نفسيًّا في قلوب من حولهم. فتجد من يقول لأحدهم: يا عم فلان، أستشيرك في موضوع، فيقول: لم أجد غيرك، إني أثق بك. فتراهم محلّ ثقة الناس، ومحلّ تقدير الخلق، وموطن اعتزاز البشرية.
حلاوة الآيات
الآيات عذبة الطعم، طيّبة المذاق، والفهم منها مثرٍ، وإنك لتجد نفسك منتعشًا إذا فكّرت فيها ولو للحظات، وتحسّ أنك صاحب قيمة في هذه الدنيا، صاحب كرامة، إنسان يسعى على الأرض بآدميته. فنسأل الله عز وجل ألّا يسلبنا هذه الآدمية، وأن يجعلنا موطن ثقته سبحانه في الأرض، فيستعملنا ولا يستبدلنا. اللهم آمين يا ربّ العالمين.
--- [1]: توثيق المحرر: الإسراء: 70. [2]: توثيق المحرر: الفرقان: 44، وذكر المتحدث من الآية هذا القدر. [3]: توثيق المحرر: هود: 6. [4]: توثيق المحرر: العنكبوت: 60. ذكر المتحدث الآية مجملةً وفهم منها أن الله يرزق من لا يحمل رزقه؛ وتتمتها في المصحف: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. [5]: توثيق المحرر: الإسراء: 100.
تبصرے
مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔
ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔