أ
ڈاکٹر احمد ابو سیف
اکیڈمی آف امامز
Text size
مضامین پر واپس
سلسلہ · قسط 37
ایمانی مفاہیم
ایمانی مفاہیم

الهداية في القرآن

دلالةٌ بلطف، وتوفيقٌ يختصّ به الله

ڈاکٹر احمد ابو سیف•18 اکتوبر 2026•12 منٹ مطالعہ

ليلٌ ساكن، وسماءٌ تتبدّل، ورجلٌ واقفٌ بين قومٍ يعبدون ما يرون. يطلع القمر بازغًا فيقول: هذا ربي. ثم يغيب، فلا يستعين الرجل بحجّةٍ ولا بجدال، بل يرفع طلبًا: ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ (٦:٧٧). ثم تطلع الشمس بازغةً ثم تأفل (٦:٧٨)، فيتبرأ مما يشركون ويوجّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض (٦:٧٩). وبعد أسطرٍ قليلة يقف أمام قومه وقد تبدّل الفعل في فمه من المضارع المعلَّق على شرطٍ إلى الماضي المتحقِّق: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ (٦:٨٠)، ثم يختم الصورة بإعلانٍ لا تردّد فيه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٦:١٦١). بين «لئن لم يهدني» و«هداني ربي» تقع رحلة الهداية كلها: عبدٌ يطلب وهو لم يصل، وربٌّ يهدي فيصل. وفي هذا المقال نقف عند ما يصنعه القرآن بهذا الجذر، وكيف جعل حرفًا واحدًا بعد الفعل يغيّر معنى الطريق.

ثلاثمئة وست عشرة مرة في اثنتي عشرة صيغة

بحسب قاموس مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com) يرد جذر «هـ د ي» في القرآن ٣١٦ مرة في اثنتي عشرة صيغة[1]. أكثرها الفعل «هَدَى» ١٤٤ مرة، ثم الاسم «هُدًى» ٨٥ مرة، ثم «اهْتَدَى» ٤٠ مرة، ثم «مُهْتَدُون» و«مُهْتَدِين» ١٧ مرة، وتأتي «أَهْدَى» و«هَاد» و«هَدْي» سبع مرات لكلٍّ منها، وبقية الصيغ قليلة. وجمع التفصيل يطابق الإجمال. ومن هذا العدد مواضع خارج معنى الدلالة على الطريق: «الهَدْي» بمعنى الذبائح، كما في (٢:١٩٦) و(٥:٢)، و«الهدية» التي بعثتها بلقيس في (٢٧:٣٥-٣٦). فهذه المواضع من الجذر نفسه عند المدوّنة، لكنها خارج معنى الدلالة على الطريق الذي يشغلنا هنا.

وهذا ما أشار إليه الراغب الأصفهاني: «الهداية دلالة بلطف، ومنه: الهديّة، وهوادي الوحش. أي: متقدّماتها الهادية لغيرها، وخصّ ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت»[2]. فالهداية دلالةٌ لا قهر، وهي «بلطف»؛ ومن عطاء الشيء لا يقال «هديت» بل «أهديت». وتوافقه عبارة ابن فارس: «الهاء والدال والحرف المعتلّ: أصلانِ [أحدهما] التقدُّمُ للإرشاد، والآخر بَعثة لَطَفٍ»، ثم يمثّل بقولهم: «هدَيتُه الطَّريق هِدايةً، أى تقدّمتُه لأرشدَه. وكلُّ متقدِّمٍ لذلك هادٍ»، ومن الباب «الهادِيَةُ: العصا، لأنَّها تتقدَّم مُمِسكَها كأنَّها تُرشِده»[3]. فالهادي في اللغة من يمشي أمامك ويدلّك، لا من يجرّك من ثوبك. وعصا الأعمى في يده هادية، تسبقه فتخبره بما أمامه.

حرفٌ واحدٌ يغيّر الطريق

وأول ما يلفت من صنيع القرآن بهذا الفعل أنه يعدّيه بطرقٍ متعددة، لكلٍّ منها ظلّ. وقد أحصيتُ أمثلة هذه التعدية من قوائم المدوّنة، وهي أمثلة موثَّقة بمواضعها وليست إحصاءً شاملًا. فمن الأفعال ما يتعدّى بنفسه إلى مفعولين: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١:٦)، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٩٠:١٠)، ﴿عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٨:٢٢). ومنها ما يتعدّى بـ«إلى»: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٤٢:٥٢). ومنها ما يتعدّى باللام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا﴾ (٧:٤٣). ومنها ما تدخله الباء للدلالة على الأداة: ﴿نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ﴾ (٤٢:٥٢).

وقد نبّه ابن كثير إلى أثر هذا التنوع في المعنى: «والهداية هاهنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا… فتضمن معنى ألهمنا، أو وفقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا». ثم قال عن التعدية بـ«إلى»: «وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة»، وعن التعدية باللام في قول أهل الجنة: «أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا»[4]. فالحرف بعد الفعل يميل بالمعنى بين الدلالة والتوفيق. ولا يعمّم ابن كثير هذا ضابطًا مطّردًا، ولذلك لا أعمّمه أنا، وإنما أسجّل الملحظ كما قاله. وأما الزمخشري فيقول: «هدى أصله أن يتعدى باللام أو بإلى»[5]؛ أي أن التعدية المباشرة عنده فرعٌ عن الأصل لا الأصل نفسه. فاتفقا على أن التعدية المباشرة في «اهدنا» تحمل معنى لا يؤديه الإخبار بالطريق وحده، وتباينا في العبارة والتقسيم.

وفي القرآن مع ذلك استعمالٌ مفاجئ: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٣٧:٢٣)، فقد تعدّى الفعل بـ«إلى» ولكن إلى الجحيم! وقد نقل الراغب في توجيهه: «قيل: ذلك استعمل فيه استعمال اللّفظ على التهكّم مبالغة في المعنى»[2]؛ فالقرآن يسوق لفظ الهداية نفسه ليسخر به في غير موضعه.

«اهدنا»: سؤال من كان على الطريق

وأول ما نطلبه في كل ركعة هو الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١:٦). ويثور السؤال القديم: كيف يطلب المؤمن ما هو عليه؟ يجيب الزمخشري: «ومعنى طلب الهداية وهم مهتدون طلب زيادة الهدى بمنح الإلطاف»، ويستشهد بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٤٧:١٧)، ويورد عن علي وأُبيّ رضي الله عنهما: «اهدنا ثبّتنا»[5]. أما الرازي فينظر من جهة أخرى: «فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية، ولتحصيل الهداية طريقان: أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة، والثاني: بتصفية الباطن والرياضة»[6]. فعند الزمخشري سؤال المهتدي زيادةً وتثبيتًا، وعند الرازي سؤالٌ يتوجّه إلى طريقين: علم الدليل، وتهذيب القلب. وفي القولين ما يؤكد أن الهداية ليست محطةً يصل إليها العبد فيستريح، بل طريقٌ يُسأل الله فيه المزيد.

وهذا ما تقوله السنة بأصرح عبارة. ففي الحديث القدسي عن أبي ذر: «يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم»[7]. هو أمرٌ بطلب الهداية ممن هو في الأصل «ضالّ» إلا أن يُهدى. وكان من دعائه ﷺ: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»[8]، فقرن الهدى بالتقى، كما قرنهما القرآن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٤٧:١٧). وعلّم عليًّا رضي الله عنه دعاءً يستحضر الصورة اللغوية التي رأيناها عند ابن فارس: «قل: اللهم اهدني وسدّدني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم»[9]. فمن أراد أن يتذكر معنى الهداية فليتذكر مسافرًا يتحرّى الطريق، ومن أراد معنى السداد فليتذكر سهمًا يتحرّى الهدف.

هدايةٌ تُنفى وهدايةٌ تُثبت

وهنا نصل إلى موضع الدقّة الأكبر في استعمال القرآن. يقول الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢٨:٥٦). ويقول له في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٤٢:٥٢). نفيٌ وإثباتٌ لفعلٍ واحد وفاعلٍ واحد! فكيف؟

سبب نزول الآية الأولى في الصحيح: لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له النبي ﷺ: «أي عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾[10]. قال ابن كثير: «أي: ليس إليك ذلك؛ إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء». وفسّرها الطبري بأن الله يهدي من يشاء «بتوفيقه للإيمان به وبرسوله»[11]. أما الآية الثانية فقال فيها الطبري: «لتهدي إلى صراط مستقيم عبادنا، بالدعاء إلى الله، والبيان لهم»، وعن السدي: «تدعو إلى دين مستقيم»؛ وابن كثير يلحظ أن الفاعل في «نهدي به» هو الله، والقرآن أداته[12].

فالجواب أن الهداية المنفية هي هداية التوفيق والقبول، والمثبتة هي هداية الدعوة والبيان. وبهذا صرّح الراغب: «والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدا إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات، وإلى الأول أشار بقوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم… وإلى سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت». ويقسّم الراغب هداية الله إلى أربعة أوجه: الأولى العامة من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، والثانية الدعوة على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن، والثالثة «التوفيق الذي يختصّ به من اهتدى»، والرابعة «الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة». ويقول: «وهذه الهدايات الأربع مترتّبة»، وإن من لم يحصل له الأول لا يحصل له الثاني، وهكذا. ثم يضيف قاعدةً تضبط الباب: «وكلّ هداية ذكر الله عزّ وجلّ أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون»[13].

وهذه القاعدة تفسّر تكرار قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢٨:٥٠). فقد وردت «يهدي» منفيةً مع «القوم الظالمين» أو «الكافرين» أو «الفاسقين» في مواضع كثيرة، عددتُها من قائمة المدوّنة ثمانية عشر موضعًا[14]، وليست هذه نتيجة إحصاء مستقل. والمعنى بحسب الراغب أن التوفيق يُمنع، لا أن الدلالة لا تُقدَّم. فالباب مفتوح، والبيان قائم، والظلم هو الذي يغلق القلب دونه. وأما الخلاف الصغير في الآية فهو في تحديد «من أحببت»: يقول القرطبي إن الزجاج قال «أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب»، ويصحّح القرطبي العبارة بقوله: «أجمع جل المفسرين». ويحكي عن أبي روق أن قوله «ولكن الله يهدي من يشاء» إشارة إلى العباس، وعن مجاهد: «لمن قدر له أن يهتدي»[15]. وفي هذا كله ما يؤكد أن المقصود القاعدة، لا شخص بعينه.

«ووجدك ضالًّا فهدى»

وفي سورة الضحى يمتنّ الله على نبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ (٩٣:٧). والفعل «فهدى» جاء بلا متعلّق مذكور، فلم يُقل إلى ماذا. وقد اختلف المفسرون في معنى «ضالًّا». فعند الطبري: «ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم»، وعن السدي: «كان على أمر قومه أربعين عاما»، وقيل: «ووجدك في قوم ضلال فهداك». وعند القرطبي: «أي غافلا عما يراد بك من أمر النبوة»، وقال: «والضلال هنا بمعنى الغفلة». وحكى ابن كثير عن البغوي قولًا ثالثًا أنه ضلّ في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع[16].

فهي قراءات ثلاث: ضلال دين عند من حمله على الحال قبل الوحي، وغفلة عمّا ينتظره، وضلال طريق حسّي. والذي يظهر لي، على سبيل الاستئناس لا الجزم، أن الحذف بعد «فهدى» يترك الهداية مطلقة، فيتّسع الامتنان لكل ما أعطاه الله لنبيّه من دلالة وتوفيق، ولا يضيق بتخصيصٍ لم ينصّ عليه النص. وأياً كان القول، فالفعل فعل الله، والنبي ﷺ كان محلّ العناية قبل أن يكون صاحب الدعوة.

«ثم اهتدى»: ما بعد التوبة والعمل

وتأتي أدقّ المواضع في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (٢٠:٨٢). فما الذي بعد التوبة والإيمان والعمل الصالح حتى يقال «ثم اهتدى»؟ يقول الطبري: «ثم لزم ذلك، فاستقام ولم يضيّع شيئا منه». وفي ابن كثير أقوال: عن ابن عباس «أي ثم لم يشكّك»، وعن سعيد بن جبير «استقام على السنة والجماعة»، وعن قتادة «لزم الإسلام حتى يموت»، وعن سفيان الثوري «علم أن لهذا ثوابا»، ثم نبّه على أن «ثم» هاهنا «لترتيب الخبر على الخبر»[17].

وهذا خلافٌ تنوّع أكثر منه تضادّ. فالاهتداء بعد العمل عند الطبري وقتادة ثباتٌ واستمرار، وعند ابن عباس يقين بلا شك، وعند الثوري علمٌ بالجزاء يحرّك القلب. وإذا أخذنا بقول ابن كثير إن «ثم» لترتيب الخبر لا الزمن، صارت الآية تذكر الهداية قمّةً لسلسلةٍ لا حلقةً متأخرة عنها. ومما يلوح لي أن القرآن يوزّع الفعلين بين الفاعلين: فالعبد هو الذي يَهتدي لنفسه، كما في ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ (١٧:١٥)، أما «هدى» فهو في الغالب فعل الله. وذلك ما رأيناه في قوس إبراهيم: «هداني» من الله، وثمرته «اهتداؤه» هو.

قبل الوحي: هدايةٌ تعمّ الأشياء

ولا يحصر القرآن الهداية في الوحي. ففي جواب موسى لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (٢٠:٥٠). وقد اختلف المفسرون هنا أيضًا: فروى الطبري عن ابن عباس أنه هداه «لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده»، ونقل ابن كثير عن سعيد بن جبير: «أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه»، وعن بعضهم أن المعنى كقوله «قدّر فهدى» أي قدّر قدرًا وهدى الخلائق إليه[18]. فالأول يحصر في النكاح والمعاش، والثاني يعمّم إلى التقدير كله. وجعلها الراغب شاهدًا على الهداية الأولى العامة. فالهداية على هذا القول سابقةٌ للوحي، تبدأ مع الخلق نفسه، حتى لو لم يُنزَّل كتاب.

ويلتقي هذا بمشهد موسى نفسه. فقد قال حين توجّه تلقاء مدين خائفًا وليس معه دليل: ﴿عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٨:٢٢)، فسأل هدايةً في الطريق الحسي. ثم رأى بعد سنين نارًا فقال لأهله: ﴿لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٢٠:١٠)، يريد هدًى للطريق، فإذا به يُنادى للوحي. فالجذر الواحد يجمع في حياة النبي الواحد الطريقَ بين البلدين والطريقَ بين العبد وربه.

صورة الهداية حين تكتمل

إذا جمعنا ما سبق ظهرت صورة متماسكة. الهداية في القرآن دلالةٌ بلطف، تقدّم أمامك ولا تجرّك. وأعلى مراتبها لله وحده، وهي التوفيق الذي لا يملكه نبيّ، وللإنسان منها ما يملك: الدعاء والبيان. ثم هي مراتب تتتابع: عقلٌ وفطرة، فوحيٌ يدعو، فتوفيقٌ يقبل، فجنّةٌ تُدخل. وفي الأخيرة يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٧:٤٣)؛ فينتهي الطريق بما بدأ به: إقرارٌ بأن الهداية من الله.

وفي خصوصية الكتاب يقول: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٢:٢). ويسأل الطبري: لو كان الكتاب نورًا لغير المتقين لما خصّ الله المتقين، ثم يجيب: «فالمؤمن به مهتد، والكافر به محجوج». أما الزمخشري فيعلّل التخصيص بعلم الله بالفريقين: فريق بقاؤه على الضلال معلوم، وفريق مصيره إلى الهدى، «فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة»[19]. فالأول يجعل الكتاب بيانًا للجميع ينتفع به المتقون، والثاني ينظر إلى علم الله بمآل الفريقين. وكلاهما يُبقي الباب مفتوحًا والمسؤولية على الإنسان.

وللهداية قابلية الزيادة، كما رأينا في ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٤٧:١٧)، فليس في الناس مهتدٍ بلغ النهاية فاستغنى عن السؤال. ولعلّ هذا ما يفسّر أن أول دعاءٍ في المصحف دعاءُ هداية، يُردَّد في كل ركعة، وأن موسى عليه السلام قال وهو متوجّه تلقاء مدين «عسى ربي أن يهديني»، ثم هُدي عند النار إلى ما هو أعظم من الطريق؛ فكلّ هداية متحققة تفتح بابًا لسؤال هدايةٍ بعدها.

الهداية اليوم: بين من يُقنع ومن يُثبّت

يحمل هذا الفرق بين الدلالة والتوفيق أثرًا تربويًّا مباشرًا. فالداعية والمعلّم والأب والإمام في المسجد كلهم يملكون ما ملكه النبي ﷺ: الدعوة والبيان، وليس لأحدهم ما نُفي عنه من التوفيق. فمن ظنّ أن نجاحه في الدعوة يقاس بأن يهتدي كل من حاوره، نسي أن الحبّ لا يصنع الهدى، وقد نزل في حبّ النبي ﷺ لعمّه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ فلا يُلام الحبيب على حبّه، ولا يُنتظر من الحبّ أن يصنع الهدى. وبالمقابل من ظنّ أن «الله يهدي من يشاء» تعفيه من إتقان البيان وحسن العرض وطول النفس، فقد قلب الآية؛ لأن الآية الأخرى تثبت له الدعوة ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾. فالواجب جمعُ الطرفين: أن نبذل للناس دلالةً بلطف، كما قال الراغب وابن فارس، دون تعنيف ولا جرّ من الثياب، ثم نرفع أكفّنا بأن يوفّق الله.

وللمربّي الذي يرعى أبناءً في بيئةٍ كثرت فيها الدلالات المتزاحمة أن يتأمل شأن إبراهيم؛ ومما يلوح لي أن الحقّ لم يُلقَّن له تلقينًا، بل وُضع في سلسلةٍ من الأسئلة والأفول. فدلالة الطريق قد تمرّ بالسؤال قبل الجواب، وبالاستغراب قبل التسليم. وليعلّم الناشئة أن يقولوا «اهدنا» عن معرفة لا عن عادة، وأن يربطوا بين طلب الهدى وطلب التقى، كما ربط الحديث والآية. وقد يطول بالمرء الطريق وهو على الصراط، فيحتاج إلى «ثم اهتدى» التي تعني الثبات إلى الأجل، كما قال قتادة فيما رواه ابن كثير. والشاب اليوم الذي يقف على مفترق الأفكار والمنصات كما وقف موسى في طريق مدين يحتاج إلى أن يقول: «عسى ربي أن يهديني سواء السبيل»، وألا يقنع بنفسه مرشدًا.

حين يقول العبد في آخر الطريق ما قاله في أوله

يبدأ الطريق بسؤال، وينتهي بحمد. يسأل العبد في أول المشهد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ويقول في آخره، وقد دخل الجنة ورأى أن الأنهار تجري من تحته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٧:٤٣). وبينهما عمرٌ كامل من الحيرة والعمل والثبات. اللهم كما هديتنا للإسلام فثبّتنا عليه، وزدنا هدًى، وآتنا تقوانا، ولا تجعلنا ممن أحببنا هدايتهم فلم نُوفَّق لها، ولا ممن قدّر الله لهم الهدى فتركوه. اللهم اهدنا وسدّدنا، واجعل لنا من الهدى نورًا نمشي به، واهدنا إليك سواء السبيل، وأدخلنا الجنة بفضلك، فنقول هناك: الحمد لله الذي هدانا لهذا.


الهوامش

  1. مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، قاموس القرآن، الجذر «هـ د ي» (qurandictionary.jsp?q=hdy): ورد فيها أن الجذر يتكرر ٣١٦ مرة في ١٢ صيغة مشتقة، وتفصيلها: هَدَى ١٤٤، اهْتَدَى ٤٠، أَهْدَى ٧، هُدًى ٨٥، هَدْي ٧، هَدِيَّة ٢، هَاد ٧، هَادِي ٣ (٢٧:٨١، ٧:١٨٦، ٢٥:٣١)، مُهْتَدٍ ٣، مُهْتَدُون/مُهْتَدِين ١٧، مُهْتَدِي ١. مواضع الهَدْي: ٢:١٩٦ و٥:٢ و٥:٩٥ و٥:٩٧ و٤٨:٢٥، والهدية: ٢٧:٣٥ و٢٧:٣٦. [2]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «هدى». [3]: ابن فارس، «معجم مقاييس اللغة»، مادة «هدى». [4]: ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير الفاتحة ١:٦. [5]: الزمخشري، «الكشاف»، تفسير الفاتحة ١:٦. [6]: الرازي، «مفاتيح الغيب»، تفسير الفاتحة ١:٦. [7]: رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى. [8]: رواه مسلم (٢٧٢١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [9]: رواه مسلم (٢٧٢٥) من حديث علي رضي الله عنه. [10]: رواه البخاري (٤٧٧٢) من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه في وفاة أبي طالب. [11]: ابن كثير والطبري، تفسير القصص ٢٨:٥٦. [12]: الطبري، تفسير الشورى ٤٢:٥٢؛ وابن كثير، تفسير الشورى ٤٢:٥٢. [13]: الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن»، مادة «هدى». [14]: بحسب قوائم مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com) للفعل «يهدي» منفيًّا مع القوم الظالمين أو الكافرين أو الفاسقين: ٢:٢٥٨، ٢:٢٦٤، ٣:٨٦، ٥:٥١، ٥:٦٧، ٥:١٠٨، ٦:١٤٤، ٩:١٩، ٩:٢٤، ٩:٣٧، ٩:٨٠، ٩:١٠٩، ٢٨:٥٠، ٤٦:١٠، ٦١:٥، ٦١:٧، ٦٢:٥، ٦٣:٦. [15]: القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير القصص ٢٨:٥٦. [16]: الطبري والقرطبي وابن كثير، تفسير الضحى ٩٣:٧ (وحكى ابن كثير القول الثالث عن البغوي). [17]: الطبري وابن كثير، تفسير طه ٢٠:٨٢. [18]: الطبري وابن كثير، تفسير طه ٢٠:٥٠. [19]: الطبري والزمخشري، تفسير البقرة ٢:٢.↩
Share this article

تبصرے

مضمون کے بارے میں کوئی فائدہ یا نوٹ شیئر کریں، ہم آپ کی رائے کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

ابھی تک کوئی تبصرہ شائع نہیں ہوا۔ پہلے تبصرہ کرنے والے بنیں۔

امید ہے مضمون سے مستفید ہوئے، ہم آپ کے تبصرے اور نصیحت کا خیر مقدم کرتے ہیں۔

شیخ سے پوچھیں